“فورين بوليسي”: حرب باردة من نوع جديد تختمر حاليًا

ترجمة | جو-برس

قالت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية إن حربًا باردة من نوع جديد تختمر على الساحة العالمية، مشيرة إلى أن هذه الحرب تبدو متعددة الأبعاد.

وقال كبير مراسلي المجلة مايكل هيرش في تقرير إن الحرب الجديدة ذات طبيعة عالمية وليست محصورة في أوروبا فقط.

وجاء حديث المجلة بعد اجتماع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مدريد نهاية يونيو حزيران الماضي، حيث ركز قادة الحلف على منطقة المحيطين لمواجهة روسيا والصين.

وتوقعت المجلة أن تستمر هذه الحرب الباردة الجديدة لأجيال قادمة، مشيرة إلى أن قمة الناتو الأخيرة وضعت خطط هذه الحرب على ما يبدو.

حرب باردة من نوع جديد

ويرى الكاتب أن هذه الحرب الجديدة تختلف عن تلك الحرب التي جرت على مدار أربعة عقود بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وقال إن الحرب الباردة القديمة كانت بين قوتين عظميين في العالم لكنهما كانتا معزولتين تمامًا عن بعضهما البعض في كل المجالات تقريبًا.

في المقابل، فإن الحرب الباردة الجديدة التي تختمر حاليًا تجري بين قوى كبيرة لكنها تمتلك العديد من العلاقات المشتركة والأمور المتداخلة.

ويشير الكاتب إلى أن دول الغرب تمتلك علاقات تجارية واستثمارية مع الصين رغم حالة التنافس المتصاعدة بينهما.

وفي خضم هذه الحرب، يمكن لروسيا أن تستمر رغم العقوبات الغربية غير المسبوقة عليها من خلال تصدير الغاز والنفط إلى الغرب نفسه.

موسكفا أسطول البحر الأسود

ما هي أسباب الحرب الباردة الجديدة؟

يقول الكاتب إن من بين أسباب الحرب الباردة الجديدة أن الولايات المتحدة شهدت تحولًا في سياستها الحزبية القائمة منذ أمد بعيد.

هذه التحولات، برأي روبرت زوليك، نائب وزير خارجية الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، تتمثل في سياسة المواجهة التي لا هوادة فيها.

وأشار زوليك إلى أن واشنطن وعلى مدار سنوات طويلة كانت تعمل على تحويل الصين إلى طرف عالمي مؤثر.

لكنه قال إن صدمة الغزو الروسي لأوكرانيا دفعت الإدارة الأميركية لتبني سياسة المواجهة الشاملة والعمل على جر أوروبا المترددة إلى هذه المواجهة.

وقبل عام، أصدرت واشنطن بيانًا أسس لمفهومها الاستراتيجي الجديد، وهو نفسه البيان الذي صدر بعد قمة الناتو الأخيرة.

وحذّر البيان من أن طموحات الصين المعلنة وسلوكها يمثلان تحديات شاملة لقواعد النظام الدولي والمجالات ذات الصلة بأمن الحلف.

لقد قاوم الأوربيون المحاولات الأميركية لجرهم إلى مواجهة التحديات الصينية الاستراتيجية، وحاولت ألمانيا تعزيز العلاقات مع بكين، لكن غزو أوكرانيا الذي وافقت عليه الصين، أحدث صدمة.

هذه الصدمة كما تقول المجلة أحدث تغيرًا جذريًا في النهج الأوروبي. وخصصت الدول السبع 600 مليون دولار لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وأعلن الناتو مفهومًا استراتيجيًا جديدًا للسنوات العشر المقبلة من أجل مواجهة تهديدات بكين.

العمل على إضعاف روسيا

لقد تسارع هذا التحول في الموقف الأوروبي من الصين ورسيا خلال الأشهر الماضية، عبر دعم قدرات أوكرانيا على مواجهة القوة الروسية.

وقد تحوّلت الولايات المتحدة وحلفاؤها من سياسة دعم قدرة كييف على الدفاع إلى سياسة جديدة تهدف لإضعاف روسيا كقوة عالمية.

في الوقت نفسه، تعمل واشنطن على تسليح اليابان وكوريا الجنوبية (مع أستراليا)، حتى إنها دعت طوكيو وسيول للانضمام إلى قمة الناتو بصفتهما “مراقبين”.

وترى المجلة الأميركية أن هذا الأمر يشبه خلق “نسخة مماثلة لحلف الناتو في المحيط الهادئ”، وهو أمر سبق ونفى المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي، السعي له.

على الجهة الأخرى، أطلقت الصين مبادرة الأمن العالمي لمواجهة مجموعة “الحوار الأمني الرباعي” التي تضم الولايات المتحدة واليايان والهند وأستراليا.

وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ؛ إن المبادرة ستتصدى للاستخدام التعسفي للعقوبات الأحادية الجانب، ومجابهة الهيمنة وسياسة القوة والمواجهة بين الكتلتين.

ستار حديدي

ولفتت المجلة إلى أن الدول الغربية ترى أن ستارًا حديديًا هبط على العالم مؤخرًا من ماريوبول إلى تايون إلى جزر سليمان في المحيط الهادئ، حيث تتوغل الصين.

وفي قارة آسيا، فإن هذا الستار الحديدي يعني وقوف حلفاء غربيين راسخين ودول ديمقراطية قوية، مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، في وجه دول مستبدة مثل روسيا والصين وبيلاروسيا وباكستان وكوريا الشمالية.

ونقلت المجلة عن ماكس بيرجمان، مدير برنامج أوروبا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن حلف الناتو يتجه نحو وضع هذه الحرب الباردة إلى حدٍّ ما.

لكن جورج بيبي، كبير محللي الشؤون الروسية السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يقول إن الولايات المتحدة وحلفائها “قد يواجهون مزيجًا من قوتين نوويتين.

ويضيف بيبي أن روسيا الغنية بالموارد “تعقد شراكة مع الصين القوية تقنيًّا واقتصاديًّا”.

ولا تبدو ملامح ولا مخاطر هذه الحرب الباردة الجديدة واضحة كما كانت خلال الحرب الباردة الأولى.

وفي وقت سابق، قال الأمين العام لحلف الناتو يانس ستولتنبرغ، إن الحلف لا يرى الصين عدوًا حتى الآن، لكنها تستثمر بقوة في الجانب العسكري وتوسع قدراتها النووية.

وأضاف ستولتنبرغ “الصين توسع جهودها في تصنيع تقنيات مدمرة وتحاول السيطرة على البنية التحتية الحيوية في أوروبا، وعلينا التعامل مع تلك التحديات.. لكننا حتى الآن، لا نعرف كيف سنتعامل مع هذه المعضلة”.

وترى المجلة أن واشنطن وحلفائها ربما يتعاملون مع الأمر الواقع ويتحلون بشجاعة الاعتراف بأن التفاوض هو المخرج الوحيد.

جو بايدن وشي جين بينج

قد لا يكون التفاوض ممكنًا حاليًا مع روسيا لكنها في النهاية تعتبر الشريك الأصغر للصين وتعتمد بقوة على مساعدات بكين.

وبالنظر إلى العلاقات المتنوعة بين الصين والغرب، فإن التفاوض مع بكين قد يكون مخرجًا ولو مؤقتًا في ظل النظام الدولي القائم حاليًا.

مقابل ذلك، قال فيليب زيليكو، وهو مسؤول كبير سابق في إدارة جورج بوش الابن، في مقال نشره “فورين أفيرز”، إن الحديث عن نظام عالمي جديد “مجرد هراء”.

وأضاف “النظام العالمي القائم أيضًا لم يعمل بنجاح إلى حد كبير وخاصة الأمم المتحدة، لكنه على الأقل يعمل رغم الكوارث التي حدثت في كوريا وفيتنام”.

ويرى زيليكو أن الكارثة الأكبر التي واجهها النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية هي الحرب التي دبرها بوش الابن من أجل غزو العرق عام 2003.

وأكد زيليكو أن الولايات المتحدة لم تشهد كارثة في سياستها الخارجية أكبر من غزو العراق وما ترتب عليه من تداعيات على المستوى العالمي.

ولفت إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استثمر هذا الغزو الأميركي للعراق لتبرير غزوه لأوكرانيا، عندما قال إن الوضع في أوكرانيا يختلف عن الوضع المخالف للقانون في العراق.

وقال إنه من الصعب تصوّر أن رئيسًا أميركيًا آخر سواءً كان ديمقراطيًا أو جمهوريًا كان سيقدم على الغزو “غير العقلاني” للعراق.

وأضاف “العراق لم تكن له علاقة بهجمات 11 سبتمبر أيلول، لكن غزو بوش الابن له فتح الباب أمام كافة الشرور التي ما تزال تمزق العالم من كل اتجاه”.

وأوضح الكاتب أنه لا يمكن الجزم بأن هناك حروبًا حتمية حتى تلك الحروب الباردة. وقال إن الصين وروسيا ربما تجدان الطريقة المناسبة لمواجهة الهيمنة الأميركية.

ولفت إلى أن بوتين وإن كان منبوذًا حاليًا، إلا أنه ربما يجد السبيل لاستمالة الصين من أجل الحفاظ على موضع قدم في النظام الدولي.

وقال الكاتب إن الخطر حاليًا يكمن في أن بعض الساسة الأميركيين يستسهلون الدخول في مواجهة عسكرية مع الصين، كما حدث قبل عشرين عامًا مع العراق.

ولفت إلى أن جو بايدن نفسه استسلم للإغراء السياسي الأول ودعم غزو العراق قبل عقدين وإن على مضض.

وبعد تأثر شعبيته حاليًا في استطلاعات الرأي ومواجهته لانتكاسة محتملة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر تشرين الثاني، يبدو أن بايدن سيستسلم للإغراء الثاني، كما تقول المجلة.

وفي تصريحاته الأخيرة، بدا الرئيس الصيني، وكأنه يبحث عن مَخرَج، وقال خلال حديثه في منتدى أعمال البريكس “يجب علينا في المجتمع الدولي أن نرفض ألعاب المحصلة الصفرية”.

وأضاف “علينا أن نعارض جميعًا الهيمنة وسياسة القوة”.

وعلى الرغم من أن هذه النصائح تأتي من مصدرٍ مشبوهٍ، بحسب المجلة، إلا أنها لا تزال فكرةً جيدةً عمومًا.

شارك