Uncategorized

حلم دولة جديدة وجمهورية ثانية

دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الثلاثاء الماضي في مناسبة الندوة التثقيفية للقوات المسلحة إلى اعتبار الانتقال إلى العاصمة الإدارية بمثابة الإيذان بمولد دولة جديدة، وجمهورية ثانية، وحث المفكرين والخبراء على الاهتمام بهذا الأمر، والمشاركة في توضيح معالم هذه النقلة في تاريخ مصر، واستجابة لهذه الدعوة أطرح بعض الأفكار حول ما ينبغي أن يعنيه مثل هذا الانتقال.

معنى الانتقال
وبداهة لا يمكن تصور أن مجرد الانتقال إلى عاصمة إدارية يعنى بالضرورة تغييرًا في طبيعة الدولة أو في نظام الحكم فيها. التجارب المعاصرة تنفى ذلك. انتقلت البرازيل من ريو دي جانيرو إلى برازيليا، وانتقلت نيجيريا من لاجوس إلى أبوجا، وانتقلت باكستان من كراتشي إلى إسلام أباد، ولم يقترن ذلك لا بتغير في طبيعة الدولة ولا في نظام الحكم في أي منهما.

الذى استوحى فكرة العاصمة الجديدة في البرازيل كان رئيسًا منتخبًا ديمقراطيًا، واجتهد المعماريون ومخططو المدن البرازيليون في تصور شكل العاصمة الجديدة، وعرفت البرازيل مع الانتقال إلى برازيليا حكما عسكريًا في ١٩٦٤ أطاح بكل الحريات والحقوق السياسية والمدنية للبرازيليين حتى سقط تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية بعد أكثر من عقدين من الزمن في ١٩٨٥.

ولم يستقر نمط نظام الحكم المتقلب بين سيطرة العسكريين وفترات من الحكم المدني في أي من نيجيريا أو باكستان مع الانتقال إلى عاصمة جديدة. لذلك فإن الفهم الصحيح لأى حديث عن دولة جديدة وجمهورية ثانية هو الذى يستبعد هذا التصور بأن الانتقال إلى عاصمة جديدة هو دليل على تغير فيهما، ويسعى لاكتشاف أو تخيل، أو تمنى كيف ينبغي أن يكون عليه هذا الاختلاف بين الماضي والحاضر.

المقارنة هي طريق لمعرفة هذا الاختلاف. فما هي طبيعة الدولة القديمة؟ وما هي سمات الجمهورية الثانية؟ الإجابة على هذين السؤالين هي التي تتيح لنا استكشاف ما يمكن أن نؤمله، أو على الأقل ما يرجوه كاتب هذه السطور أن تكون هي معالم الجديد ف هذا الانتقال.

ومن المؤكد أن التحولات الكبرى التى عرفتها بعض المجتمعات المعاصرة، والتي انبثقت فيها دول جديدة ونظم حكم مختلفة لم تقترن إطلاقًا بالتضحية بكل ما هو قديم. بكل تأكيد لا في المباني، ولا كذلك في بعض تقاليد الحكم.

هل من شك أن الدولة التي انبثقت في فرنسا بعد ثورتها الكبرى سنة ١٧٨٩ تختلف في تكوينها الطبقي ونخبتها السياسية عما عرفته فرنسا الملكية التي تقاسمت فيها الأسرة المالكة السلطة مع كل من الكنيسة والنبلاء الإقطاعيين، كما تعددت فيه الجمهوريات، ولكن فرنسا الجديدة هذه تظل تحكم من نفس العاصمة باريس، وتفرض حظرًا على إقامة مبان جديدة فيها، بل وتفخر بالتراث المعماري والفني والأدبي لفرنسا الملكية.

تعتز بقصر فرساي مقر ملوكها وتعبئ كل الجهود لإعادة تشييد بروج كنيسة مادلين العريقة. يمكن ضرب أمثلة أخرى من مجتمعات عرفت تحولات ثورية في روسيا والصين وغيرها، ولم يقترن ذلك لا بالانتقال إلى عاصمة جديدة ولا بالتنكر لكل تراث الماضي.

هل ستنبثق دولة جديدة في مصر؟

مصر هي من أقدم، إن لم تكن أقدم دولة في العالم، ليس فقط بحدودها واستمرارية السلطة المركزية فيها، ولكن أساسًا بعلاقة دولتها بمجتمعها، هذه العلاقة التي يشهد بها كل من درس طبيعة الدولة في مصر، من جمال حمدان وأحمد صادق سعد إلى سمير أمين ونزيه الأيوبي.

الدولة في مصر تعلو فوق مجتمعها، إما بعلاقة هيمنة عندما يقبل هذا المجتمع وجودها الفوقي لأن من يحكمها ويملك أراضيها هو تجسيد لحورس، ابن الإله أوزيريس الذى من دموع أمه إيزيس يرتفع الفيضان ليمنح الخصوبة لأراضيها المعطاءة، أو لأنه المشرف على ضبط النهر مصدر الحياة في هذا الوادي والدلتا اللذين تحيط بهما الصحراء شرقًا وغربًا، أو هي علاقة سيطرة يرضخ فيها المجتمع صاغرًا لمن يفرض عليه السخرة والضريبة، ولا يملك مقاومة تجاهه إلا بالهرب إلى الصحراء، كما تكشف كتابات تاريخ التمرد في ريف مصر.

هذه هي طبيعة الدولة في مصر على مر العصور، لم تختلف لا في عصر الفراعنة ولا الرومان ولا منذ الفتح الإسلامي حتى الدولة العثمانية، لا في عهد محمد على ولا في ظل الاحتلال.

ربما تحولت السيطرة إلى هيمنة لفترة قصيرة في عهد عبدالناصر، ولكنها عادت سيرتها الأولى منذ سبعينيات القرن الماضي.

تحول هذه العلاقة من السيطرة إلى التوازن بين الدولة والمجتمع لا يعنى إضعاف الدولة، فالدولة القوية كما تقول كتب علماء السياسة هي الدولة التي تتخذ قراراتها بناء على تفضيلاتها، ولكنها تحظى في نفس الوقت برضاء المجتمع.

وفضلًا على ذلك فالانتقال إلى علاقات متوازنة بينهما في مصر أصبح ضروريًا لأن قسمًا كبيرًا من هذا المجتمع لم يعد معتمدًا على الدولة في كسب قوته كما كان الحال سابقًا، العاملون في أجهزة الدولة مع الفلاحين يمثلون أقل من نصف القوة العاملة في مصر.

نسبة كبيرة من المصريين تعتمد على دخول أقاربهم العاملين بالخارج، والذين تمثل تحويلاتهم أكبر مصدر للعملة الأجنبية في مصر، تفوق ما تحصل عليه الدولة من كل مصادر النقد الأجنبي الأخرى التي تقع تحت سيطرتها حتى عندما تضاف إليها دخول قطاع السياحة.

الطبقة الوسطى في مصر تعتمد على المدارس والجامعات الخاصة في تعليم أبنائها، بل وكل العائلات المصرية تعتمد على الدروس الخصوصية أكثر مما تعتمد على مدارس الحكومة رغم كل جهود وزير التعليم.

والصحف والقنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية الحكومية أو التي تسيطر عليها أجهزة الدولة لا تجد من يقرأها أو يشهدها أو يسمعها. ولا يبدو حتى الآن أن أجهزة الدولة في مصر قد أفاقت على مثل هذا التطور الجذري.

ما زالت الدولة تتعامل مع المواطنين كما لو كانوا أطفالًا بحاجة للتوجيه ثم تفاجأ بثورتهم عندما تضيق عليهم في شئون حياتهم. الحكمة الشعبية تقول: إن كبر ابنك، خاويه. مؤاخاة الدولة للمجتمع تعنى رفع أجهزة الحكومة وصايتها عن المجتمع المدني، وأن تترك للمواطنين الحرية في تنظيم شئون حياتهم، وأن تتشاور مع منظماتهم عندما يتعلق الأمر بسياساتها وكيفية تنفيذها لهذه السياسات.

ماذا تعنى جمهورية ثانية؟

ترقيم الجمهوريات هو تقليد فرنسي معروف. ولا يقترن الرقم في فرنسا بعدد من تولوا الحكم في ظل أي جمهورية. الجمهورية الأولى أعقبت الثورة الفرنسية الكبرى في أواخر القرن الثامن عشر(١٧٩٢ــ١٨٠٤) وتلاها حكم إمبراطوري، والجمهورية الثانية جاءت بعد ثورة ١٨٤٨، ولم تدم سوى أربع سنوات وتحولت إلى حكم إمبراطوري تحت نابليون الثالث، والجمهورية الثالثة وهى الأطول عمرًا أعقبت هزيمة فرنسا في الحرب البروسية الفرنسية ١٨٧٠ واستمرت حتى سقوط فرنسا تحت الاحتلال النازي في سنة(١٨٧٠ــ١٩٤٠)، وأعلنت الجمهورية الرابعة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في ١٩٤٦، والجمهورية الخامسة هي التي اقترنت بعودة ديجول رئيسًا في ١٩٥٨، وما زالت قائمة حتى الآن.

كل من هذه الجمهوريات كان لها دستورها ونظام الحكم اللصيق بها. الجمهوريتان الثالثة والرابعة أقامتا في فرنسا حكمًا برلمانيًا لم يتسم بالاستقرار، وجاءت الجمهورية الخامسة بحكم رئاسي برلماني يوسع من سلطات الرئيس، ويضيق كثيرًا من سلطات البرلمان ذي المجلسين ومن سلطات رئيس الوزراء. ولكن رئيس الوزراء مسؤول أمام كل من رئيس الجمهورية والبرلمان في ذات الوقت.

الحديث عن جمهورية ثانية في مصر ليس له معنى إلا إذا اقترن بتغيير في نظام الحكم. وفى الحقيقة فإن نظام الحكم في العهد الجمهوري في مصر حافظ على نفس السمات من طغيان السلطة التنفيذية على غيرها من سلطات الدولة ومن تركيز هائل للسلطات في يد رئيس الجمهورية يستوى في ذلك الرئيس جمال عبدالناصر وكل من خلفوه.

وعلى الرغم من تعدد الدساتير فى العهد الجمهورى منذ ١٩٥٦ حتى سنة ٢٠١٤ وبتعديلات ٢٠١٧ لم يختلف الأمر من هذه الناحية.

ولكن قبل البحث في البدائل ينبغي التأكيد على الطابع الجمهوري لنظام الحكم. الجمهورية نظام حكم لا يقترن بتأبيد الحكم لشخص واحد، على عكس ما انتهى إليه الحال في النظم الجمهورية في الوطن العربي.

فكل من تولى سلطة الرئيس في معظم الجمهوريات العربية تطلع إلى بقائه في منصبه حتى يوافيه الأجل، ومن ثم سقط القيد على تحديد تولى الرئاسة والترشح لها بمدتين على الأكثر، وهو ما لم يكن موجودًا في مصر في دستور ١٩٥٦، وأسقط الرئيس السادات مثل هذا النص في دستور ١٩٧١ بتعديلات ١٩٨٠، وتكرر هذا النص في دستور ٢٠١٤، وألغته عمليًا تعديلات ٢٠١٧.

إذا ما سادت القناعة بأن تولي رئاسة الجمهورية هو لفترة محددة بمدتين لا تتجاوزان ربما ست سنوات لكل منها يمكن بعد ذلك بحث أوجه الاختلاف القائمة بين الجمهورية الأولى الممتدة حتى الآن وجمهورية ثانية نحلم بقيامها في مصر.

الجمهورية الأولى اقترنت بغياب الحريات السياسية. الحرية الشخصية والتي تسبق كل الحريات كانت موضع انتهاك كبير طوال العهد الجمهوري بآلاف من المواطنين يلقون في السجون لشكوك في انتمائهم إلى منظمات سياسية غير مسموح بوجودها طوال فترة حكم جمال عبدالناصر أو مشكوك في ولائهم في ظل كل الحكومات التالية.

والقيود تعددت على حريات التعبير والتنظيم سواء لمنظمات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية، كما أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة ومفتوحة للجميع بدون استثناء كان تحديًا أخفقت كل الحكومات التي عرفتها مصر في الوفاء به باستثناء فترة ثورة يناير كانون الثاني (من مارس آذار  ٢٠١١ حتى يونيو حزيران 2012)، وفى ظل المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ليس هناك ما يدعو للاستفاضة في هذه المسألة، ولكن بدون إصلاح سياسي حقيقي يؤدي إلى تمكن المواطنين من ممارسة جميع حقوقهم المدنية والسياسية على قدم المساواة سوف تستمر كل سمات الجمهورية الأولى بل وبالتراجع عن القدر المحدود من حريات التعبير والتنظيم الذي ساد لفترة قصيرة في السنوات الأخيرة لحسنى مبارك.

الحلم والواقع

الانتقال إلى دولة جديدة وجمهورية ثانية هو حلم كبير. جيل المصريين الذي يمكن أن يشهد تحققه سوف يكون جيلًا سعيدًا بكل تأكيد.

 

الدكتور مصطفى كامل السيد

أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

المصدر: الشروق المصرية