واشنطن بوست: “طالبان” تشن حملة اغتيالات ضد من وعدتهم بـ”العفو”

ترجمة | جو-برس

قالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إن حركة طالبان تشن حملة اغتيالات ضد أفراد أمن كانوا يعملون مع النظام الأفغاني السابق.

ونقلت الصحيفة عن ضابط مخابرات أفغاني سابق أن مجموعة تضع شارات طالبان قتلت رجلين كانا يعملان في حرس الحدود سابقًا، أسفل منزله.

وقال الضابط السابق، إن سمع صراخ نسوة في بيت جيرانه فزحف إلى سطح منزله ليجد ثلاثة يضعون شارات طالبان ومعهم سيارة “بيك أب” خضراء.

هذه السيارات، كما تقول الصحيفة، كانت تستخدمها الحكومة السابقة وأصبح استخدامها حاليًا حكرًا على أفراد الحركة التي سيطرت على البلاد منتصف أغسطس آب 2021.

وقعت الحادثة في مساء أحد الأيام أواخر أغسطس آب 2021، بحسب الضابط، الذي قال إنه سمعهم يقولون لأحد الرجلين: “لقد الكثير من مجاهدينا”، قبل أن يمطروهما بالرصاص.

تًركت جثتا الرجلين على جانب الشارع، كما تقول واشنطن بوست. وفي صباح اليوم التالي، بعد دفن الأسرة لأبنائها، هربوا وغيروا أرقام هواتفهم. 

وقال الضابط السابق الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من انتقام طالبان: “لا أحد يعرف مكانهم”.

تقول الصحيفة إن أكثر من 10 أفراد من ذوي ضحايا آخرين أبلغوها بأن هذه المشاهد أصبحت تحدث كل ليل تقريبًا في جنوب أفغانستان منذ سيطرة طالبان على الحكم.

وبحسب الشهادات، فإن الحركة الأفغانية تشن حملة اغتيالات واسعة تستهدف الانتقام ممن كانوا “أعداءً لها” طيلة السنوات الماضية.

ترددت قصص مماثلة في هلمند وقندهار وأماكن أخرى،وقد وثّق تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في نوفمبر تشرين الثاني الماضي، أكثر من 100 عملية قتل واختطاف لمسؤولين أفغان سابقين منذ أغسطس آب.

ووصفت هيومن رايس ووتش هذه الانتهاكات بأنها آخذة في الارتفاع ومتعمدة، رغم العفو الذي أعلنته طالبان عن “الأعداء” بعد سيطرتها على البلاد.

وترى هيومن رايتس وتش أن هذه الحوادث تشير إلى أن الضغط الدولي بشأن احترام حقوق الإنسان لم يترك أثرًا يُذكر على طالبان.

تقول المنظمة إن الحركة تستخدم عنفًا عشوائيًا ضد كل من ترى أنه يمثل تهديدًا.

ونفى بلال كريمي، نائب المتحدث باسم طالبان، تقارير عن اعتقالات أو عمليات قتل واسعة النطاق لمسؤولين حكوميين سابقين، ووصفها بأنها “جزء من حملة دعائية” تستهدف الحركة.

وأضاف أن مئات الآلاف من مسؤولي النظام السابق قبلوا عرض العفو العام ويعيشون بسلام في أفغانستان. 

وقال: “قد تكون هناك بعض حوادث (اختطاف وقتل)، لكنها قد تكون بسبب صراعات شخصية أو ربما يكون شخص ما (غير منتسب إلى طالبان) استخدم اسم الإمارة الإسلامية“.

وقال الضابط السابق الذي شهد مداهمة شارعه في وقت متأخر من الليل، إنه فقد ثلاثة من أفراد عائلته في عمليات اغتيال مستهدفة منذ استيلاء طالبان على السلطة. 

وألقى مقاتلو طالبان القبض على شقيقه وعمه وابن عمه وضباط سابقين في الشرطة والمخابرات من السوق المركزي، بحسب شهود أبلغوا الأسرة. 

بعد أيام، أظهرت صورة نُشرت على فيسبوك لجثث الرجال ملقاة في ميدان شهير. وعندما انتشلت الأسرة الجثث “كانت جميعها لا تزال تحمل رسائل العفو في جيوبها”. 

في ذلك اليوم، فكّر في الهروب لكنه لم ينجح. بصفته الابن الأكبر المتبقي، وعليه إعالة والديه المسنين الذين يعانون من ضعف شديد يمنعهم من السفر.

وأضاف الضابط: “بالطبع أخشى أن يقرع بابي ذات ليلة”.

قالت باتريشيا غوسمان، المديرة المشاركة والمؤلفة المشاركة لتقرير هيومن رايتس ووتش، إن العنف من غير المرجح أن يقوم به مقاتلو طالبان المارقون.

وأضافت: “لطالما افتخر قادة طالبان بأنفسهم من حيث القيادة والسيطرة على صفوفهم، لذلك سيكون من الصعب جدًا تصديق أن عمليات القتل على هذا النطاق يمكن أن تستمر دون علم كبار المسؤولين في كابول”.

وإذا كان كبار مسؤولي طالبان على علم بعمليات القتل لكنهم لم يفعلوا شيئًا لوقفها، فإنهم بذلك يتغاضون تمامًا عن أفعال مقاتليهم، برأي غوسمان.

وعد بالعفو

سُمح للعديد من الجنود الأفغان السابقين بالعودة إلى ديارهم بعد تسليم أسلحتهم وطلب العفو. 

وسُمح لضابط شرطة سابق في قندز بالعودة إلى منزله مع عشرات من جنود الجيش الأفغاني من القاعدة العسكرية المجاورة لمطار المدينة بعد إبرام اتفاق استسلام.

قال الضابط: “في بعض الأحيان يأتي الطالبان إلى منزلي للتحقق مرة أخرى من وجود أسلحة أو سيارات حكومية”. 

وأضاف “رغم أنهم ليسوا ودودين دائمًا، إلا أن المقاتلين لم يضربوه أو يهددوه بالعنف أبدًا”.

ووصف الضابط هذا السلوك بأنه “مجرد مضايقات”. لكنه أكد أن الزيارات “جعلته متوترًا”، وتسائل “إلى متى سيستمر الوعد بالعفو”.

بالنسبة لضابط شرطة يبلغ من العمر 20 عامًا في هلمند، استمر العفو لمدة شهر تقريبًا. بعد التسجيل لدى قائد طالبان المحلي، عاد إلى مزرعة عائلته.

منذ ذلك الحين، لم يظهر الرجل أبدًا خوفًا من أنه سيكون هدفًا على الرغم من شائعات عن غارات ليلية لطالبان في عاصمة المقاطعة والقرى المجاورة.

قال والد ضابط الشرطة السابق، وهو سائق شاحنة متقاعد: “لقد وثق بتلك القطعة من الورق.. لكنني كنت خائفًا عليه طيلة الوقت”.

في منتصف سبتمبر أيلول ، جاء الطرق على الباب حوالي الساعة العاشرة مساءً. خرج ضابط الشرطة السابق إلى الحديقة للرد.

تقول الصحيفة إنه تم اقتياده بسرعة بحيث لم يكن لدى والده الوقت لمواجهة الخاطفين. وبعد دقائق، دوى صوت إطلاق النار في أنحاء المنزل.

قال الأب: “في تلك اللحظة، علمت بالفعل أنهم قتلوا ابني.. لم ننم طوال تلك الليلة. عند شروق الشمس، خرجت إلى المسجد لأداء الصلاة، فرأيت الحشد يتجمع في حقل قريب”.

أصيب الشاب ثلاث مرات في جبهته ومرة ​​في كل عين. وقال الأب: “لا أحد باستثناء طالبان يمكنه فعل شيء كهذا”.

وأوضح الأب أن السبب الوحيد لعدم فراره مع أسرته هو أنه لا يستطيع تحمل نفقات ذلك؛ فقد كان دخل ابنه هو المال الوحيد الذي يعول الأسرة.

“إلى أين نذهب حتى؟” قال الأب وهو يهز رأسه، مضيفًا “ما يظهر لي هذا هو أن طالبان لم تقدم النظام الذي وعدت به. لن يبنوا هذا البلد. الأمور ستنتقل من السيء إلى الأسوأ”.

في حين استخدمت طالبان عمليات الإعدام بإجراءات موجزة والاحتجاز التعسفي لسنوات للحفاظ على النظام في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فإن عدد الحوادث في ازدياد.

وتستخدم الحركة التكتيكات على نطاق أوسع، وفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش.

وقالت غوسمان: “هذا أسوأ بكثير مما رأيناه سابقًا.. اعتقد أن الزيادة في عمليات القتل والاعتقالات هي مزيج من السعي للانتقام وعدم التسامح مع أي معارضة أو انتقاد”.

ومع سيطرة الحركة على غالبية أراضي البلاد، يصبح من الصعب على المستهدفين الاختباء، كما تقول غوسمان.

مع اقتحام طالبان غزنة، سُجن أحد كبار ضباط الشرطة في عاصمة الإقليم، إلى جانب العشرات من رجال الشرطة الآخرين، على الرغم من العفو، وفقًا لابن أخيه. 

وقد ناشدت مجموعة من كبار السن وأفراد الأسرة مسؤولي طالبان لإطلاق سراح الرجال. لكن ذلك لم يحدث.

قال ابن أخي الضايط: “بعد 49 يومًا، مات عمي تحت التعذيب”، مضيفًا أنه رأى جثة عمه وأنه “قُتل بوحشية”.

في البداية، رفضت طالبان تسليم جثة الرجل لعائلته ولم تفعل ذلك إلا بعد تدخل شيوخ القبائل، كما يقول ابن أخيه، مضيفًا “قادة طالبان أبلغوا شيوخ القبائل أنه قُتل لاتهامه باعتقال وتعذيب مقاتلي الحركة”.

من الغرفة الصغيرة التي يختبئ فيها، قال أحد أفراد الشرطة المحلية الأفغانية إن لديه قائمة تضم 60 اسمًا لزملائه السابقين الذين قتلوا على أيدي مقاتلي طالبان في غزنة وحدها بعد اجتياح الإقليم. 

تم القبض على آخرين وما زال الكثيرون في عداد المفقودين. وقال المتحدث: “لا توجد وسيلة للتحقيق في عمليات القتل والاعتقالات التي طالت الشرطة الحكومية السابقة”. 

لا تسمح طالبان لوسائل الإعلام بنقل مثل هذه الأخبار، ولم تعترف رسميًا بمثل هذه الحوادث.

إقرأ أيضًا
عود على بدء.. طالبان تعلن حكومة مؤقتة خالية من المرأة والأقليات
وول ستريت جورنال: الأطفال يمثلون 85% من اللاجئين الذين تم إجلاؤهم من أفغانستان
“لسنا كما كنا”.. طالبان تتعهّد باحترام حقوق المرأة وحرية الإعلام وتعفو عن “أعدائها”

أهداف عالية الخطورة

بالنسبة للكثيرين، كان احتمال التسجيل للحصول على العفو محفوفًا بالمخاطر. أحد ضباط المخابرات النخبة الذي عمل عن كثب مع القوات الأجنبية كان يتنقل بين منازل الأصدقاء والعائلة لأسابيع بعد سيطرة طالبان. 

لاحقًا، انتهز الرجل فرصة وسافر إلى مزار الشريف على أمل أن يسافر في رحلة إجلاء، على حد قول شقيقه الأصغر.

لكن عندما تأخرت الطائرات، اتصل بشقيقه وقال إنه طُلب منه العثور على غرفة في فندق في المدينة حيث يمكنه الانتظار. 

بعد ثلاثة أيام مات، ألقي به من نافذة غرفته الشاهقة بالفندق، بحسب حراس أمن الفندق الذين نقلوا ما رأوه إلى الأخ. 

قال الأخ إنه عندما جمعت الأسرة جثته كانت تحمل آثار التعذيب: الضرب المبرح وعدة جروح بالسكاكين.

وأضاف “بالنسبة لأخي، لم يكن هناك شيء اسمه عفو.. الجميع يعرف أنه عمل مع الأميركيين، وكان لديه طلب تأشيرة هجرة خاص معلّق”.

“لم يساعدوا أخي”، قال الأخ في إشارة إلى الولايات المتحدة، مضيفًا “لقد خانوه”.

يخشى أفراد القوات الخاصة الأفغانية والعديد من القادة البارزين من أنهم أكثر عرضة لخطر القتل الانتقامي لأنهم كانوا أكثر عرضة لقتل أو سجن أو استجواب أعضاء طالبان من الرتب العسكرية الأفغانية.

لدى طالبان أيضًا المزيد من المعلومات الآن حول وحدات النخبة هذه وغيرهم ممن عملوا مع الحكومة الأفغانية من سجلات التوظيف الواسعة التي تركوها وراءهم في الوزارات الرئيسية.

قال موظف كبير في وكالة المخابرات الرئيسية في أفغانستان إنه حاول تدمير سجلات التوظيف في مقره، لكنه يعتقد أن معظم المعلومات وصلت إلى أيدي طالبان.

وأضاف الموظف، الذي يختبئ الآن خارج كابول: “كان هناك كل شيء: الأسماء والعناوين وأرقام الهواتف.. أشعر بالذنب حيال هذا أكثر من أي شيء آخر”.

منذ الخريف، وعلى مدار أشهر، ظل موظف المخابرات على اتصال ببضع عشرات من زملائه السابقين على واتساب، حيث ينشرون تقارير لم يتم التحقق منها عن عمليات قتل واعتقالات مستهدفة. 

خلال الأسابيع القليلة الأولى من حكم طالبان، تم ترشيح حوالي 20 تقريرًا عن مقتل قوات الأمن السابقة عبر المجموعة كل أسبوع.

قال الموظف: “كان معظمهم في الجنوب والشرق”. مضيفًا “هذا هو المكان الذي توجد فيه طالبان أقوى شبكات مصادرها، وحيث كانت المخابرات الأفغانية أكثر نشاطًا وأكثر انكشافًا أمام الجمهور”

أحد ضباط المخابرات الذين قُتلوا في قندهار ، وهو رجل يبلغ من العمر 30 عامًا، كان جالسًا داخل متجر عائلته عندما توقفت ثلاث دراجات نارية على متنها ستة مقاتلين. 

دخل رجلان المتجر وعرّفا نفسيهما على أنهما من مقاتلي طالبان وطلبا من الضابط السابق أن يأتي معهما.

قال شقيق ضابط المخابرات، الذي كان حاضرًا: “كانا مؤدبين للغاية.. قالا له إننا بحاجة للتحدث معك”.

ذهب الضابط معهما طوعًا، كما يقول ابن شقيقه، سار المقاتلون بالقرب من الرجل وأطلقوا النار عليه أربع مرات في رأسه وصدره.

قال الأخ: “بعد تلك الحادثة، علمنا أن طالبان تتلاعب بنا فقط من خلال اتفاقية العفو.. والآن نرى عدد القتلى يرتفع كل يوم في قندهار”.

كان جنوب أفغانستان، المعقل التقليدي لطالبان، مسرحًا لبعض أكثر المراحل وحشية خلال العقدين الماضيين من الحرب.

قال ابن عم الضابط، الذي أطلق عليه الرصاص خارج متجر عائلته، إنه يعتقد أن العديد من عمليات القتل في قندهار هي محاولات لتصفية حسابات قديمة.

وأضاف “لكن ما يحدث ليس كله انتقامًا.. طالبان تريد القضاء على أي شخص سيكون مصدر إزعاج لها في المستقبل”، في إشارة إلى احتمالية انتفاض حركات مقاومة ضد الحركة.

ويخشى المتحدث أيضًا أن تأتي عمليات القتل بنتائج عكسية، مؤكدًا “يمكن أن يتحول إلى دورة أخرى، تمامًا مثل الأربعين عامًا الماضية من الحرب”.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة واشنطن بوست الأميركية
شارك