التاريخ مليء بالدروس.. هل يحرّك الغلاء من لم تحركهم الحرية؟

القاهرة | جو-برس

لطالما كان التضخم مقرونًا بعدم الاستقرار السياسي على مدار التاريخ وفي مختلف البلدان، غير أن تحديد أي منهما قد يكون سببًا في الآخر، ما يزال أمرًا محل جدل وتساؤلات.

ففي كثير من الدول، وفي العديد من مراحل التاريخ، كان الغلاء وعجز الناس عن توفير احتياجاتهم الأساسية دربًا واسعًا من دروب الخطر على النظام السياسي الحاكم، بغض النظر عن نوعه أو طبيعته، حتى لو لم ينته الأمر بتغييرات كبرى.

في الوقت الراهن، يعيش العالم حالة غير مسبوقة من التضخم والاضطراب السياسية في مختلف دول العالم بما في ذلك، داخل الولايات المتحدة الأميركية التي تقدم نفسها على أنها منارة الديمقراطية والاستقرار السياسي والاقتصادي على وجه الأرض.

يقول الخبراء إن التضخم يمثل ظاهرة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكن صانعي السياسات حول العالم، أو في الدول التي تملك شعوبها حق الانتخاب الحر، يخشون من أن تنعكس نسب التضخم على صناديق الاقتراع في نهاية المطاف.

من هذه الزاوية، يمكن ملاحظة أن زيادة نسب التضخم في الأنظمة الديمقراطية قد يطيح بالحكومة أو بالرئيس من منصبه، بينما في الدول المستبدة، فإن الحكومات غالبًا ما تلجأ إلى سياسة “جوّع كلبك يتبعك”، مستبعدة فرضية “جوّع كلبك يأكلك”.

حاليًا، يعمل صانعو السياسات على قياس آثار التضخم في سوق الإسكان تحسبًا لزيادة كلفة الاقتراض الحكومي، ويبدو أنهم لمسوا تغير سلوك المواطنين خصوصًا من تزايد معاناتهم في محال البقالة والتي يعززه الصعود المتواصل للأسعار، والذي قد ينعكس على صناديق الاقتراع مستقبلًا.

يقول خبراء إن ظاهرة التضخم تمتد لما هو أبعد من الاقتصاد ونتائج الانتخابات وصولًا إلى الاستقرار السياسي للبلاد بصفة عامة، ولنظام الحكم القائم على وجه الخصوص.

هناك العديد من الشواهد على هذه الفرضية وهي شواهد تعج بها صفحات التاريخ القديم والحديث، وتشير بقوة إلى ارتباط معدلات التضخم بالاستقرار السياسي حتى في أعتى الممالك.

ترتبط ظاهرة التضخم كما يخبرنا التاريخ في أكثر من موضع بإعادة صياغة التحالفات السياسية الكبرى وبوقوع انقلابات عسكرية وربما بثورات دموية، وهو أمر يدعو إلى التدبر في عواقبه، خصوصًا في ظل ما يعيشه العالم عمومًا من شعور متعاظم بسيادة الظلم وتراجع العدالة بشكل مخيف.

على الرغم من ذلك، فإن تراجع معدلات التضخم وانخفاض الأسعار لا يمكن اعتباره سببًا كافيًا للاستقرار السياسي، ومن ثم فإن الوقوف على العلاقة بين التضخم والاستقرار السياسي يبدو تمامًا كالعلاقة بين البيضة والدجاجة: أيهما يسبق الآخر. وهو سؤال قد يكون من المستحيل تقديم إجابة قاطعة له.

أيهما يتسبب في الآخر: التضخم أم عدم الاستقرار؟

المؤرخ الاقتصادي الأميركي بيتر تيمين، قدّم اقتصاد روما القديمة مثالًا لهذا التشابك بين التضخم والاستقرار، وقد عرّج فيه على “الضغوط التضخمية” التي انتهت باستنزاف الإمبراطورية الرومانية الأخيرة، وتساءل عما إذا كان التضخم هو سبب عدم الاستقرار الذي أودى بروما في نهاية المطاف أم إن العكس هو الذي حدث؟

للإجابة على هذا السؤال المعقد، اعتمد تيمين على مشرات متباينة لتحديد لقياس عدم الاستقرار السياسي

اعتمد تيمين للإجابة عن هذا السؤال مؤشرات متباينة لقياس عدم الاستقرار السياسي، مثل معدل تداول السلطة، سعياً لتحديد علاقة سببية بين الظاهرتين. لكن تبين له عدم إمكانية إثبات ذلك لكثرة التصورات المعقولة بنفس القدر التي يمكن استنباطها تفسيراً لسقوط روما.

التضخم مقدمة للسخط الشعبي

في دراسته، يقول الباحث الأميركي إن الفوضى السياسية قد تدفع القادة لمكافأة الجنود وهو أمر يحفّز على إصدار الأموال، فيؤدي إلى التضخم في نهاية المطاف.

بالمقابل، قد يستدعي التضخم سخطًا شعبيًا مفهومة أسبابه، وهي أسباب قد تدفع الجنود نحو التمرد على القادة، لكن من الصعب أيضًا تحديد أي الأمرين يسبق الآخر.

في الأخير، خلص تيمين إلى أن متغيرًا خارجيًا قد يكون سببًا في إطلاق آلية تربط التضخم بعد الاستقرار بشكل متبادل، وهو ما أسقط روما القديمة من وجهة نظره.

ذلك المتغير الخارجي برأي تيمين، كان مرض الطاعون الأنطوني الذي عصف بالإمبراطورية الرومانية بين عامَي 165 و180. وقد طرح تيمين هذه النظرية قبل ظهور وباء كورونا المستجد، لكنها مقارنة تبدو مقلقة في النهاية.

وفي حين تمتلك الدول الحديثة العديد من الآليات ومراكز دراسة وصنع القرارات الاقتصادية وفي مقدمتها البنوك المركزية، والتي لم تكن موجودة في روما قبل نحو ألفي عام، إلا أن دراسات أخرى تناولت هذه الآليات الحديثة ودورها في العلاقة بين التضخم وعدم الاستقرار السياسي.

في الفترة بين 1960 و1999، كشفت دراسة شملت 160 دولة، أن الاضطراب السياسي الناجم عن معدلات تدوال المناصب الحكومية والوزارية لعب دورًا في تقلبات التضخم وخصوصًا في الدول التي تمتلك بنوكًا مركزية مستقلة إلى حد كبير عن السلطة السياسية واسعة النفوذ.

في المقابل، كانت أداء الدول ذات المؤسسات القوية المستقلة بشكل شبه كامل عن النظام السياسي أفضل نسبيًا حتى في حال حدوث تغييرات سياسية كبيرة.

كانت إيطاليا مثالًا على هذا الحالة الثانية، حيث تتغير حكوماتها على نحو مثير للقلق بينما يتمكن صانعو السياسات فيها من السيطرة على معدلات التضخم في حدود معقولة.

من السهل أيضًا إيجاد أدلة على وجود علاقة سببية عكسية بين التضخم والاضطراب السياسي، فقد تناولت إحدى الدراسات هذه الفرضية؛ حيث رصد اثنان من علماء السياسة طرق استجابة الناخبين للتضخم في 19 دولة صناعية بين عامي 1970 و1994. وقد ميّزت الدراسة بين معدلات التضخم العامة و”التضخم غير المتوقع”، وهي الارتفاعات التي فاقت توقعات الاقتصاديين أنفسهم وليس المواطنين فقط.

في تلك الدراسة، وجد الباحثان أن الساسة والأحزاب السياسة دفعوا أثمانًا باهظة بسبب صدمة الناخبين من معدلات التضخم، وقد صمدت هذه النتائج أمام العديد من الدراسات المختلفة التي تناولت العلاقة بين التضخم والتصويت الانتخابي.

في الوقت الراهن، تحمل كافة التقييمات أخبارًا ليست سارة لأي حزب سياسي يتولى السلطة في بلده أو يحتل مناصب حكومية هامة، مثل الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، ومن ثم فإن على الحكومات الحالية أن تتنبّه جيدًا لهذا الأمر.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن التقاعد المبكر لبعض المسؤولين بسبب حالة التضخم الراهنة ليست مأساة، وإن كان البعض يراها على هذا النحو؛ ذلك أن الأمر نفسه يحدث مع من يتولون السلطة في سنوات الركود. في الغالب يجري احتواء الأزمة على نحو يضمن بقاء القادة وربما الحكومات ككيان إلى حد كبير على حساب بعض الأفراد، كما تقول الدراسات.

لكن هذه الخلاصات في الوقت لا تعني أن نجاة الأنظمة السياسية ككل أو الحكومات على الأقل من تداعيات التضخم أمرًا مضمونًا، ذلك أن صفحات التاريخ تعج بالأنظة التي أسقطها الغلاء جملة واحدة.

أمثلة تاريخية

لقد طرح المؤرخ وخبير التوزع السكاني السياسي

قدم خبير التوزع السكاني السياسي الأميركي جاك غولدستون مثالًا تاريخيًا مقنعًا في دراسة بشأن بدايات العالم الحديث، وهي الدراسة التي كانت بمثابة نقطة تحول في هذا المضمار.

لقد أشار غولدستون إلى أن تفاعلًا بين النمو السكاني وسوء الإدارة المالية والتضخم ساعد على تأجيج “انهيار الدولة” في بريطانيا تحت حكم أسرة ستيوارت، وكذلك في الدولة العثمانية، وفي الصين في عهد سلالة مينغ، ودول أخرى على مدار التاريخ.

وقد أكدت نوبات التضخم التاريخية الأحدث وخاصة المفرطة، منها هذه الفرضية، ويعتبر تضخم حقية “فايمار” الذي عصف بالدولة الألماينة بعد الحرب العالمية الأولى أفضل الأمثلة على هذه الآلية.

في مطلع العام 1973، أدرك الاقتصادي البريطاني ليونيل روبينز، أن هذه الصدمة ربما مهّدت الطريق لنهاية الديمقراطية في ألمانيا.

وفي كتاباته المتعددة، وصف روبنز بعبارات راسخة كيف كان التضخم الكبير سببًا في تدمير ثروة العناصر الأكثر صلابة داخل المجتمع الألماني، مخلَّفًا حالة من اختلال التوازن الأخلاقي والاقتصادي.

إلى جانب ذلك، ترك التضخم الكبير خلفه أرضًا خصبةً للكوارث التي أعقبته، بحسب روبنز، الذي اعتبر أن أدولف هتلر كان ربيب هذا التضخم.

ورغم انتقاد عدد من المؤرخين لهذه الفرضية، وقالوا إن “معاداة السامية” كانت واحدة من أسباب سطوع نجم هتلر، فقد أيد آخرون الفكرة الأشمل لفرصية روبنز؛ استنادًا إلى موجات اضطراب مماثلة ضربت بلدانًا مثل النمسا التي عانت هي الأخرى تضخمًا مفرطًا مطلع عشرينيات القرن الماضي.

في دراسة أخرى أكثر شمولًا، لكنها مرحلية، جرى بحث العلاقة بين التضخم وعدم الاستقرار السياسي بين 1492 و1900، فضلًا عن مقارنة أخرى كانت أكثر تركيزًا على فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

في هذه الدراسة، اعتمد المؤلفان جوزيف كوهين وأبريل لينتون، وهما أستاذان في علم الاجتماع، على مؤشرين لعدم الاستقرار، وأطلقوا على الأول اسم “المواقف الثورية” وسلّط الضوء على محاولات جماعات معينة الإطاحة بحكومات الدول، بغض النظر عن النتائج، فيما اعتمد المؤشر الثاني على مجموعة من الأحداث التي اعتبراها معيارًا للعصر الحديث.

يُعتقد على نحو واسع أن نظرية كوهين ولينتون، رددت غالبية ما استقرت عليه الأبحاث التي سبقتها في هذا المضمار، وخلاصتة أن زيادة معدلات التضخم غالبًا ما أنذرت بعدم الاستقرار السياسي في فترة ما قبل العصر الحديث، مع التأكيد على صعوبة تحديد التسلسل الدقيق للسبب والنتيجة بشكل قاطع.

خلاف ذلك، كانت تأثيرات التضخم متباينة إلى حد كبير خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بسبب قوة مؤسسات الدولة.

وليس غريبًا أن الديمقراطيات عالية الأداء، لا سيما تلك التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الرخاء، نجحت في مواجهة عواصف التضخم على نحو أفضل من البلدان الفقيرة أو التي تحكمها أنظمة مستبدة.

في الأخير، يمكن القول إن ما سبق يعطي إنذارًا شديدًا اليوم، بالنظر إلى تزايد مستويات التضخم في العديد من دول العالم، وقد زادت المؤشرات على تزامن التضخم مع غياب الاستقرار السياسي.

لقد خرجت مظاهرات للغلاء في البيرو مؤخرً، في حين تواجه الإدارة الأميركية أزمة ثقة بين الناخبين وتراجعًا في استطلاعات الرأي لنفس السبب. أما في الدول العربية، فالوضع يشبه الجلوس على فوَّهة بركان.

وقد أعرب صندوق النقد الدولي، وهو أحد عوامل هدم اقتصادات الدول على مدار التاريخ، مؤخرًا عن قلقه من أن تشهد المزيد من الدول اضطرابات بسبب تزايد تكاليف الغذاء.

ومن المتوقع أن تطال تداعيات زيادة التضخم الدول الأكثر تقدمًا، وفي حال حدوث ذلك، قد نكون قادرين على الجزم بوجود علاقة سببية لا تقبل الشك بين الغلاء والاضطرابات السياسية.

شارك