واشنطن تعيد ضبط العلاقة مع الرياض.. من المستفيد؟

القاهرة | جو-برس

قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يوم الجمعة 10 يونيو حزيران 2022 إن إدارة الرئيس جو بايدن قررت “ضبط العلاقات” مع المملكة العربية السعودية، وهو تحول سيكون له ما بعده.

وجاءت تصريحات بلينكن بعد أيام من تأكيد البيت الأبيض أن بايدن يتعامل مع السعودية كـ”شريك استراتيجي”، ووصف المتحدث باسم وزارة الدفاع (البنتاغون) جون كيربي، المملكة بأنها “مفتاح المنطقة والعالم“.

وتتعارض أحاديث المسؤولين الأميركيين عن المملكة تمامًا مع تلك التي كانوا يطلقونها خلال حملة بايدن الانتخابية عام 2020، عندما كانوا يصفون أكبر مصدّر للنفط في العالم بأنه “بلد منبوذ“.

لقد أضفى الرئيس بايدن حالة من الفتور المتعمد على العلاقات مع السعودية خلال عامه الأول، وكشف تورط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

لكن الرياض، وتحديدًا ولي العهد الذي يدير المملكة فعليًا، ردّ على المعاملة بالمثل، وطرق أبواب الصين وروسيا في عملية استعراض واضحة لإمكانيات بلاده.

في حوار مع مجلة “أتلانتيك” الأميركية، قال الأمير محمد (35 عامًا)، إنه لا يكترث لموقف الرئيس الأميركي منه، وإن على بايدن النظر إلى مصلحة بلاده.

وقال أيضًا إن المملكة صاحبة أكبر اقتصادات العالم نموًا وإنها محط أنظار دول أخرى مهمة في المشرق، في إشارة لخصوم الولايات المتحدة وخصوصًا الصين وروسيا.

تحظى المملكة بمكانة مهمة على المستوى الاقتصادي وتملك صندوقًا سياديًا يدير أصولًا تقترب من 500 مليار دولار، كما إنها تنتج أكثر من 10 ملايين برميل نفط يوميًا، في ظل خفض الإنتاج.

في الواقع، عانى ولي عهد السعودية أزمة شرعية منذ وصول بايدن للسلطة، رغم أن الإدارة الأميركية لم تفرض عليه عقوبات كما فعلت مع بقية المتورطين في مقتل خاشقجي.

وكان إصرار الرئيس الأميركي على عدم التواصل معه مباشرة بمثابة تشكيك في شرعيته بل وربما في احتمالات توليه السلطة خلفًا لوالده الملك سلمان بن عبد العزيز الذي ناهز التسعين.

لماذا إذن قررت واشنطن ضبط العلاقة مع الرياض؟

تغيرات مفاجئة

لقد قلب الغزو الذي شنته روسيا على أوكرانيا في 24 فبراير شباط الماضي، كل الموازين وخلط كافة الأرواق تقريبًا، وأصبحت المملكة تمسك برقبة العالم، الذي يعيش رهاب تراجع إمدادات الطاقة.

خلال الشهور الأولى للغزو الروسي، حرصت السعودية على اتخاذ موقف موسكو ضمنيًا من خلال الإبقاء على قرار خفض إنتاج الخام ضمن آلية “أوبك +”.

ورغم الضغوط الأميركية الكبيرة والتي تحولت لاحقًا إلى مناشدات، واصلت الرياض تمسكها بخفض الإنتاج بذريعة أن القرارات المتعلقة بالنفط تخضع لعوامل السوق وليس لعوامل السياسة، وهو أمر غير صحيح.

كان التحول في الموقف الأميركي من السعودية، أو من ولي العهد تحديدًا، لافتًا وجذريًا، وهو أكبر من مجرد محاولة ضبط للعلاقة مع الرياض.

لقد تحولت المملكة بين عشية وضحاها من بلد “منبوذ” إلى “شريك استراتيجي” بل إن المتحدث باسم البنتاغون الأميركي جون كيربي،  وصفها في العاشر من يونيو حزيران الجاري بأنها “مفتاح المنطقة والعالم”.

هذه التحولات الأميركية ليست ضعفًا كما يحاول السعوديون تصويرها، كما إنها لا تعكس انتصار ولي العهد على الرئيس الأميركي، وإنما هي جسر تحاول من خلاله واشنطن تحقيق مكاسب استراتيجية ربما تمكن بايدن من الوصول لولاية ثانية بعد عامين من الآن.

لقد تراجعت شعبية بايدن إلى أدنى مستوياتها خلال مايو أيار الماضي، إلى ما دون 45 بالمئة، فيما يواصل الرئيس السابق دونالد ترامب تمزيق ثياب بايدن قبل عامين من الانتخابات.

يعاني بايدن أزمة تضخم غير مسبوقة كما إن أسعار الوقود وصلت إلى أعلى مستوى لها في تاريخ البلاد حيث وصل سعر لتر البنزين إلى 5 دولارات خلال يونيو حزيران.

إلى جانب ذلك، يعاني بايدن أيضًا انكشافه أمام عشرات ملايين الناخبين الذين صوتوا له دفاعًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بعدما لم يخطو خطوة واحدة في هذه الطريق.

لقد كانت فترة بايدن حافلة بالانقلابات العسكرية وانتهاك حقوق الإنسان، فضلًا عن أنها كانت الأسوأ في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ بعدما فعلت حكومة نفتالي بينيت ما لم تفعله حكومة قبل.

لقد أقرت حكومة بينيت المتطرف قوانين تشرعن الاستيطان في الضفة الغربية التي لا تعترف الأمم المتحدة ولا واشنطن بسيادة الاحتلال عليها. ومارست أقصى درجات الفصل العنصري بحق الفلسطينيين، كما ارتكبت جرائم حرب على الهواء عندما اغتالت الصحفية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة في 11 مايو أيار الماضي.

أمام كل هذا التغول الإسرائيلي، لم تتخذ إدارة بايدن أي إجراء حقيقي سوى تريد جمل دبلوماسية محفوظة، بل إن “تل أبيب” رفضت عرضًا أميركيًا لعقد قمة مع الجانب الفلسطيني.

موقع “أكسيوس” الأميركي، كشف هذا الأسبوع أن حكومة الاحتلال رفضت عقد قمة مع السلطة الفلسطينية بمشاركة مصر والأردن، كانت واشنطن تحاول من خلالها “خلق أفق دبلوماسي” بين الجانبين.

بالتزامن مع ذلك، تكاد تكون مفاوضات فيينا الرامية لإحياء الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية، تصل إلى عتبة الفشل النهائي، بينما تواصل “إسرائيل” وحلفاؤها الإقليميين توطيد تحالفهم.

لقد استغلت إيران الحرب الروسية الأوكرانية وحاولت فرض مزيد من الشروط على الجانب الأميركي فيما يتعلق بتفاصيل الاتفاق المحتمل، بما يضعها في خانة المنتصر.

إلى جانب ذلك، عززت طهران برنامجها النووي ورفعت عمليات تخصيب اليورانيوم إلى درجات تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها تقربها من امتلاك قنبلة، ليجد بايدن نفسه أمام الكثير من المعضلات.

لقد فشل بايدن في تحقيق أي من وعوده أو يكاد؛ سواءً فيما يتعلق بملف الديمقراطية وحقوق الإنسان أو فيما يتعلق بقضية فلسطين وحتى فيما يتعلق بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفي حين كان البعض يعتقد أنه سيعاقب المملكة، فإذا به يحاول “ضبط العلاقة مع الرياض”.

أمام هذه النتائج الصفرية لعامين من الحكم، يبدو أن الإدارة الأميركية قررت تحويل خسائرها إلى نجاحات بطريقة أخرى. لقد قررت السير على خطى ترامب، وإن تحت شعارات أخرى.

حاليًا، تعمل الولايات المتحدة على طموحات الحلفاء التي كانت قبل فترة غير قابلة للتحقق بسهولة ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتجعلها في متناول اليد، رغم أن تحقيق هذه الطموحات قد ينتهي بانفجار.

العلاقات مع السعودية

كانت أقصى طموحات ولي العهد السعودي قبل عام واحد أن يجري مكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي، لكنه بعد الحرب رفض إجراء هذه المكالمة.

في الوقت نفسه، أكدت تقارير المخابرات الوطنية الأميركية وتقارير صحفية لشبكة “سي إن إن” قيام الرياض بتصنيع صواريخ باليستية بمعرفة الصين.

لقد زار مدير المخابرات المركزية الأميركية وليام بيرنز، الرياض سرًا، خلال مايو أيار الماضي، وحاول إثناء ولي العهد عن شراء صواريخ صينية (ضمن عملية تحمل اسم التمساح)، كما حاول أيضًا تخفيف التوتر بين البلدين.

لاحقًا، أعلن البيت الأبيض تأجيل زيارة لبايدن كانت مقررة خلال يونيو حزيران للمنطقة، إلى يوليو تموز المقبل، وقال إنه ستشمل السعودية و”إسرائيل”.

وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي يتعامل مع السعودي كشريك استراتيجي، فيما قال وزير الخارجية الأميركي إن بايدن قرر “ضبط العلاقات” مع المملكة وفق المصالح المشتركة.

لكن ما هي المصالح المشتركة؟

القناة “12” العبرية، قالت هذا الأسبوع إن جيش الاحتلال الإسرائيلي نشر منظمة رادارات في عدد من دول المنطقة بما في ذلك الإمارات والبحرين؛ لمواجهة “تهديدات إيران”.

وهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها سلاح “إسرائيلي” إلى منطقة الخليج التي طالما تعاملت مع “إسرائيل” على أنها عدو.

ووفقًا لما نشرته القناة العبرية، فإن نشر هذه المنظومات يعتبر جزءًا من خطة أوسع تعمل الولايات المتحدة على تنفيذها منذ عام كامل، وتقوم على تأسيس تحالف دفاعي يضم دولة الاحتلال ودول مجلس التعاون الخليجي الست، إلى جانب مصر والعراق والأردن.

وستكون مهمة هذا التحالف رصد أي تهديد إيراني لأي طرف من الأطراف والعمل على إحباط أي هجوم، وقالت القناة العبرية إنه تم بالفعل إسقاط مسيّرات مفخخة في سماء العراق أطلقتها إيران باتجاه “إسرائيل” قبل شهرين.

ستكون هذه الخطوة بداية التطبيع الخليجي الكامل مع دولة الاحتلال، كما إنها جزء من خطة أخرى تعمل السعودية على إتمامها، وتقضي بوضع قوات سعودية على جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر.

وتحتاج الرياض لموافقة من دولة الاحتلال حتى تتمكن وضع قواتها على الجزيرتين اللتين تنازلات عنهما الحكومة المصرية للرياض في 2017، في اتفاق أثار جدلًا مصريًا واسعًا.

صحيفة “وول ستريت جورنال” قالت في مايو أيار الماضي، إن الإدارة الأميركية تنظر إلى اتفاق تغيير القوات في جزيرتي تيران وصنافير، على أنه أكبر انتصار دبلوماسي أميركي بعد اتفاقات التطبيع التي شملت الإمارات والبحرين في أواخر عهد ترامب.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن واشنطن تحاول إنجاز الاتفاق خلال تواجد بايدن بالمنطقة. وقالت المصادر إن الأمر سيكون بداية “علاقات دافئة” بين الرياض و”تل أبيب”.

ضف إلى ذلك، أن لقاء بايدن بولي عهد السعودية سيكون اعترافًا أميركيًا بشرعية الأخير، وليس مجرد ضبط للعلاقة مع الرياض، وهو المكسب الوحيد الذي سيحصل عليه الأمير الشاب تقريبًا من كل هذه السجالات.

الخلاصة

  • في حال تمكنت الولايات المتحدة من ضبط العلاقة مع الرياض عبر تأسيس التحالف الدفاعي الذي يجمع بين دولة الاحتلال ودول الخليج، فإنها ستكون حققت ما عجز ترامب عن تحقيقه.
  • وفقًا للمسودة التي نشرتها القناة العبرية، إضافة إلى مقترح في الكونغرس الأميركي بتعزيز التحالف بين دولة الاحتلال ودول المنطقة لمواجهة إيران، فإن دول الخليج بما فيها قطر والكويت اللتان تزعمان أنهما ضد أي عملية تطبيع قبل حل قضية فلسطين، ستكون قد طبّعت عمليًا، وإن لم توقع اتفاقات رسمية.
  • في حال تم توقيع اتفاق تبديل القوات الدولية على جزيرتي تيران وصنافير، ستكون واشنطن وضعت قدم الرياض عمليًا على طريق التطبيع، وإن بعد فترة.
  • في حال التقى بايدن بولي عهد السعودية وجهًا لوجه، فإنه سيضمن تدفق النفط السعودي إلى الغرب بما يجعل التخلي عن النفط الروسي أسهل مما هو عليه الآن.
  • سوف تحقق حكومات الدول المنضوية تحت الخطة الأميركية مكاسب سياسية لكنها ليست طويلة الأمد.
  • في الأخير، إذا جرت الأمور على هذا النحو، وفشلت مفاوضات فيينا النووية وهي أقرب فعليًا للفشل، فإن المنطقة ستكون على أبواب مواجهة محتملة لأن هذا التحالف سيستهدف إيران بشكل أو بآخر.
  • قد يُنظر إلى أي مواجهة محتملة بين الشعوب والحكومات في المنطقة على أنها درب من دروب الخيال بالنظر إلى حالة الاستبدادد غير المسبوقة التي تعيشها المنطقة، لكن التحولات التي يعيشها النظام العالمي تجعل إمكانية حدوث مواجهة ليست بعيدة.
  • بينما تسعى الولايات المتحدة حاليًا لتحقيق مكاسب سياسية لتعزيز فرص بايدن في الانتخابات المقبلة، على حساب فلسطين وحقوق الإنسان بالمنطقة، فإن هذا الأمر ربما يحقق نتائج عسكية؛ لأن احتمالات المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية تتصاعد بقوة.
  • عندما يصطدم الفلسطينيون بالإسرائيليين، وهو أمر ليس بعيدً، فإن موجات هذا الصدما ستمتد إلى العديد من دول المنطقة، وربما يتحول الأمر إلى مواجهة أوسع.
شارك