دولي

وداعًا “هنا لندن”.. إغلاق إذاعة “بي بي سي” العربية بسبب التمويل

لندن | جو-جوبرس

بعد أربعة وثمانين عاماً من العمل دون توقف، لن يعود بإمكان المستمعين في أنحاء العالم العربي الاستماع إلى عبارة “هنا لندن”، مجددا؛ بعدما أتخذ القائمون على المحطة الأعرق في العالم قررا بوقفها.

وأعلنت خدمة “بي بي سي” العالمية، في الثلاثين من سبتمبر أيلول 2022، عن خطط لتسريع وتيرة تحولها صوب المحتوى الرقمي وزيادة التأثير الجماهيري حول العالم.

وقالت الهيئة في بيان إن إغلاق الإذاعة العربية التي تأسست في الثالث من يناير كانون الثاني سنة 1938، سيكون جزءا من هذه العملية.

وتأتي هذه الخطوة تعزيزا لاستراتيجية أعلنت عنها “بي بي سي” في وقت سابق من العام الجاري، بأن تكون منظمة عصرية ذات قيادة رقمية سهلة الاستخدام، تستثمر في رسوم البث كأفضل ما يمكن وتطوّر ما تقدمه من محتوى لمتابعيها.

وتتماشى هذه الخطوة، وفق بيان الهيئة، مع تغيّرات طرأت على احتياجات الجمهور حول العالم؛ في ظل تحوّل المزيد من الناس صوب المنصات الإخبارية الرقمية، جنبا إلى جنب مع ما تفرضه التحديات المالية الراهنة حول العالم.

ومن بين الخدمات التي أعلن عن إغلاقها إذاعة بي بي سي العربية بعد 84 عاما من انطلاقها، بالإضافة إلى البث الإذاعي بعدد من اللغات الأخرى منها الفارسية والصينية والبنغالية.

ودفع ارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع الأسعار، وزيادة كلفة التسوية الخاصة برسوم البث القائمين المسؤولين في بي بي سي إلى خيارات صعبة طالت معظم خدماتها حول العالم.

وتحتاج خدمات “بي بي سي” العالمية إلى توفير 28.5 مليون جنيه إسترليني، كجزء مما مجموعه 500 مليون جنيه إسترليني من النفقات السنوية، وإلى إعادة الاستثمار والتوجه بالمؤسسة صوب الرقمية.

وفي ضوء ذلك جاءت مقترحات بإغلاق حوالي 382 وظيفة في “بي بي سي”.

ووفقا للمقترحات، ستتحول خدمة “بي بي سي” بسبع لغات غير الإنجليزية إلى المحتوى الرقمي فقط، وذلك اقتداءً بنجاح الخدمة بلغات أخرى تقدّم بالفعل محتوى رقميا خالصا وتحقق مشاهدات جماهيرية جيدة.

ويعني ذلك أن نحو نصف عدد الخدمات الـ 41 التابعة لبي بي سي ستقدّم محتوى رقميا فقط.

أما خدمة “بي بي سي” العالمية فستواصل تقديم محتواها بكل اللغات وفي كل البلدان التي تبث منها في الوقت الراهن، بما في ذلك اللغات الجديدة التي أضيفت إبان التوسع الذي حدث في عام 2016. ولن يجري إغلاق الخدمة بأي لغة.

وستتوقف بعض البرامج التليفزيونية والإذاعية بموجب تلك الخطط الجديدة. وستتوقف إذاعة بي بي سي عربي وإذاعة بي بي سي فارسي عن البث.

وستواصل الخدمة العالمية تزويد متابعيها بالأخبار في أوقات الاضطرابات، وستؤمّن للجماهير في بلدان مثل روسيا وأوكرانيا وأفغانستان إمكانية الوصول للخدمات الإخبارية الهامة، عبر منصات بث مناسبة.

كما ستواصل الخدمة العالمية باللغة الإنجليزية بثها الإذاعي على مدار الساعة، والذي سيكون متاحا حول العالم. على أنْ تجري تعديلات في مواقيت البرامج ونشرات البودكاست، حسب ما تقتضي الحاجة.

واستطاعت خدمة بي بي سي العالمية بالفعل من تحقيق مستويات قياسية من النمو على الصعيد الرقمي. وتصل الخدمة في الوقت الراهن إلى حوالي 148 مليون شخص بمعدل أسبوعي.

وتضاعف ما يحققه المحتوى الرقمي للغات الخدمة العالمية من مشاهدات (أو تجاوز الضعف) – من 19 في المئة إلى 43 في المئة منذ عام 2018.

وترى مديرة خدمة بي بي سي العالمية ليليان لاندور، أن “الدور الذي تضطلع به بي بي سي عالميا لم يكن ذات يوم أكثر أهمية منه الآن”.

وقالت إن “بي بي سي محلّ ثقة مئات الملايين حول العالم نظرا لما تحرص عليه من مهنية فيما تقدّمه من أخبار، لا سيما في دول تعزّ فيها المهنية”، مضيفة “إننا نساعد الناس في أوقات الأزمات. وسنواصل تقديم الصحافة المُثلى للجماهير سواء باللغة الإنجليزية أو بأكثر من 40 لغة، فضلاً عن زيادة الأثر والتأثير بعملنا الصحفي عبر الدفع بقصصنا الإخبارية إلى أفق أوسع”.

وتتابع قائلة: “ثمة حاجة ماسة إلى التوسع في المحتوى الرقمي المقدّم عبر خدمتنا العالمية من أجل تحسين الخدمة وتحسين التواصل مع جمهورنا. إن الطريق التي يصل بها الجمهور إلى المحتوى الإعلامي تشهد تغيّراً، وفي خضم ذلك يتزايد التحدي الذي يكتنف عملية الوصول إلى الناس حول العالم بصحافة موثوقة وذات جودة”.

وتتضمن التغييرات المقترحة للخدمة العالمية:

  • التركيز على منصاتنا وعلى وجودنا بالأسواق، والحد من حجم المحتوى الإذاعي والتلفزيوني الذي يتم بثه عبر منصات شريكة في بعض البلدان.
  • والتركيز على التأثير أكثر من الوصول، مما يعني أننا نحتاج دخول مزيد من الجمهور على منصاتنا. هنا تكون صلة الجمهور بـ بي بي سي أوثق، وعلى هذا يمكن بناء ارتباط أطول مدى.
  • تطوير نظام بث رقمي بالأساس، واستحداث مركز لإنتاج المحتوى قائم على جمع الأخبار بهدف تقديم محتوى عالي التأثير للبثّ عبر خدمات بي بي سي غير الناطقة بالإنجليزية.
  • نقل بعض عمليات الإنتاج إلى خارج لندن بحيث تكون أقرب إلى الجمهور المستهدف – على سبيل المثال، نقل الخدمة التايلاندية من لندن إلى بانكوك؛ والخدمة الكورية إلى سول؛ والبنغالية إلى داكا؛ والنشرة الأفريقية إلى نيروبي.
  • تجميع الأنشطة ذات المحتوى الطويل كالتحقيقات والوثائقيات التي يضطلع بها فريق برنامج أفريقا آي (عين أفريقيا)، ووحدة التحقيقات والوثائقيات التي يضطلع بها فريق بي بي سي عربي – وذلك تمهيدا لمزيد من التعاون بين منصاتنا وخدماتنا على نحو ييسّر للقصص الإخبارية فرصة الوصول إلى آفاق أبعد حول العالم، إلى جانب المملكة المتحدة.
  • بناء وحدة عالمية صينية جديدة في لندن، تحكي للعالم قصة الصين من زاوية عالمية.
  • بناء مركز دينامي للمحتوى في أفريقيا؛ يقدّم محتوى مؤثرا ومميزًا وأصليا ورقميا بالأساس يكون الأول من نوعه باللغات الأفريقية الاثنتي عشرة، جنبا إلى جنب مع تغطية القارة السمراء عبر باقي خدمات بي بي سي.
  • مواصلة البث التلفزيوني الخطي باللغتين العربية والفارسية، والاستثمار في بناء طاقات إذاعية وأخرى رقمية بالعربية والفارسية لتحل محل الإذاعة.
  • إغلاق بعض الخدمات الإذاعية – على سبيل المثال الخدمة العربية والبنغالية والفارسية وبعض البرامج التليفزيونية التي تبث محليا من بلدان في أفريقيا وآسيا.

قرار قصير النظر

انتقدت صحيفة “الغارديان” البريطانية قرار خدمة “بي بي سي” إغلاق الإذاعة الناطقة بعدة لغات بينها الفارسية، وقال إنه أمر ومحبط للغاية؛ لأنه أوقف الخدمة عن منطاق يعاني سكانها نقصاً في مصادر الأخبار الموثوقية، وخصوصاً في إيران.

وقالت الصحيفة في افتتاحية يوم السبت، إن القرار ليس فقط بسبب نقص التمويل والمديرين “قصيري النظر”، وإنما أيضاً بسبب “الوزراء المحافظين الذين يكرهون الإذاعة الوطنية أكثر من تقديرهم للمصلحة الوطنية”، في إشارة لوزراء دفعوا باتجاه القرار.

ووصفت الصحيفة الإذاعة العريقة بانها “تمثل أدوات القوة الناعمة المهمة التي تحسد عليها الديمقراطيات الأخرى”، مضيفة “إنهم يؤدون دورا مهما في إبراز أولويات بريطانيا وقيمها في الخارج، يشرحون هذا البلد للعالم وبذلك يروجون لأفكاره وثقافته ومنتجاته”.

وبحسب الغارديان، فإن وزيرة الثقافة البريطانية الجديدة ميشيل دونيلان، ستعيد النظر في القرار، وسيتم بحث إلغاء رسوم الترخيص السنوية (لتخفيف الضغوط المالية) خصوصاً وأنه لا يوجد إجماع بشأن البديل الممكن.

المصدر: جو-برس+ بي بي سي