كأن شيئًا لم يكن.. أردوغان في السعودية لتدشين حقبة جديدة

أنقرة | جو-برس

بعد ثلاث سنوات فقط من تهديده بمحاسبة كافة السعوديين المتورطين في مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة واحتضن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، المتهم بالتحريض على العملية، كأن شيئًا لم يكن.

كان مشهد مصافحة أردوغان وبن سلمان أشبه بكلمة النهاية لمسلسل مقتل خاشقجي الذي استمر منذ أواخر 2018 وحتى الشهر الماضي، عندما تراجعت أنقرة عن كل تهديداتها، وأرسلت ملف القضية إلى الرياض، إيذانًا بإغلاقه.

يبدو ولي العهد السعودي في موقف أقوى من أي وقت مضى في اللحظة الراخنة، حيث العالم كله بحاجة ماسّة إلى رفع إنتاج المملكة من النفط، لتعزيز الضغوط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ودعم خطط الغرب للخروج من تحت رحمة إمدادات الطاقة الروسية التي تمثل أقوى أسلحة موسكو حتى الآن.

بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين في مقر قنصلية المملكة باسطنبول في أكتوبر تشرين الأول 2018، ذهب الرئيس التركي بعيدًا في تهديداته، ورغم أنه لم يذكر ولي العهد السعودي بالاسم إلا أنه كان يعنيه في كل تهديد يطلقه، خصوصًأ في المرات التي توعد فيها بمحاسبة القتلة و”أميرهم”.

لكن مياهًا كثيرة جرت تحت الجسر خلال السنوات الماضية، وبدأ ولي عهد الرياض الذي عُزل حرفيًا لسنوات يستعيد بريقه مع حاجة العالم لموارد بلاده النفطية والمالية.

في المقابل، فقد الرئيس التركي الكثير من بريقه تحت وطأة زيادة التضخم في بلاده إلى مستويات تاريخية ومع صحبه من تراجع عن وعوده التي لم تكن يومًا قابلة للتحقق.

كان أردوغان وما زال قادرًا على مخاطبة جماهير يعرف أنها مفتونة به وبمسلسلاته التي ينفق عليها ملايين الدولارات لتعزيز صورة البطل العثماني الفاتح، لكن التاريخ يخبرنا بأن الواقع أقوى دائمًا من المسلسلات مهما بلغت من إتقان.

حاليًا، يعيش أردوغان، المتمسك بالحكم حتى آخر نفس، على وقع وضع سياسي متأزم بسبب الوضع الاقتصادي الأكثر تأزمًا، وفيما الغرب يواصل ما يشبه حربه الباردة على الاقتصاد التركي، فإن الرياض وأبوظبي يمكنهما منحه قبلة حياة هو أحوج ما يكون إليها.

المملكة أيضًا بحاجة ماسّة إلى دعم تركيا العسكري لموجهة هجمات المتمردين الحوثيين اليمنيين الذين أحرجوها على مدار 8 سنوات، ناهيك عن حاجة ولي العهد لاعتراف العالم به مجددًا، لكن السعوديين وعلى الرغم من ذلك تمنعوا حتى جاءهم أردوغان، كما أرادوا.

لقد حرص الرئيس التركي على تأكيد أنه ذهب للمملكة تلبية لدعوة الملك سلمان بن عبد العزيز، لكن قناة “الإخبارية” السعودية الرسمية قالت إنه “وصل تلبية لرغبته في زيارة السعودية”.

بل إن القناة السعودية كانت حريصة على أن استقبال الملك سلمان للرئيس جاءت في سياق استقباله لبعض قادة العالم الإسلامي خلال العشر الأواخر من رمضان في كل عام.

إلى جانب ذلك، فإن الاستقبال الفاتر والمتواضع الذي حظي به أردوغان، والتجاهل الإعلامي الكبير للزيارة، كلها أمو تؤكد أنه بحاجة لمحمد بن سلمان أكثر من حاجة الأخير له، فقد كان في استقباله أمير منطقة مكة المكرمة، وهو موظف عادي في الدولة.

أجرينا زيارة إلى المملكة العربية السعودية تلبية لدعوة خادم الحرمين الشريفين.

نفس المسؤول السعودي هو الذي استقبل أردوغان عندما ذهب إلى السعودية في يوليو تموز 2017 لحل أزمة الرباعي مع قطر، وهي الزيارة التي لم تتكلل بالنجاح.

في الوقت الراهن، لم يعد التمسك بالعدالة لخاشقجي أولوية لدى الرئيس التركي، حيث يواجه الرجل أزمة اقتصادية موجعة وضعته في موقف حرج أمام المعارضة التي تتزايد شعبيتها يومًا بعد يوم. حتى إنه بدأ يتخلّى عن اللاجئين السوريين الذين استخدمهم سياسيًا لسنوات.

حتى المعارضة المصرية المقيمة في تركيا أصبحت في مهب التوقعات، حيث تحاول أنقرة تصحيح العلاقات مع مصر بأي ثمن، وعلى حساب أي أحد، وبعيدًا عن أي مواقف أو شعارات أطلقها أردوغان خلال السنوات الماضية.

كان أردوغان يريد زيارة المملكة في فبراير شباط 2022 ثم تأجلت الزيارة إلى مارس آذار وبعدها إلى أبريل نيسان، ولم تجر الزيارة إلا بعد تخلي أنقرة تمامًا عن قضية خاشقجي.

لقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين أدنى مستوياته منذ عشر سنوات؛ حيث بلغت قيمة الصادرات التركية إلى الرياض 490 مليون دولار.

وتحتل المملكة المرتبة الـ15 بين قائمة الدول التي تستورد البضائع التركية وقد فرضت حظرًا غير معلن على هذه الواردات خلال الأعوام التي تلت أزمة خاشقجي.

ليس فتح الباب أمام واردات بلاده هو فقط ما يريده أردوغان، لكنه يريد أيضًا ضخ أموال سعودية في اقتصاد بلاده المتأزم، على غرار ما حدث مع الإمارات العربية التي ضخت 10 مليارات دولار مقابل تنازلات تركية في ليبيا وسوريا ومساعدات عسكرية قدمتها لرئيس الورزاء الإثيوبي آبي أحمد، نكاية في مصر.

مبيعات السلاح أيضًا واحدة من أهم أهداف زيارة أردوغان للمملكة؛ فبينما يرفض الأميركيون تزويد الرياض بأسلحة هجومية متطورة، يمكن لطائرات بيرقدار التركية تحقيق نتائج مهمة تحتاجها السعودية في اليمن.

في الأخير، يمكن القول إن الرئيس التركي تخلّى كليًا عن شعاراته وحديثه الدائم عن العدالة والحق والثأر، أملًا في الحصول على بضعة مليارات قد تساعده على تجاوز أزمة اقتصادية تهدد بقاءه لمزيد من الوقت في السلطة.

لقد تحدث الرئيس التركي بعد لقائه الملك سلمان وولي عهده عن عهد جديد في العلاقات بين البلدين، متجاهلًا أي حديث عن قضية خاشفجي.

الأمير السعودي عبد الرحمن بن مساعد، وهو أحد مقاتلي محمد بن سلمان على تويتر، قال إن زيارة أردوغان تعكس اعترافه بأنه لا يمكن لتركيا إلا أن تكون على علاقة مميزة بقبلة المسلمين والقوة الاقتصادية الأكبر بالمنطقة.

حرص الرئيس التركي على زيارة السعودية ولقاء الملك وولي عهده حفظهما الله لتوطيد علاقات البلدين يأتي إيمانًا منه بحجم السعودية وتأثيرها في العالم وأنه لا يمكن لبلد كبير كتركيا أن لا يكون على علاقة متميزة بقبلة المسلمين وبلد الحرمين الشريفين والقوة الإقتصادية الكبرى فأهلًا بفخامته pic.twitter.com/wyMRgZh08F

عندما طالب الادعاء التركي إحالة ملف قضية خاشقجي إلى القضاء السعودي نهاية مارس آذار، قالت خديجة جنكيز خطيبة الصحفي المقتول “إنه وضع نموذجي من حيث إظهار المعضلة التي تواجه الإنسانية في العصر الحديث”.

وأضافت عبر تويتر “أي من الاثنين سوف نختار؟ الرغبة في العيش كإنسان فاضل أو بناء حياة من خلال جعل المصالح المادية فوق كل أنواع القيم”.

وتزامنًا مع زيارة أردوغان للسعودية، نشرت جنكيز صورتها إلى جانب نصب تذكاري لخطيبها الراحل أمام مبنى الكونغرس الأميركي.

شارك