تونس.. حركة النهضة بعد عشر سنوات من الثورة

تحاول حركة التونسية بزعامة راشد الغنوشي حاليًا دفع البلاد نحو تعديلات دستورية تجعل نظام الحكم برلمانيًا خالصًا، بدلًا من النظام المعدَّل المعمول به الآن، والذي يتكون من رئاسات ثلاث (رئيس جمهورية، رئيس حكومة، رئيس برلمان)، لا يمكن لإحداهما أن تنهي معركة واحدة لصالحها.

هذه المحاولات التي تقوم بها حركة النهضة للإمساك بتلابيب الحكم في تونس، تأتي في سياق تعويض الخسائر الانتخابية، وتآكل الأغلبية بشكل متواصل في كل الانتخابات التي أعقبت انتخاب المجلس التأسيسي عام 2011.

كان انتخاب المجلس التأسيسي لوضع الدستور في أكتوبر تشرين الأول 2011، أول استحقاق ديمقراطي في تونس ما بعد بن علي، وقد حازت فيه النهضة 89 صوتًا من بين 217 تمثل عدد مقاعد المجلس.

لكن هذه النجاح في انتخابات التأسيسي لم يكن إلا مقدمة لتراجع الحركة، التي اتخذت مواقف سياسية براغماتية أفقدتها الكثير من الأصوات، كما هو الحال مع التيارات المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين في أكثر من بلد.

فقد خرج حزب النهضة من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2019 بهزيمة لم تكن متوقعة كغيره من أعضاء التحالف الحاكم، نتيجة ما وصفه مراقبون بأنه “أزمة هوية” نظرًا لإخفاقه في الفصل بين إسلاميته وسياسته وعجزه عن تقديم حلول للأزمة الاجتماعية والمعيشية.

تونس.. أكثر من مئة نائب يسعون لسحب الثقة من الغنوشي

ونال مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو 434 ألفًا و530 صوتًا وحلَّ ثالثًا من مجموع ناخبين تجاوز ثلاثة ملايين.

ولطالما اعتُبرت “حركة النهضة” الحزب السياسي الأكثر تنظيمًا في المشهد السياسي التونسي. وينظر الى جمهورها على أنه الأكثر انضباطًا، والأكثر وفاءً. وساد اعتقاد بأن الحركة ستحصل على نسبة عالية من الأصوات، لأنها قدمت مرشحًا من صفوفها، ولم تدعم مرشحًا من خارجها.

وكان الحزب زمن بن علي مشتت القيادات بين تونس والخارج وكان مطاردًا من النظام. وعاد الى الحياة السياسية في تونس إبان انتفاضة 2011 من خلال انتخابات المجلس التأسيسي.

المحلّل السياسي صلاح الدين الجورشي، قال لراديو مونت كارلو الفرنسي، إن ضعف الحزب وتراجعه يكمن في كونه ما يزال يتأرجح بين الإسلامية والمدنية.

وأعلنت الحركة في مؤتمرها العام في 2016 تغيير توجهها من الإسلامي الى المدني، لكنها “لم تستطع حسم أمرها ولم تتخذ موقفًا واضحًا مثلًا في مسألة المساواة في الميراث التي حسم فيها قيس سعيّد موقفه، بحسب الجورشي.

واعتبر سعيّد الذي لا ينتمي الى التيار الإسلامي لكنه معروف بمواقفه الإسلامية جدًّا، أن “القرآن واضح” في مسألة تقسيم الميراث وينص على أن المرأة ترث ثلث نصيب الرجل.

أزمة هوية

يرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط حمزة المدب أن هناك أزمة هوية داخل النهضة، فلم يستطع المرور للمدنية بتقديم حلول اقتصادية واجتماعية للتونسيين الذين يعانون من مشاكل البطالة في صفوف الشباب وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم.

في حين قال زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب الغنوشي، أنه “لا فرق بين مورو وقيس سعيّد، ولكن سعيّد انتخب لأنه خارج دائرة الحكم”.

وأضاف الشهودي: “على الغنوشي أن يرحل. هناك رغبة في أن يرحل جيل الغنوشي والباجي قائد السبسي، الرئيس الراحل الذي حتمت وفاته إجراء انتخابات رئاسية مبكرة”.

وتابع “النهضة تطبعت مع النظام وميكانيزمات الدولة وأصبحت غير قادرة على ايجاد الحلول المتعلقة أساسًا بالبعد الاجتماعي والاقتصادي”.

وشكَّل حزب النهضة منذ 2011 جزءًا من المشهد السياسي التونسي، وفاز بثاني أكبر كتلة برلمانية في انتخابات 2014.

ورغم أنه حاول دائمًا التمايز وتقديم نفسه على أنه يمارس أداءً سياسيًا مترفعًا عن المصالح الصغيرة والحزبية، لم ينجح في اقتراح حلول للوضع الاقتصادي ولسياسات الحكومة التي خيبت آمال التونسيين.

وإثر انتخابات 2014 التي فاز بها آنذاك حزب “نداء تونس”، عقد تحالف سياسي توافقي على الحكم بين السبسي والغنوشي وتقارب الرجلان في حكم البلاد قبل ان تنتهي سياسة التوافق أواخر العام 2018.

وبرر الغنوشي هزيمة حزبه في انتخابات الرئاسة بأن الحركة لم تستعد جيدًا للانتخابات. وقال في لقاء مع تليفزيون الزيتونة الخاص: “دخلنا متأخرين الى الانتخابات الرئاسية.

وقال الغنوشي أيضًا إن ما بين 15 و20 بالمئة من شباب النهضة وقواعدها لم يصوتوا لمورو.

آنذاك، عبَّر الغنوشي عن أمله في أن القواعد ستعود للنهضة في الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في أكتوبر تشرين الثاني من العام نفسه.

كان الحزب وقتئذ يسيطر على 69 مقعدًا من مقاعد البرلمان الـ217. وعندما جرت الانتخابات لاحقًا، حصل على 52 مقعدًا فقط، أي أنه خسر 17 مقعدًا، رغم أنه ظل الأكثر من حيث عدد المقاعد.

وكان المحلل التونسي الدين الجورشي قد توقع أن تخسر الحركة الكثير في الانتخابات التشريعية. وقال إن انتخابات البرلمان ستتأثر بالانتخابات الرئاسية وستفرز فسيفساء، مشيرًا إلى أن الحركة “قد مكانتها في الحكم”.

أما الشهودي فقال إن “النهضة مدعوة الى إعادة بناء نفسها في العمق عبر رسم حدود رئيس النهضة وحوكمة الحزب”.

وسارعت النهضة الى إعلان تأييدها قيس سعيّد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بهدف تدعيم قاعدتها. لكن الغنوشي ما لبث أن بدأ معه معركة تكسير عظم بعد أن أصبح رئيسًا للبرلمان.

وتعيش النهضة تمزُّقًا داخليًا، بحسب حمزة المدَّب، وحاليًا وقّع 103 أعضاء في البرلمان عريضة جديدة لسحب الثقة من الغنوشي، الذي بات جزءًا من أزمة البلاد السياسية، برأيهم.

ونهاية يوليو تموز 2020، فشلت محاولة لسحب الثقة من الغنوشي، في حين تحتاج العريضة الجديدة موافقة 9 نواب آخرين كي يمكن عقد جلسة جديدة لطرح الثقة.

شارك