“وول ستريت جورنال”: غزو أوكرانيا أنهى آمال تحوّل روسيا إلى بلد صديق

ترجمة | جو-برس

قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” إن الهجوم الروسي على أوكرانيا أنهى ثلاثين عامًا من الآمال الأوروبية في أن تتحول موسكو إلى بلد شريك.

وفي تقرير كتبه ماركوس والكر يوم الخميس، قالت الصحيفة إن هذه الأعوام الثلاثين من محاولات تعميق العلاقات الأوروبية الروسية كانت أول ضحايا المعركة.

حتى عندما تحول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جار أكثر عدوانية، كان الأوروبيون يحاولون تعميق العلاقات معه على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي.

لكن الهجوم الروسي الأخير على أوكرانيا يمثل نهاية لهذه المساعي الأوروبية، وفتح الباب أمام عقوبات غير مسبوقة على موسكو.

تواجه الديمقراطيات في أوروبا سؤالًا يمكنه تحديد الحقبة المقبلة من تاريخ القارة، كما يقول ماركوس والكر في تقريره.

هذه السؤال هو: كيف ستتعامل أوروبا مع روسيا التي أعلنت صراحة أنها تريد إعادة كتابة نهاية الحرب الباردة، وتدعم رغبتها هذه بالقوة.

من المرجح أن تجبر الحرب أوروبا والولايات المتحدة على التحول نحو سياسات جديدة لاحتواء روسيا.

وقد تتضمن هذه السياسات: تسريع الجهود لتعزيز القدرات العسكرية للدول الأوروبية، وتعزيز الدفاعات في شرق أوروبا، وتنويع مصادر الطاقة في المنطقة بعيدًا عن النفط والغاز الروسيين.

يقول والكر إن إحدى النتائج الواضحة للتحرك الروسي ضد أوكرانيا، أن كل محاولات البناء التي بذلتها أوروبا مع موسكو طوال السنوات الماضية، طالها الخراب.

كانت الزيارات التي قام بها قادة فرنسا وألمانيا في وقت سابق من هذا الشهر إلى الكرملين هي آخر المحاولات اليائسة لجعل بوتين يختار المصالحة.

وكلما طال أمد الحرب وأكثر دموية، سيكون من الصعب على السياسيين ومجموعات الأعمال الموالية لروسيا إعادة تأكيد نفوذهم.

نقطة تحول

قال جوناثان إيال، المدير المساعد لمعهد Royal United Services Institute في لندن، إن ما جرى يمثل “نقطة تحول”، وإن أوكرانيا “ستكون جرحًا مفتوحًا”.

سيكون من الصعب للغاية هذه المرة على السياسيين الفرنسيين والألمان أن يقولوا: “دعونا نترك الأمر وراءنا”، كما يقول إيال.

على مدى ثلاثة عقود، سعت دول أوروبا الغربية جاهدة للتوصل إلى تسوية، وحتى لبناء صداقات، مع موسكو. وقد عكس هذا النهج الفرص الاقتصادية والاعتقاد بأن روسيا ببساطة مهمة للغاية بحيث لا يمكن تهميشها.

في الوقت نفسه، تعهدت الحكومات الأوروبية بالحفاظ على نظام قاري قائم على منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وحرية الدول الديمقراطية في الانضمام إلى كليهما.

لأكثر من 15 عامًا، ظل بوتين يقول إن الغرب لا يستطيع أن يتصرف في كلا الاتجاهين.

وبعد التحسر على خسارة إمبراطورية موسكو السوفيتية السابقة وإدانة زحف المؤسسات الغربية باتجاه الشرق، غزا أجزاء من جورجيا عام 2008 ومن أوكرانيا عام 2014.

وفي المرتين، جاء الغزو بعد مبادرات كلا البلدين إلى اللحاق بحلف شمال الأطلسي، فضلًا عن محاولة كييف إبرام اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي.

لطالما جسدت ألمانيا، صاحبة الوزن الاقتصادي الثقيل في القارة، نهج أوروبا المتناقض تجاه روسيا.

وقادت المستشارة السابقة أنغيلا ميركل فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على موسكو بسبب توغلاتها في أوكرانيا عام 2014 . لكنها أشرفت أيضًا على بناء خطوط أنابيب الغاز نورد ستريم بين روسيا وألمانيا.

كانت تحركات ميركل تتزامن مع تحذيرات من الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية من أن خطوط الأنابيب، من خلال تجاوز شرق أوروبا، ستقوي سيطرة روسيا هناك، بما في ذلك أوكرانيا.

يوم الثلاثاء، قام المستشار الألماني الجديد أولاف شولتز بتجميد خطوط الأنابيب الإضافية المعروفة باسم نورد ستريم-2، قائلاً: “إن الوضع اليوم مختلف تمامًا”.

من خلال ربط الغاز الروسي وتهديده بالأمن الأوروبي، كسر شولتز إرث ميركل الغامض، واستجاب أخيرًا لمطالب الحلفاء.

وقال فرانسوا هايسبورغ، المستشار الخاص لمؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، إن “نورد ستريم-2” قد مات.

محطة استقبال لخط أنابيب نورد ستريم 2، ألمانيا

في أوروبا الغربية، استغرق حلم الشراكة مع موسكو وقتًا طويلاً ليتلاشى. وكانت الثقة دائمًا أقل أن أوروبا الوسطى والشرقية لن تعودا إلى التبعية السوفياتية السابقة.

اعتبرت الدول الديمقراطية حديثًا عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي ضمانة للاستقلال الوطني ضد عودة النفوذ الروسي المحتملة.

في فترة شهر العسل التي أعقبت الحرب الباردة، اعتبر الأعضاء البارزون في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الرئيس الروسي بوريس يلتسين صديقهم الجديد وشريكهم في إدارة نظام عالمي جديد.

تلاشت النشوة عندما سعت موسكو لممارسة نفوذها في حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، ولم يفعل الغرب سوى أنه تجاهل هذه المحاولات..

في عهد بوتين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أعربت روسيا عن إحباطها المتزايد من النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ومن توسع الناتو ليشمل مناطق كانت تتبع الاتحاد السوفياتي.

قال إيال، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن توسع الناتو يعكس إدراكًا مبكرًا بأن أوروبا الشرقية يمكن أن تصبح غير مستقرة بشكل خطير.

وأضاف: “كانت هذه لعنة أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.. البلدان في وسط وشرق أوروبا أصغر من أن تعتني بأمنها، مما يتركها خيارًا بين هيكل أمني لعموم أوروبا أو الابتلاع في دائرة نفوذ. هذه بالضبط مأساة أوكرانيا اليوم”.

جاء الغزو الروسي لجورجيا عام 2008 في أعقاب تصاعد القتال بين حكومة جورجيا الموالية للغرب والمتمردين المدعومين من روسيا، مما ينذر بما سيحدث في أوكرانيا.

لم تفعل الحرب القصيرة الكثير لتغيير المواقف تجاه موسكو في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ودول أوروبا الغربية الأخرى، حيث أصر السياسيون البارزون على أن الحوار، وليس المواجهة، هو السبيل للتعامل مع بوتين.

قوبل إعلان الولايات المتحدة بإعادة النظر في العلاقات مع روسيا بحماس في عواصم الاتحاد الأوروبي الكبرى.

وقالت ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما: “في بعض البلدان، كان هناك سوء قراءة جوهري لروسيا استمر لفترة طويلة جدًا”.

وأضافت “لقد كان أكثر من مجرد علاقة اقتصادية وطاقة. إن فكرة أن روسيا بلد عظيم، وأن أوروبا لا يمكنها أن تتمتع بالأمن إلا مع روسيا وليس ضدها، وأن روسيا تعرضت للظلم تاريخيًا بعد نهاية الحرب الباردة (وهي الرواية الروسية) كان لها صدى كبير في أجزاء من المؤسسة الأوروبية”.

دفعت الهجمات الروسية على أوكرانيا في عام 2014، عندما ضمت شبه جزيرة القرم وأثارت حربًا انفصالية في منطقة دونباس الشرقية، أوروبا إلى إعادة التفكير جزئيًا.

وظلت عقوبات الاتحاد الأوروبي المحدودة سارية منذ ذلك الحين.

قال السيد هايسبورغ “لم تعد العلاقات مع روسيا كما كانت من قبل. كان هناك قرار بزيادة الإنفاق العسكري بشكل كبير في دول الناتو، ولم يكن هذا سير على الطريق الصحيح”.

وأضاف “تم تحديد الجزاءات وتنفيذها بشكل متبادل. هل كان كافيا؟ بالتأكيد لا، بالنظر إلى ما نراه اليوم”.

مع مرور الوقت، بدأ السياسيون الأوروبيون في المطالبة مرة أخرى بإذابة الجليد. وكان من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال في عام 2020 إن العقوبات لم تكن مجدية وأشار إلى أن روسيا يمكن أن تكون شريكًا في التعامل مع الصين.

في أواخر الصيف الماضي، ضغط ماكرون وميركل من أجل تجديد الحوار، واقترحا عقد قمة أوروبية مع بوتين. لكنهما لم يحسنا قراءة المزاج السائد في دول الاتحاد الأوروبي الشرقية.

لقد ألقت هذه الدول باللوم على موسكو في استمرار الحرب منخفضة المستوى في دونباس، وفي الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل في دول الاتحاد الأوروبي، وغيرها من الإجراءات العدوانية.

في ديسمبر كانون الأول، أرسلت موسكو إلى الغرب مسودات المعاهدات التي طالبت فعليًا بتراجع الناتو في أوروبا الشرقية واستعادة مجال النفوذ الروسي.

منذ ذلك الحين، أصبحت الأصوات المؤيدة لروسيا في أوروبا أكثر خفوتًا من أي وقت مضى منذ الحرب الباردة.

وقالت توتشي: “الآن، يتحدث الجميع في الاتحاد الأوروبي بوضوح عن روسيا باعتبارها تهديدًا. لقد نجح بوتين في توحيدنا”.

شارك