واشنطن بوست: طائرة مسيّرة تركية قتلت عشرات المدنيين في تيغراي

ترجمة | جو-برس

قالت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية إن الحكومة الإثيوبية قتلت عشرات المدنيين في هجوم نفذته بطائرة مسيّرة تركية على إقليم تيغراي شمالي البلاد.

كانت حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قبل شهور قليلة، تواجه هزيمة شبه مؤكدة على يد قوات جبهة تحرير شعب تيغراي وحلفائها من المتمردين.

لكن دعمًا عسكريًا تركيًا إماراتيًا منح قوات الحكومة تفوقًا ساحقًا وساعدها على إلحاق هزيمة كبيرة بها خلال أسابيع قليلة.

واستعادت قوات آبي أحمد مساحات واسعة سيطرت عليها قوات تيغراي بعد هزيمة ساحقة ألحقتها بقوات الحكومة والميليشيات الداعمة لها أواخر يونيو حزيران 2021.

صحيفة واشنطن بوست الأميركية قالت يوم 7 فبراير شباط الجاري إن طائرة تركية بدون طيار قتلت في يناير كانون الثاني الماضي 59 مدنيًا على الأقل، وأصابت عشرات آخرين، بعدما قصفت مدرسة كانوا ينامون بها.

كان معظم القتلى من النساء والشيوخ والأطفال، وقد لقوا حتفهم بعدما ألقت الطائرة قنبلة على مدرسة مسقوفة بالصفيح كانوا بها بعد أن شردتهم الحرب، بحسب الصحيفة.

قال عمّال إغاثة للصحيفة الأميركية إن القصف وقع على إحدى مدارس منطقة ديبيت في الساعات الأولى من يوم 7 يناير كانون الثاني الماضي.

حللت واشنطن بوست صور الشظايا الناجمة عن القصف وصورة أقمار صناعية ومقاطع فيديو، وخلصت إلى أن الهجوم تم بذخيرة دقيقة التوجيه تركية الصنع.

قال عمّال الإغاثة إن القتلى كلهم كانوا مدنيين فارين من الحرب ولم يكونوا مقاتلين أبدًا.

لا تتوفر الطائرات المسلحة من دون طيار إلا لقوات الحكومة، وقد أكدت تقارير غربية سابقة أن حصلت عليها من الإمارات وتركيا وإيران.

فيديو لذوي الضحايا (واشنطن بوست)

تحوّل كبير

هذا الظهور للطائرات من دون طيار يظهر انتشار هذا النوع من السلاح الذي حوّل دفّة الصراع في أكثر من بلد، بشكل كامل.

من ليبيا إلى أرمينيا إلى اليمن، تكشف الأحداث كيف أصبحت هذه الطائرات التي في يوم ما حكرًا على القوى العظمى، متاحة للحكومات والميليشيات، على نحو واسع.

ولم يختلف الوضع في إثيوبيا؛ حيث استخدمت حكومة أديس أبابا الطائرات من دون طيار لتحويل دفة الصراع الممتد منذ 16 شهرًا، لصالحها.

هذا الاستخدام للطائرات المسيّرة من قبل الحكومة، يثير تساؤلات بشأن أهداف آبي أحمد، فالغارة لم تصب مخيم اللاجئين فحسب، كما تقول الصحيفة.

لقد طالت الهجمات عدّة أماكن بعيدة عن ساحة القتال بما في ذلك حافلات عامة ومزارع وفنادق وأسواق مزدحمة، بحسب “واشنطن بوست”.

حصلت الصحيفة الأميركية على وثائق تفيد بمقتل أكثر 300 مدني في هجمات بطائرات مسيرة وغارات جوية أخرى منذ سبتمبر أيلول 2021.

ووفقًا للوثائق، فقد لقي أكثر من 100 مدني من هؤلاء حتفهم منذ بداية العام الجاري.

تمثل هذه الأرقام جزءًا بسيطًا من آلاف المدنيين الذين قتلوا خلال النزاع الدموي. وهناك أكثر من 4 ملايين إنسان في تيغراي وعلى تخومه يواجهون أزمة إنسانية.

لم ترد حكومة أديس أبابا على هذه المعلومات، وامتنع متحدث باسم الحكومة التركية عن التعليق أيضًا.

ومع تواصل التعتيم الحكومي وقطع الاتصالات والإنترنت عن مناطق القتال، لا يمكن التأكد من صحة المعلومات بشكل دقيق.

أظهرت مقاطع الفيديو جثثًا متراصة بالقرب من المدرسة التي تم قصفها، وكان بينها 5 نساء و7 أطفال على الأقل.

ونقلت واشنطن بوست عن أحد المشيعيين قوله “لقد تخلّى العالم عنّا. لقد خاننا”.

تقول الصحيفة الأميركية إن بقايا الذخيرة المستخدمة في القصف تحتوي على مكونات داخلية تطابق صور ذخائر “”MAM-L مزدوجة تصنعها شركة تركية حصرًا مع الطائرة TB-2.

المدرسة التي قصفها في ديبيت (واشنطن بوست)

قال برايان كاستنر، وهو محقق أسلحة في منظمة العفو الدولية، إن كل نوع من الذخائر التي تسقطها الطائرات من دون طيار يتشابه في مكوناته.

لكن التكوينات اللولبية التي تربط الذخيرة بأجنحة الطائرة تكون مختلفة بحسب بلد المنشأ، كما يقول كاستنر.

وأضاف “الذخيرة التي استخدمت في قصف المدرسة لها نفس نمط MAM-Ls تركية الصنيع، ذات الأربعة براغي.

وأكدت صور أخرى للشظايا، تكشف مكونات مختلفة من أجنحة الذخيرة الموجهة بالليزر، هذا التحليل.

تقول الصحيفة الأميركية إن السلاح المستخدم في القصف والذي يزن نحو 50 رطلاً، يمكنه أن يسافر لنحو تسعة أميال من وقت إطلاقه حتى تأثيره.

وتضيف الصحيفة أنه مخصص لأهداف مثل الدبابات أو المركبات المدرعة الخفيفة أو الأفراد، بحسب المنشور على موقع الشركة المصنعة على الإنترنت.

تكشف مقارنة صور الأقمار الصناعية عالية الدقة التي تم التقاطها قبل الغارة وبعدها عن وجود فجوة مساحتها أربعة في ثلاثة أمتار في سقف المدرسة الابتدائية.

في غالبية أوقات الصراع، كشفت الأدلة امتلاك القوات الحكومية عددًا غير كبير من الطائرات المسيّرة صينية الصنع التي تستخدمها الشرطة المحلية، إلى جانب أخرى إسرائيلية لكنها غير مسلّحة.

بحلول نهاية العام الماضي، عززت أديس أبابا أسطولها من الطائرات المسيرة بعد صفقة أبرمها رئيس الوزراء آبي أحمد خلال زيارته لأنقرة في أكتوبر تشرين الثاني 2021.

وكانت وكالة رويترز أكدت أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعم آبي أحمد بهذه الطائرات في خضم الحرب الدموية، كجزء من استراتيجيته لتعزيز حضوره في البلد الإفريقي المهم.

وأكد باحثون وجود طائرات مسيّرة صينية من طراز وينغ لونغ (Wing Loong) في إثيوبيا إلى جانب أخرى إيرانية وصلت في أغسطس آب 2021.

كما كشفت بيانات جوية وصول دعم عسكري إماراتي كبير لأديس أبابا، ويعتقد المحللون أنها هي من دعمتها بالطائرات الصينية.

وربما قدّم الإماراتيون أيضًا طائرات مسيّرة تجارية بعد تعديلها لرئيس الوزراء آبي أحمد.

في نوفمبر تشرين الثاني 2021، أظهرت صور الأقمار الصناعية طائرة مسيرة تركية من طراز TB-2 وهي تتمركز في قاعدة هارارميد الجوية الإثيوبية.

طائرة مسيّرة تركية تتمركز في قاعد إثيوبية (واشنطن بوست)

وأكد ويم زيفغينينبرغ الذي يقود مشروعًا لنزع السلاح في منظمة “باكس” ومقرها هولندا، أن الجيش الإثيوبي راكم الكثير من الطائرات المسيرة خلال الشهور الأخيرة.

وكشفت المصادر المفتوحة للتتبع، أن مطار “بحر دار” الذي يعمل كمطار مدني وعسكري، كان من بين الأماكن المستخدمة، حيث يمكن للطائرة التركية TB-2 تنفيذ العملية والعودة مجددًا إلى القاعدة.

ورصدت عمليات المتابعة طائرة بدون طيار تتطابق مواصفات الطائرة التركية “إم بي تو” على مدرج “بحر دار” في اليوم السابق لقصف المدرسة ويوم 26 يناير كانون الثاني الماضي.

وقال زفيغنينبيرج للصحيفة إن الطائرات المسيرة أحدثت فارقًا كبيرًا في الحرب لصالح الحكومة ومكنتها من صد تقدم قوات التيغراي، ورجّح أن يستمر هذا التفوق لفترة.

وكشفت بقايا ذخائر مستخدمة في ضربات حديثة بمنطقة تيغراي وأماكن أخرى استمرار استخدام الحكومة للطائرات التركية على نطاق واسع.

صورة للذخائر المستخدمة في القصف (واشنطن بوست)

تزايد القلق بشأن الوفيات بين المدنيين

وتفاقم الخلاف بين أديس أبابا والحكومات الغربية وذلك بسبب الفظائع التي ارتكبتها قوات الحكومة والميليشيات المتحالفة معها ضد المدنيين، فضلاً عن شرائها طائرات مسيرة من تركيا وإيران والصين.

وكشفت تقارير حديثة أن المسؤولين الأميركيين قلقون بشأن الدور الذي تلعبه الطائرات التركية المسيرة في المعارك.

وفي سبتمبر أيلول 2021، فرضت واشنطن عقوبات على أحد المتورطين في الأزمة الإنسانية الإثيوبية لكنها لم تعاقب أفرادًا أو شركات تركية.

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، لـ”واشنطن بوست” إن لدى الولايات المتحدة مخاوف إنسانية كبيرة بشأن عواقب المبيعات العسكرية التركية لأديس أبابا.

ورفعت الولايات المتحدة تقارير بشأن استخدام مسيّرات تركية وإماراتية في أثيوبيا، وأوضحت لكافة الأطراف أن الوقت قد حان لبدء المفاوضات ووقف الحرب.

قال عمال إغاثة إن الضحايا من ضربات الطائرات بدون طيار لا يشكلون سوى شريحة صغيرة من القتلى المدنيين المرتبطين بالحرب.

الحصار الذي استمر في الغالب منذ هجوم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الصيف الماضي يعني أن القليل جدًا من المساعدات الإنسانية – الغذاء أو الأدوية أو الوقود – تدخل تيغراي.

النازحون يصطفون للحصول على حصص من المساعدات (واشنطن بوست)

اتهمت كل من الحكومة الإثيوبية وحلفائها وجبهة التحرير الشعبية لتحرير تيغري بعضها البعض بنهب وتدمير مخازن المواد الغذائية والمستشفيات مع تغير خطوط القتال على مدار الصراع.

أجرت منظمة الصحة العالمية دراسة استقصائية وجدت أن 3 في المئة فقط من العيادات في تيغراي لا تزال تعمل.

وقالت إلهام عبد الحي ، مسؤولة الطوارئ في منظمة الصحة العالمية وذات الخبرة في تيغراي، إنها موجة موت حقيقية.

وأضاف أن عددًا أكبر بكثير في تيغراي ماتوا بسبب مضاعفات الولادة، أو النوبات القلبية، أو السكري، أو آثار سوء التغذية، أو نقص الأدوية، أو انعدام الوقود لتحريك الناس نحو الرعاية.

وقال عبد الحي “نعم، كانت غارة الطائرات بدون طيار مروعة، ولكن حتى قبل ذلك، هناك واقع يومي من الفقر المدقع ونقص الرعاية الصحية الأساسية.

وخلص إلى أن الإمدادات التي قد تتمكن المنظمات من إحضارها الآن إلى تيغراي هي مجرد قطرة في محيط.

هذا المقال مترجم عن صحيفة واشنطن بوست الأميركية
شارك