بلومبرغ: التحالف الروسي الصيني قد يعيد تشكيل العالم

ترجمة | جو-برس

قالت شبكة بلومبرغ إن صانعي السياسات الأميركيين بدأوا يفهمون حقيقة البيئة الدولية الجديدة الأكثر قسوة بطريقة واقعية، وأدركوا أن التحالف الروسي الصيني يمكنه إعادة تشكيل السياسة العالمية.

وفي تقرير كتبه بيتر مارتن وجينيفر جاكوس، قالت الشبكة إن الأميركيين أصبحوا يدركون مدى قوة التحالف الروسي الصيني الذي لطالما تجاهلته واشنطن أو اعتبرته مجرد “زواج مصلحة”.

ولفتت الفترة التي سبقت الغزو الروسي لأوكرانيا انتباه المسؤولين في واشنطن على المشكلة؛ حيث زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الصيني شي جين بينغ لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية.

وأصدر الرئيسان بيانًا مشتركًا في أكثر من 5 آلاف كلمة أهلنا خلاله شراكة مطلقة بين البلدين. وهو بيان دعا الدول لإنشاء مناطق نفوذ في أقاليمها، بحسب مسؤول أميركي كبير.

وقال المتحدث باسم البنتاغون الأميركي جون كيربي إن البيان يشير إلى “دعم الصين الضمني” للتهديدات الروسية لأوكرانيا.

بناء على ذلك، قرر الأميركيون مشاركة المعلومات بشأن تزايد القوات الروسية على حدود أوكرانيا مع الصين؛ على أمل أن تحث بكين موسكو على توخي الحذر.

بكين تلاعبت بالأميركيين

ومن خلال سلسلة اجتماع جرت داخل السفارة الصينية في واشنطن ومكالمات هاتفية مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، استعرض المسؤولون خطط روسيا بالتفصيل وحذروا من تداعيات ذلك على الأمن العالمي.

وقال مسؤولون أميركيون إن الصين أعربت خلال هذه الاجتماعات عن شكوكها في أن يغزو بوتين أوكرانيا.

الأسوأ من ذلك، أن الصينيين تبادلوا رسائل دبلوماسية سرية مع روسيا، حذروا خلالها بوتين من أن بكين تعتقد أن الولايات المتحدة تحاول زرع الانقسام بين البلدين.

وقال ليو بينغيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن: “من خلال الكشف عن معلومات كاذبة، تعتزم الولايات المتحدة تحويل اللوم وتشويه سمعة الصين”.

وأضاف “الصين تدعم وتشجع جميع الجهود الدبلوماسية التي تفضي إلى تسوية سلمية للأزمة الأوكرانية”.

وقال مسؤول أميركي إن الرئيس جو بايدن غاضب من موقف الصين. فيما قال أحد كبار المسؤولين إنه كان من الواضح أن الإدارات الأميركية المتعاقبة استهانت بعمق العلاقات بين بوتين وشي.

وأضاف المسؤول أن بوتين ونظيره الصيني يشتركان في إحساس قوي بالضيق تجاه مكانة أميركا في العالم. وقال مسؤول دفاعي كبير إن الأحداث مثّلت لحظة كشف لطبيعة النظام الصيني.

المحصلة هي أن مسؤولي الحكومة الأميركية سيحتاجون إلى البدء في التفكير في ردود روسية صينية مشتركة على مجموعة كاملة من التحديات العالمية.

وقال ديفيد شولمان، نائب ضابط المخابرات الوطنية السابق لشرق آسيا في مجلس الاستخبارات الوطني، إن شراكة روسيا والصين ستؤثر على قدرة أميركا على معالجة قضايا مثل: أمن شرق آسيا وأوروبا، المرونة الديمقراطية، الدفاع عن النظام المالي العالمي.

وأضاف “ستواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في جميع هذه المجالات في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، مع زيادة صعوبة كل منها بسبب العلاقات الصينية الروسية التي ستتعمق فقط في الأشهر المقبلة مع زيادة عزلة روسيا دوليًا”.

تأتي الأحداث الأخيرة تتويجًا لعملية طويلة من التقارب الروسي الصيني. فبعد علاقة متوترة وأحيانًا عنيفة خلال معظم فترات الحرب الباردة، بدأت روسيا والصين في الاقتراب أكثر خلال التسعينيات من القرن الماضي.

ووقع البلدان معاهدة “حسن الجوار والتعاون الودي” في عام 2001.

بدأت الحرب العالمية والدعوة إلى “دمقرطة” السياسة العالمية: رمز لعالم أقل تركيزًا على القيادة والتحالفات الأميركية.

تسارعت جهود الدول من أجل الشراكة حيث واجه بوتين العزلة بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 وتغلب تدريجيًا على الهواجس بشأن بيع أسلحة متطورة إلى الصين.

تعاطفت بكين مع موسكو، بعد أن تعرضت أيضًا لضغوط اقتصادية أمريكية. في أكتوبر تشرين الثاني 2019، أعلن بوتين أن موسكو ستساعد الصين على تطوير نظام إنذار مبكر لمواجهة الهجمات الصاروخية.

وفي فبراير شباط 2021، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ علنًا إلى علاقة صينية روسية بدون مجالات تعاون محدودة. في أكتوبر تشرين الثاني من العام نفسه، أجرى البلدان تدريبات بحرية مشتركة مكثفة في بحر اليابان.

لا تزال هناك توترات في الشراكة بين البلدين. وقال مسؤولان كبيران في الإدارة الأميركية إن المسؤولين الأميركيين مقتنعون بأن العديد من المسؤولين الصينيين، دون شي، لديهم مخاوف عميقة بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا.

في العلن، بدأت الصين تحث روسيا على توخي الحذر. في اتصال هاتفي في 1 مارس آذار مع وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، قال وانغ إنه ” قلق للغاية ” بشأن إلحاق الأذى بالمدنيين.

قد يعكس تردد الصين أن البلاد لديها الكثير لتخسره في الأزمة. لقد أمضت عقودًا في محاولة إقناع النخب الأوروبية بأن ليس لديهم ما يخشونه من صعود الصين، وهو الادعاء الذي يهدد الدعم الضمني للأعمال الروسية بتقويضه.

علاوة على ذلك، قدمت الصين تقليديًا الكثير من دعمها لسيادة الدول، وكان هذا الأمر يهدف جزئيًا للحد من النقد الصريح لسياساتها في الداخل.

في هذه النقطة أيضًا، يهدد غزو بوتين لدولة ذات سيادة بتقويض مبادئ الصين المعلنة . بالإضافة إلى كل هذا، فإن أولويات شي هذا العام تتركز بشكل أساسي في الداخل.

فالرئيس الصيني يسعى لتأمين فترة ثالثة كرئيس للحزب الشيوعي الصيني، وهو لا يحتاج أزمات في الخارج تشتت انتباهه.

على الجانب الروسي، هناك احتمال أن يشعر بوتين في النهاية بعدم الارتياح تجاه علاقة يكون من الواضح أنه الشريك الأصغر فيها.

استحوذت الصين على 17.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2020، في حين شكلت روسيا 1.7٪ فقط، وفقًا لبيانات البنك الدولي.

مثل هذا الخلل في التوازن يمكن أن يدفع الصين إلى الاستعانة بمصالح تجعل روسيا غير مرتاحة في قضايا حساسة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولدى روسيا توقعات كبيرة بشأن الشراكة أيضًا: ستحتاج إلى المساعدة في الالتفاف على العقوبات في المناطق التي كانت بكين مترددة فيها في تقديم المساعدة.

تقول بوني غلاسر، مديرة برنامج آسيا في المعهد الألماني، إن روسيا ستعتمد بشكل متزايد على الصين للمضي قدمًا”.

سيوفر هذا الاعتماد، بحسب غلاسر، نفوذًا لبكين، قد تسعى إلى استخدامه لتأمين الدعم الروسي لطموحاتها الإقليمية والعالمية.

لا يُلزم أي من الطرفين رسميًا بفعل أي شيء من أجل الآخر، لأنهما لم يصلا إلى حد التوقيع على معاهدة رسمية للدفاع المشترك.

وترى بلومبرغ أن التحالف الروسي الصيني سيتوقف على تقييمات شي لكيفية سير الحرب في أوكرانيا.

تقول غلاسر: “من المحتمل أن يستنتج أن التحالف مع روسيا ينطوي على تكاليف غير متوقعة، وستكون هذه نتيجة مرحب بها”.

وتضيف “ولكن إذا كان شي جين بينغ يعتقد أن تعزيز العلاقات مع روسيا هو الخيار الصحيح، وضاعف من هذا القرار، فستواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها تحديات أكبر في المستقبل”.

شارك