حالة من اللايقين.. هل أصبح ضرب إيران ثمنًا لدمج “إسرائيل” بالمنطقة؟

يوسف حسني

لم يعد معروفًا على وجه اليقين ما الذي يمكن لإدارة جو بايدن أن تفعله في الشرق الأوسط؛ بعدما أصبحت تقف على ما يبدو بين سندان ما تريده ومطرقة ما يريده حلفاؤها في المنطقة: ضرب إيران.

تبدو رغبة الرئيس بايدن واضحة في إحياء الاتفاق النووي الذي وقّعه سلفه باراك أوباما مع إيران عام 2015، في حين تريد إسرائيل وحلفاء خليجيون آخرون عكس ذلك تمامًا.

لقد استؤنفت يوم الاثنين 29 نوفمبر تشرين الثاني 2021، مفاوضات فيينا المتعثرة التي تسعى لإحياء اتفاق 2015 الذي انسحب منه دونالد ترامب عام 2018، بدفع من تل أبيب والرياض تحديدًا.

لكن ليس معروفًا على وجه التحديد ما الذي يمكن أن تحققه هذه المفاوضات في ظل التضارب الشديد لمصالح كافة الأطراف المعنية بهذا الملف.

تصريحات متضاربة

وسائل إعلام رسمية إيرانية، قالت يوم الخميس (2 ديسمبر كانون الأول 2021)، إن الجانب الإيراني قدّم مسودّتين تتعلقان برفع العقوبات والالتزامات الإيرانية النووية، دون مزيد من التفاصيل.

كما أكد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، أن اتفاقًا جيدًا في متناول اليد، لكنه قال إن الامر يتطلب “نية حسنة” من الغرب.

لكن مستشار الوفد الإيراني في مفاوضات فيينا محمد مرندي، قال في تصريحات لقناة “الجزيرة” القطرية، إن رغبة واشنطن في الإبقاء على العقوبات تمثل عقبة أمام المفاوضات.

وكان مسؤول أوروبي قال لوكالة “رويترز” إن الأطراف صاغت نحو 80% من الاتفاق المأمول، لكن الإيرانيين نفوا صحة هذه الأحاديث.

موقع “i24 News” العبري، قال الشهر الماضي إن المبعوث الأميركي لإيران، روبرت مالي، ومسؤول الأمن القومي جيك سوليفان، أخبرا تل أبيب باحتمال التوصل لاتفاق مؤقت.

وقال الموقع العبري إن المسؤولين في إسرائيل رفضوا فكرة الاتفاق المؤقت الذي يهدف لتثبيت اتقاق أطول أمدًا وأكثر صرامة لاحقًا، لأنه قد يتحول (كما هو) لاتفاق دائم.

إقرأ أيضًا
بلينكن: هناك تنسيق مع الحلفاء بشأن إيران وكل الخيارات مطروحة
“جيروزاليم بوست”: إسرائيل تستعد للخطة “ب” ضد إيران
مقاتلات إسرائيل في سماء الخليج وسفنها في البحر الأحمر

تهديد إسرائيلي علني

يوم الخميس (2 ديسمبر كانون الأول 2021)، قال وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس إن على تل أبيب أن تفعل كل ما بوسعها لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.

وفي تصريحات لموقع واي نت” العبري، قال غانتس، قبيل سفره للقاء وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في واشنطن، إن تل أبيب عند نقطة معينة “لن يكون أمامها إلا أن تتصرف”.

الموقع العبري، قال إن الأمور أكثر تشاؤمًا بالنسبة لإسرائيل، وإنها تتجه أكثر نحو “ضرب إيران”. كما كشف عن مصادقة الحكومة على شراء أسلحة وذخائر تصل قيمتها إلى مليار دولار.

وفي مكالمة مع وزير الخارجية الأميركي، يوم الخميس (2 ديسمبر كانون الأول 2021)، طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بوقف مفاوضات فيينا.

وقال بينيت إن أي اتفاق سيضمن تدفقًا هائلًا للأموال على إيران، جراء رفع العقوبات.

ونقل موقع “والا” العبري عن مصدر سياسي أن المحادثة كانت “طويلة” و”لم تكن سهلة”.

مصالح مشتركة

في الوقت الراهن ثمة مصالح “مصيرية” تجمع دولًا خليجية وإسرائيل، التي تسوّق لفكرة أنها قد توفر حماية أو دعمًا عسكريًا وتكنولوجيًا على الأقل لحلفائها في مواجهة إيران.

في المقابل، تواصل طهران استعراض قوتها على جيرانه ولا تكف عن استخدام لغة التهديد، وكأنها تدفعهم دفعًا نحو الاحتماء بتل أبيب، وهو أمر مرهون بتطبيع العلاقات رسميًا.

صحيح أن الولايات المتحدة تملك نفوذًا واسعًا على الجميع، لكن يبدو أنها لن تكون قادرة على لجمهم أو تطويعهم على الأقل، مرة واحدة، إذا ما قرروا التحالف.

تستخدم إيران عداءها لإسرائيل كغطاء لتثبيت نظامها السياسي القائم على الطائفية والقمع بالأساس، فيما تستخدم دول الخليج “فزَّاعة” إيران لتبرير تقربها من دولة الاحتلال.

وبين هذا وذاك، تجد الولايات المتحدة نفسها مجبرة على إيجاد مقاربة تحقق مصالحها وترضي الحلفاء، الذين باتوا يمارسون عليها ضغوطًا متصاعدة، قد يكون أقلّها، سلاح النفط.

وبعد أن اتخذت واشنطن في عهد باراك أوباما قرارًا منفردًا بتوقيع اتفاق مع إيران، فإن وزير الخارجية الأميركي أكد نهاية أكتوبر تشرين الأول الماضي، أن بلاده تتشاور مع الحلفاء بشان إيران.

وقال بلينكن في مقابلة مع شبكة “سي بي إس نيوز” الأميركية، إن بلاده تتشاور مع الحلفاء لاتخاذ موقف موحد من إيران وإن كل الخيارات بما فيها العسكري مطروح في حال لم تتفاهم طهران بشأن برنامجها النووي.

في 23 نوفمبر تشرين الثاني 2021، وخلال لقائه رئيس دولة الاحتلال، قال رئيس الوزراء البريطاني برويس جونسون، لضيفه، إنه لم يبق الكثير من الوقت لإيجاد حل مع إيران.

ترتيب جديد غير معلن

قبيل الجولة الجديدة من المفاوضات، أجرى المبعوث الأميركي لإيران روبرت مالي جولة شرق أوسطية شملت إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين، لإيجاد مقاربة غير معلنة.

كما زار وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن المنامة وأبوظبي وجدد التزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها ضد تهديدات إيران تحديدًا.

وشهدت الأسابيع الماضية، مناوشات إيرانية أميركية في مياه الخليج، تبعتها مناورات بحرية واسعة وتصعيد إعلامي إسرائيلي- إيراني- أميركي.

كان الرئيس بايدن، المحمّل بالفكر السياسي لباراك أوباما تقريبًا، وما زال، راغبًا في منع حصول إيران على سلاح نووي، في عهده الأقل. لكن يبدو أن اليوم ليس كالبارحة.

لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر خلال السنوات القليلة الماضية، وأصبح أعداء الأمس هم حلفاء اليوم، وبعد أن كان الجميع يتحرك وفق ما تريده واشنطن، أصبح البعض يملك هامشًا، ولو ضئيًلا للمناورة.

موقف إيراني أكثر قوة

لم تعد إيران اليوم هي نفسها التي وقّعت اتفاق 2015؛ فقد باتت الآن أكثر جرأة وسرعة في الضغط على خصومها؛ وقد حققت مكاسب عسكرية لن تفرّط فيها بسهولة.

لقد بدأ الإيرانيون يخوضون مغامرات أكثر خطورة في مياه الخليج لإثبات أنهم قادرون على الفعل، كما إن طائراتهم المسيّرة باتت تمثل هاجسًا للجميع.

فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين غربيين أن برنامج إيران للطائرات المسيّرة بات “أخطر من برنامجها النووي“؛ وأنه ربما يغيّر موازين القوى بالمنطقة.

هذا القلق من مسيّرات إيران التي حققت نجاحات كبيرة في العراق واليمن، دفع الولايات المتحدة لفرض عقوبات أواخر أكتوبر تشرين الأول 2021 على متورطين في هذا البرنامج.

أما على صعيد البرنامج النووي، فلا أحد يمكنه الجزم بما وصلت إليه طهران حتى اللحظة. لكن الأكيد أنها حققت تقدمًا يصعب التنازل عنه.

تقول إيران أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي لكنها في الوقت نفسه ستدافع عن مصالحها وعن أمنها ضد أي محاولة استهداف. في المقابل، تخرج تحذيرات من حين لآخر عن قرب امتلاكها لهذا السلاح.

في سبتمبر أيلول 2021، أكد “معهد العلوم والأمن الدولي“، أن ما خصّبته طهران من اليورانيوم النقي بنسبة 60% يقترب من المطلوب لصنع قنبلة نووية.

وفي سبتمبر أيلول 2021، قال المعهد، الذي يحلل تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن إيران على بعد شهر من صنع سلاح نووي واحد، وعلى بعد أقل من ثلاثة أشهر لتصنيع السلاح الثاني، وأقل من خمسة أشهر لتصنيع الثالث.

لكن نيويورك تايمز نقلت عن خبراء أن تصنيع رأس نووي حربي يمكن وضعه على صاروخ محلي الصنع يمكنه دخول الغلاف الجوي، يتطلب مزيدًا من الوقت.

بعيدًا عن التكهنات، تقول الوكالة الدولية للطاقة إن طهران باتت تمتلك أضعاف ما يسمح به اتفاق 2015 من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 و60%، فيما يثور الخلاف في فيينا حول مصير هذه الكميات في حال التوصل لاتفاق.

ويوم الخميس 2 ديسمبر كانون الأول 2021، أكدت الوكالة أن طهران استخدمت أجهزة طرد مركزي من نوع “160 آي آر 6” لتخصيب يورانيوم بنسبة 20%.

وكان المتحدث باسم وكالة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، قال في 27 نوفمبر تشرين الثاني 2021، إن بلاده قادرة على صنع القنبلة النووية منذ فترة، وإن الغرب مجبر على التعامل مع إيران وفق الأمر الواقع، الذي تريده.

على الرغم من ذلك، فقد نقلت “جيروزاليم بوست” العبرية عن رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلي، تامر هايمان، أن طهران أمامها الكثير من الوقت لامتلاك سلاح نووي، رغم أنها وصلت لمستويات غير مسبوقة من التخصيب.

اقتصاديًا، باتت إيران ثالث أكبر منتج للغاز الطبيعي الجاف في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا بـ8.4 تريليون قدم مكعبة (0.238 تريليون متر مكعب)، وفق ما أعلنته إدارة معلومات الطاقة الأميركية في أغسطس آب 2021.

ليس ذلك وحسب، فقد نقلت وكالة رويترز عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية في مايو أيار 2021، أن الولايات المتحدة استوردت 1.033 مليون برميل خام إيراني في مارس آذار 2021، رغم العقوبات المفروضة على طهران.

وفي نوفمبر تشرين الثاني 2021، نقلت رويترز عن متعاملين في مجال النفط أن الصين تستورد ما يزيد عن نصف مليون برميل من الخام الإيراني يوميًا؛ لأن فارق السعر أكبر من خطر انتهاك العقوبات، حسب قولهم.

في 27 مارس آذار 2021، وقّعت بكين اتفاقية مع طهران عرفت بـ”اتفاقية الـ25 عام“، وهي اتفاقية واسعة لم يُعلن عن كل تفاصيلها، لكن يبدو أنها منحت إيران قوة إضافية في مواجهة الخصوم.

تحالف جديد ينمو

على مدار عقود، كانت إسرائيل معروفة في كواليس السياسة العالمية بأنها “أكبر حاملة طائرات أميركية في العالم”، وأن خروج طلقة واحدة من بندقية جندي إسرائيلي يتطلب موافقة أميركية أو إطلاع واشنطن على الأمر، على أقل تقدير.

لكن، في ظل التحالفات الجديدة، خصوصًا مع دول الخليج، تبدو هذه الأطراف، وفي مقدمتها تل أبيب، أكثر قدرة على الخروج من تحت المظلة الأميركية، ولو بقدر محدود.

هذا الهامش من القدرة على التحرك بعيدًا عن المظلة الأميركية، حتى لو كان محدودًا، إلا أنه منح تل أبيب قدرة على مراوغة، بل ومساومة البيت الأبيض، على ما يبدو.

لقد نقل الدبلوماسي الأميركي السابق دينيس روس عن مسؤولين إسرائيليين أن واشنطن اعتبرت تخريب منشأتي نظنر وكرج الإيرانيتين نوعًا من “الضغوط السلبية”.؛ لأن طهران زادت من تخصيب اليورانيوم بمستويات كبيرة كنوع من الرد.

هذا التوصيف الأميركي يعني ضمنيًا أن تل أبيب أقدمت على تخريب هاتين المنشأتين دون الرجوج للإدارة الأميركية.

وقد أكد موقع “أكسيوس” الأميركي أن مسؤولين إسرائيليين التقوا بآخرين أميركيين في واشنطن، (بعد) استهداف منشأة نطنر الإيرانية، في أبريل نيسان 2021.

لا يهم ما الذي يدفع الرياض أو غيرها للتطبيع مع تل أبيب؛ المهم هو أن ضرب إيران، أو منشآتها العسكرية وأذرعها على وجه التحديد، بات هدفًا مشتركًا للطرفين.

قد تكون ضربة عسكرية ولو محدودة تعيد إيران عشرين عامًا أو أكثر إلى الوراء ثمنًا مقبولًا لتطبيع السعودية، قلب العالم الإسلامي، مع دولة الاحتلال. غير أن إسرائيل لا يمكنها في الأخير دفع هذا الثمن دون مساعدة أميركية.

في العام 2009، عندما كان بايدن نائبًا للرئيس، قال إن الولايات لمنع إسرائيل إن هي قررت نسف برنامج إيران النووي.

لقد حاولت إدارة بايدن تجاهل ما عرف بـ”اتفاقات إبراهام” خلال شهورها الأولى، بل إنها وجّهت بعدم استخدام هذه المصطلح من قبل وزارة الخارجية، يحسب ما نشره موقع “واشنطن فري بياكون“، في يونيو حزيران 2021.

كما جمّدت إدارة بايدن صندوق “إبراهام” الذي كان مخصصًا لتفعيل اتفاقيات التطبيع اقتصاديًا، بحسب ما نقله موقع “غلوبس” العربي في يوليو تموز 2021.

لكن الموقف الأميركي خلال الشهور القليلة الماضية، بات مثيرًا للتساؤلات؛ لأنه بدا قريبًا من موقف دونالد ترامب، مع اختلاف الطريقة.

لقد عاودت إدراة بايدن استخدام مصطلح “اتفاقات إبراهام”، بل إن الخارجية الأميركية وعدت منتصف سبتمبر أيلو 2021 بتوسيع هذه الاتفاقات ودعت مزيدًا من الدول العربية للانخراط فيها.

ليس هذا فقط، فقد نقل موقع “والا” العبري القريب من حكومة تل أبيب، أن واشنطن بحثت مع الرياض مسألة التطبيع.

ونقل الموقع العبري، عن مصادر أميركية وعربية أن مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، فتح مع ولي العهد السعودي، موضوع التطبيع عندما زار الرياض في 27 سبتمبر أيلول الماضي.

وقالت المصادر إن ولي العهد السعودي لم يرفض التطبيع صراحة خلال حديثه مع سوليفان لكنه قال إن هذه الخطوة ستستغرق وقتًا.

واشترط السعوديون، بحسب الموقع، تنفيذ عدة خطوات في أقرب وقت يتعلق بعضها بتحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية.

سيكون انضمام السعودية لاتفاقات التطبيع “خطوة مهمة للغاية”، وقد تدفع مزيدًا من الدول العربية والإسلامية لاتخاذ خطوة مماثلة.

ورغم أن بايدن أبدى برودًا في التعامل مع الرياض منذ وصوله للحكم، خصوصًا فيما يتعلق بمقتل الصحفي جمال خاشقجي ومسألة حقوق الإنسان، إلا أن بلينكن قال مؤخرًا إن واشنطن تتعامل مع ولي العهد السعودي بناء على المصالح.

بل إن بلينكن، أكد أن الأمير محمدبن سلمان “سيكون زعيمًا لفترة طويلة”، بغض النظر عن موقف الولايات من قضية خاشقجي.

ووافقت الولايات المتحدة مؤخرًا على بيع صواريخ “جو- جو” دقيقة التوجيه للرياض لدعم قدرتها على صد هجمات الحوثيين اليمنيين المدعومين من إيران.

هل يتبنَّى واشنطن عملًا عسكريًا ضد إيران؟

منتصف أكتوبر تشرين الأول 2021، قال وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، في مقابلة مع صحيفة “تلغراف” البريطانية، إن على بايدن أن يتعامل بحزم أكبر مع إيران إذا كان يريد إقناع السعوديين بالانضمام لاتفاق التطبيع.

كما تحدث دينيس روس في تحليله المشار إليه سابقًا، عن ضرورة وضع بايدن للخيارات العسكرية على الطاولة، إن كان يريد فعلًا دفع إيران نحو العودة للاتفاق النووي.

بل إن روس ذهب إلى أكثر من ذلك، فقال إن طهران حاليًا “لم تعد تقيم وزنًا لأي حديث أميركي”، وإنها “لم تعد تشعر بالخوف من الولايات المتحدة”، وهو ما قد يدفعهم نحو تجاهل المفاوضات، حسب رأيه.

وسواءً كان الإيرانيون من خلال تسريع تخصيب اليورانيوم ورفع نسبة التخصيب وإنتاج سلاسل الطرد المركزي التي تضعهم على عتبة القنبلة النووية، أو أنهم يريدون تحسين شروط التفاوض، فإن احتمالات اللجوء للقوة تصبح كبيرة ما لم تدرك طهران خطورة مسارها، كما يقول روس.

الإسرائيليون أيضًا، أكثر ميلًا للذهاب أبعد من التخريب وصولًا إلى شنّ هجوم عسكري على البنية التحتية النووية الإيرانية بالكامل، حسب روس.

هذا الموقف الإسرائيلي الأخير، يتفق تمامًا مع ما تريده الرياض والإمارات والبحرين تحديدًا؛ إذ إن دولًا مثل قطر وسلطنة عمان لا تريد حربًا باهظة التكاليف في المنطقة، فيما تريد الكويت ضربة ساحقة لا تحتمل أي رد إيراني، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا.

دانييل بنايم، مساعد وزير الخارجية الأميركي، تحدث مؤخرًا عن ترتيب أميركي خليجي أوروبي جديد لمواجهة الخطر الإيراني وتوحيد المواقف من برنامجها النووي.

لقد حرصت إدارة بايدن خلال الشهور الست الأولى لها في البيت الأبيض على تجاهل المطالبات الخليجية للمشاركة في محادثات فيينا النووية، بل إنها لم تعرها أي اهتمام تقريبًا.

على العكس من ذلك، تقوم واشنطن حاليًا، وبحسب ما أكده بنايم لقناة “الحرة” الأميركية منتصف نوفمبر تشرين الثاني الجاري، بإجراء مشاورات كبيرة ومهمة مع الخليجيين بشأن ملف إيران النووي.

اللافت في حديث بنايم، هو أن الترتيب الجديد، الذي يشمل الأوروبيين أيضًا، يقوم على “وسائل جديدة خلّاقة لجمع الدول من أجل حل المشاكل إن كانت تتعلق بالمياه أو الطاقة أو التسامح وحتى في بعض الحالات القضايا الدفاعية. وضم إسرائيل إلى هذا الخليط وجلب المزيد من القدرات”. 

صحيفة جيروزاليم بوست قالت يوم الأحد 28 نوفمبر تشرين الثاني 2021، إن إسرائيل تستعد للخطة “ب” في حال فشل مفاوضات إيران النووية، التي أكد مسؤولو تل أبيب مرارًا إنهم غير ملتزمين بنتائجها.

ولفتت الصحيفة إلى أن تحالفًا إسرائيليًا أميركيًا أوروبيًا خليجيًا يتشكل لمواجهة إيران، مشيرة إلى أول تحليق لمقاتلات إسرائيلية في سماء الخليج أواخر أكتوبر تشرين الثاني الماضي، والذي وصفته بأنه “رسالة لإيران”.

هذا التحليق الذي تزامن مع مناورات عسكرية بحرية شاركت فيها قوات إسرائيلية مع أخرى من الإمارات والبحرين والولايات المتحدة، شهد مصاحبة المقاتلات السعودية لنظيرتها الإسرائيلية خلال تحليق الأخيرة في سماء المملكة، بحسب جيروزاليم بوست.

هل تتبنّى واشنطن ضربة عسكرية لإيران؟

قد تكون رغبة الرياض وتل أبيب في إقامة علاقات سياسية علنية، هي الهدف الرئيسي والحقيقي من حملة الضغوط التي يمارسها الطرفان على واشنطن، سواء عبر الحديث المستمر عن التهديد الإيراني، أو عبر حرب النفط التي تشنّها السعودية على الولايات المتحدة بغطاء من تحالف “أوبك بلس”.

هناك العديد من الملفات التي تعتقد الرياض أن إسرائيل يمكنها تقديم دعم حاسم فيها، وفي مقدمة هذه الملفات: إيران وأذرعها العسكرية، المستقبل السياسي لولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

منذ سنوات، يجري تسويق فكرة أن إسرائيل هي الضامن الوحيد لأمن دول المنطقة من الخطر الإيراني، وعلى هذا الأساس يجري الترويج لتحالف عسكري عربي- خليجي تحديدًا- إسرائيلي لمواجهة إيران، وقد اتُخذت خطوات عملية لتحويل هذا التحالف إلى واقع.

وبينما يريد بايدن إرجاء حصول طهران على القنبلة النووية، تريد السعودية وإسرائيل تطبيع العلاقات تحت مظلة التهديد الأمني الوجودي المشترك، متمثلًا في إيران. وفي سبيل تحقيق أهدافه، يمارس كل طرف أنواعًا مختلفة من الضغط على الطرف الآخر.

لكن الوقت يبدو في صالح إسرائيل؛ فاستطلاعات الرأي تعكس تراجعًا كبيرًا في شعبية بايدن (58% غير راضين عنه في أحدث استطلاع)، وإيران تمارس تعنتًا في المفاوضات، ما يعني أن كبرياء أميركا يبدو وكأنه على المحك.

ضف إلى ذلك أن قطار التطبيع الذي انطلق بقوة بات يفقد زخمه شيئًا فشئيًا، أو أنه يسير بسرعة أقل. كل هذه الأمور قد تدفع الولايات المتحدة لخوض مغامرة.

يبدو واضحًا أن طهران لن تعود إلا للاتفاق القديم الذي انسحب منه ترامب، أو اتفاق مماثل على الأقل، كما إنها لن تتنازل، على الأرجح، عن الكميات التي خصّبتها من اليورانيوم بنسبة تفوق الـ60%.

طهران لن تتفاوض على ما يبدو بشأن صواريخها ولا طائراتها المسيّرة، التي يقول الغرب إنها قد تقلب موازين المنطقة، ولا بشأن أذرعها العسكرية في المنطقة، أي انها تريد الاحتفاظ بكل مكاسبها الكبيرة والخطيرة التي حققتها منذ 2018.

ما تزال الولايات المتحدة قادرة على فعل ما تريد دون موافقة الحلفاء، لكن الظروف ليست في صالحها، لأن إسرائيل وحلفاءها الخليجيين باتوا قادرين على اتخاذ خطوات منفردة، ولو محدودة، لكنها قد تكون كارثية التأثير.

حالة اللايقين هي سيدة الموقف حاليًا، فالولايات المتحدة فعليًا لا تريد خيارًا عسكريًا مع طهران، وربما لا تملكه؛ لأن لديها ملفات أخرى تخص مواجهة الصين في تايوان، ومواجهة الروس في أوكرانيا ومنطقة البحر الأسود عمومًا.

بينما ترى إسرائيل أن اللحظة مواتية لضرب عصفورين بحجر واحد: تعطيل برنامج إيران النووي، وفتح علاقات سياسية مع من كانوا على رأس قائمة الأعداء، حتى وقت قريب.

هذا التضارب للمصالح، قد يدفع الأطراف للتصرف بشكل أقل حكمة، وهو ما ينعكس في تأكيد تل أبيب المستمر على حقها في التصرف منفردة وعدم التقيد بأي اتفاق أميركي مع إيران.

كما إن إسرائيل تواصل حملتها الدعائية التي تبدو وكأنها مقدمة لعملية عسكرية يتم الدفع باتجاهها ضد إيران أو ضد منشآتها النووية على أقل تقدير. فيما تواصل الرياض حربها النفطية على الولايات المتحدة، تحت مظلّة “أوبك بلس”.

لقد صحيفة وول ستريت جورنال قالت الشهر الماضي إن الرئيس بايدن بدا محبطًا بسبب عدم استجابة الرياض لطلبه بشأن رفع إنتاج الخام، والذي دفعه لاستغلال جزء من الاحتياطي الاستراتيجي للبلاد للحد من ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة.

كما أشار فورين بوليسي إلى أن ولي العهد السعودي “يات يتحكم في التضخم داخل الولايات المتحدة”.

اتهامات متبادلة

وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس يوم 23 نوفمبر تشرين الثاني 2021  إن إيران شنّت هجومًا هجومًا بحريًا من قاعدتين في “شبهار” وجزيرة “قشم” بمضيق هرمز.

وأوضح غانتس، خلال كلمة بثها التلفزيون، أن هذه المواقع تستخدم لتخزين طائرات حربية مسيّرة، وإن إيران “تعتبر نفسها قوة مهيمنة إقليميًا”.

وقال غانتس أيضًا إن أي اتفاق جديد مع إيران “يجب أن يدمر قدراتها النووية الحالية ويسمح بإجراء عمليات تفتيش مفصلة للمنشآت والأسلحة النووية الإيرانية”.

وأضاف “رغم أن الدبلوماسية هي الخيار الأفضل، إلا أن اتسخدام قدر محدود من القومة قد يحول دون اللجوء لاستخدام قدر أكبر في وقت لاحق”.

وفي الـ17 من نوفمبر تشرين الثاني 2021، قالت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي في بيان مشترك إن على طهران اغتنام مفاوضات فيينا، للحيلولة دون اندلاع نزاع وأزمة”.

كما أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أكثر من مرة مؤخرًا أن “كل الخيارات” مطروحة للتعامل مع إيران بما فيها الخيار العسكري.

في المقابل، تؤكد إيران رفضها أي حديث عن تعديل للاتفاق النووي القديم أو عن صواريخها وطائراتها المسيّرة، وتقول إن مستعدة للرد على استهداف من أي طرف وفي أي مكان، حتى لو كان خارج حدودها.

رغم كل هذه المقدمات، فإن دينيس روس، الذي يبدو حريصًا جدًا على مصالح الإسرائيليين، ينصح قادة تل أبيب، بإيجاد طريقة لتصحيح العلاقات مع واشنطن.

فقد لفت رويس في مقال آخر نشره يوم 9 نوفمبر تشرين الثاني 2021، إلى أن مكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة لم تعد كما كانت، وإن مناهضي تل أبيب نجحوا ولو بقدر ضئيل في تحقيق مكاسب.

وقد أكد روس أن بايدن ما يزال عازمًا على تقليص وجود بلاده في الشرق الأوسط، وقال إنه بينما يقترب العرب والخليجيون من إسرائيل، فإن من بين الأميركيين من ينتقد تعاملها مع الفلسطينيين.

ونصح روس تل أبيب بتقديم نفسها بصورة مختلفة إلى الإدارة الأميركية حتى تتمكن من الحصول على أسلحة أكثر تقدمًا، وذلك عبر تذكير واشنطن بأنها (إسرائيل) ما تزال الضامن الأكبر للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

شارك