دولي سياسة

بعد تراجع الروس.. بوتين يواجه خيارات قاتمة في أوكرانيا

موسكو |جو-برس

بعد سبعة أشهر من القتال، باتت الخيارت القاتمة تسيطر على الحرب الروسية الأوكرانية، بعدما عادت الأحاديث عن احتمال لجوء موسكو لسلاحها النووي مجدداً.

وحذّرت روسيا الأميركيين من تزويد كييف بمزيد من الأسلحة النوعية، فيما تحدث الرئيس البيلاروسي ألكساندر لوكاشينكو عن دخول العالم إلى صراع نووي.

منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير شباط، كان السلاح النووي الروسي حاضرا في الكثير من التحليلات والتصريحات الروسية والغربية لكن هذه الأحاديث تراجعت كثيرا مع طول أمد الحرب.

في البداية، كان الروس يتعاملون مع الحرب على أنها مسألة أيام، لكن الدعم الغربي والأميركي تحديدا للجانب الأوكراني قلب الحسابات رأسا على عقب.

مؤخرا، شنت القوات الأوكرانية هجوما مضادا مباغتا واستعادت مناطق مهمة من القوات الروسية.

خلال سبتمبر أيلول، استعاد الأوكرانيون غالبية مدينة خاركيف، ثاني أهم مدن البلاد، وبدأت الزحف نحو المناطق الخاضعة للانفصاليين الموالين لروسيا، في تحول ملفت لدفة القتال.

تشير التقارير إلى أن الصواريخ النوعية التي زوّدت بها واشنطن الجانب الأوكراني لعبت دورا محوريا في الحرب ودمّرت الكثير من الدفاعات الجوية الروسية.

هذا التحول، دعا الروس لتحذير الأميركيين من مغبّة تقديم صواريخ بعيدة المدى لكييف.

تهديد روسي وتحذير أميركي

وتزايدت المخاوف بشأن اندلاع مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وروسيا، فيما قالت مصادر أميركية  لشبكة “إن بي سي” إن البيت الأبيض أرجأ تزويد كييف بصواريخ بعيدة المدى “لتجنب رد روسي خطير”.

ونقلت “إن بي سي” (NBC) عن مصدرين عسكريين (الجمعة 16 سبتمبر 2022) أن كبار المسؤولين العسكريين نصحوا البيت الأبيض بعدم إرسال هذه الصواريخ، التي يتجاوز مداها 300 كيلومتر، إلى أوكرانيا؛ خشية أن يؤدي ذلك إلى حرب أوسع نطاقاً مع روسيا.

وكانت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا حذّرت (الخميس 15 سبتمبر أيلول 2022)، من أن تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى “يعني أن الولايات المتحدة تجاوزت خطا أحمر وباتت طرفا مباشرا في الصراع”.

طوال الشهور الماضية، قدّمت واشنطن مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 15 مليار دولار وفق ما أعلنته وزارة الدفاع “البنتاغون” (الأحد 18 سبتمبر 2022).

وقد أعلن واشنطن منتصف الشهر الجاري، عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة 600 مليون دولار، تشمل أنظمة صاروخية ومدفعية إضافية.

نزيف مستمر وخيارات قاتمة

بعد أن كانت العاصمة الأوكرانية كييف هدفا لقصف وحصار روسي عنيف أول الحرب، وكان الرئيس فلودومير زيلينيسكي يتحرك بسريّة كبيرة، أصبح الروس هم من يتعرض للهجوم في مناطق سيطرتهم.

ومؤخرتا، بدأ الرئيس الأوكراني الظهور عليناً في “المناطق المحررة”.

في الثاني عشر من سبتمبر أيلول الجاري، أكد زيلينسكي، أن قواته حررت مدينة “إيزيوم” الإستراتيجية الواقعة في خاركيف شرق البلاد.

كما أعلن زيلينسكي تحرير أكثر من 20 بلدة أخرى، وذلك في إطار هجوم مضاد على الجيش الروسي.

هذه التطورات تعكس أزمة حقيقية تواجهها موسكو في المعركة التي ظنّ العالم أنها لن تستمر طويلا.

مجلة نيوزويك الأميركية نشرت تقريرا مطلع سبتمبر أيلول، قالت فيه إن الجيش الروسي “لم يعد قادرا على نشر أعداد كبيرة من قوات التقليدية الإضافية في أوكرانيا، في المدى القصير”.

وأكد التقرير أن الأوكران ما يزالون يوجهون ضربات دقيقة للروس اعتمادا على الأسلحة التي حصلوا عليها من الدول الغربية.

كما نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر مخابراتية أمريكية في السادس من سبتمبر أيلول أن موسكو تشتري ملايين الصواريخ وقذائف المدفعية من كوريا الشمالية حتى تتمكن من مواصلة الحرب.

وفقا لـ”نيوزويك”، يعاني الجيش الروسي مشاكل في أعداد المقاتلين وخسارة كثير من الضباط ذوي الخبراء في المعركة.

إلى جانب ذلك، يعاني الروس نقص المعدات ومخزون قذائف المدفعية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية.

ونقلت المجلة عن خبراء عسكريين أن الكميات الاحتياطية من الأسلحة الأكثر تطورا لدى روسيا قد تنفد.

كما إن العقوبات الغربية ضد التقنيات ذات الاستخدام المزدوج تجعل من الصعب على روسيا استبدال الإمدادات المستهلكة من أنظمة الأسلحة التي تعتمد على المكونات المستوردة.

وقالت صحيفة لوبوان الفرنسية إن الأوكرانيين باغتوا الروس في خاركيف مؤخرا.

ووفقا للصحيفة، فقد مزق الأوكران صفوف القوات الروسية في المنطقة وجعلوا الجنود يتفرقون لدرجة أن السلطات الروسية اعترفت، في حدث نادر، بالصعوبات التي واجهتها.

في السابع عشر من سبتمبر أيلول، نقلت صحيفة “تايمز” البريطانية عن مراقبين أن خيارات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد الهجوم الأوكراني المضاد، “قاتمة”.

ونقلت الصحيفة عن خبراء أن بوتين مخير بين قبول هزيمة مُذلّة أو مضاعفة هجومه لتحقيق النصر العسكري؛ حتى إنه قد يلجأ للخيار النووي للرد على النكسات التي يتلقاها في ساحة المعركة.

لكن بوتين، قال يوم الجمعة 16 سبتمبر أيلول، إن روسيا لا تستعجل إنهاء حملتها العسكرية في أوكرانيا.

وقال بوتين أيضا إن استراتيجية قواته لم تتبدل، محذّرا من أن روسيا “سترد بقوة أكبر إذا تعرضت قواتها لمزيد من الضغوط.

دعم غربي وتلويح روسي

وفقا لصحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن الأسلحة الغربية النوعية التي حصلت عليها كييف هي التي أحدثت فارقا في  الهجوم الأخير المضاد والاختراق السريع للخطوط الروسية.

وبحسب ما نشرته الصحيفة الفرنسية يوم الأحد 18 سبتمبر أيلول فقد شملت الأسلحة الغربية النوعية التي رجّحت كفّة الأوكران مؤخرا، مدافع “هاوتزر”، وراجمات الصواريخ الأمريكية المتعددة “هيمارس- إم 142″، ودبابة “جيبارد” الألمانية المضادة للطائرات، وبطارية “ناسامز” النرويجية المضادة للطائرات.

في ظل هذه التحولات غير المتوقعة لا يتوقع أن يقف الروس مكتوفي الأيدي، فقد ذكّر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف يوم السبت 17 سبتمبر أيلول بأن موسكو لن تستخدم الأسلحة النووية إلا وفق عقيدتها العسكرية.

ونقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية عن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، قوله: “اقرؤوا عقيدتنا العسكرية.. كل شيء مذكور هناك”، دون خوض في التفاضيل

هذا التذكير بالعقيدة العسكرية الروسية ليس الأول، فقد فعل نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، الأمر نفسه في 3 سبتمبر أيلول.

وقال يابكوف إن بلاده ستستخدم الأسلحة النووية إذا كان وجودها مهددا، مضيفا “هذا موجود في العقيدة العسكرية الروسية”.

وأضاف ريابكوف لقناة “روسيا 24” التلفزيونية، إن العقيدة العسكرية الروسية، ووثيقة “أساسيات سياسة الدولة في مجال الردع النووي”، حددتا بشكل شاملٍ جميع السيناريوهات التي يمكن فيها نظرياً استخدام الأسلحة النووية.

ومن بين هذه السيناريوهات بحسب ريباكوف، العدوان على روسيا وحلفائها باستخدام أسلحة الدمار الشامل أو العدوان باستخدام الأسلحة التقليدية، عندما يكون وجود الدولة نفسه في خطر.

وقالت بعثة روسيا لدى الأمم المتحدة يوم الأحد 8 سبتمبر أيلول إن تزويد الغرب لكييف بالمدفعية بعيدة المدى “يجعله شريكا في جرائم النازيين الأوكرانيين”.

وفي بيلاروسيا، قال الرئيس ​ألكسندر لوكاشينكو​، الحليف القوي لموسكو، لوكالة “نوفوستي​” الروسية، يوم السبت 17 سبتمبر أيلول إن “البشرية على وشك الدخول في صراع نووي”.

وجاء حديث لوكاشينكو، وهو ديكتاتور عتيد لا يتعرف الغرب به، بعد يوم واحد من تأكيده أمام قمة “شنغهاي” التي عقدت في أوزبكستان، أن “العالم قد تغير ولن يعود كما كان”.

في اليوم نفسه، حذّر الرئيس الأميركي ​جو بايدن​، روسيا من استخدام أسلحة نووية في حربها ضد أوكرانيا.

ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين، أن هناك “مخاوف من لجوء الرئيس بوتين، لتفجير نووي استعراضي”.

وقالت المصادر: إنه “لا أدلة حتى الآن على أن بوتين بصدد نقل أسلحة نووية”، لكنها أكدت أن واشنطن قلقة، لأن “أخطر لحظات الحرب في أوكرانيا لم تأتِ بعد”.

ويوم الأحد 18 سبتمبر أيلول، دعا رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي، لليقظة تحسبا لرد روسي على التراجع الأخير لقواتها في أوكرانيا.

لكنه قال إنه ليس واضحا بعد كيف يمكن أن يكون هذا الرد.

وكان الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، الحليف الوثيق للكرملين، انتقد “مظاهر الوهن والتراجع الروسي” الأخير.

وقال قديروف في رسالة نُشرت على قناته في “تلغرام” 12 سبتمبر أيلول، إن موسكو “قد تواجه تداعيات خطيرة بسبب فقدان الأراضي”.

وأضاف “الرئيس فلاديمير بوتين قد لا يكون على علم بالحالة الحقيقية لما يجري.. لقد ارتكبوا أخطاءً وأعتقد أنهم سيستخلصون النتائج الضرورية”.

وتابع “يبدو أن الأوكرانيين مسلحون بأسلحة جديدة وذخيرة ومعدات ثقيلة من أحدث جيل”.