بعد عشر سنوات من مكافحة الفساد في الكويت.. الواقع أقل من المأمول

بدأت الكويت قبل عشر سنوات حملة واسعة لمكافحة الفساد الذي ألحق أضرارًا بالغة بالاقتصاد الوطني، لكن الحملة التي استدعت إنفاق ملايين من الدولارات لم تحقق ما هو مأمول منها، حتى الآن على الأقل.

وعلى الرغم من جديَّة الحملة إلا أن أليات تطبيقها والتشابكات الاجتماعية والسياسية للبلد، تفرض قيودًا كبيرة على المؤسسات المنوط بها مواجهة الفساد، وتحول دون تطبيق القانون بشكل مجرَّد.

وقد اتخذت الحملة زخمًا إعلاميًا وحكوميًا وبرلمانيًا واسعًا خلال العامين الماضيين، ما أدى لكشف قضايا كبرى طالت مسؤولين مهمين في البلد.

ويؤكد كشف هذه القضايا بعد 8 سنوات من الحرب على الفساد، أن ما بدأته الحكومة عام 2010، لم يمنع وقوع عمليات فساد حكومي ضخمة كالتي تم كشفها خلال العام الماضي.

موقف الحكومة

باشرت الحكومة الكويتية الجديدة أعمالها، الأربعاء 3 فبراير شباط، بعدما أدَّت القسم أمام أمير البلاد نواف الأحمد، وسط تساؤلات عن موقف المعارضة من هذه الحكومة التي جاءت برئاسة رئيس الحكومة المستقيلة.

ورفضت المعارضة التعاون مع صباح الخالد، الذي رفض المثول لاستجواب يتهمه بعدم التعاون مع مجلس الأمة (البرلمان)، ولاسيما فيما يتعلق بمكافحة الفساد، والفصل بين السلطات.

وأيَّد 38 نائبًا (من أصل 50 هم أعضاء مجلس الأمة)، الاستجواب الذي قدمه النواب ثامر السويط وبدر الداهوم وخالد العتيبي إلى رئيس الحكومة في الخامس من الشهر ذاته.

في 18 يناير كانون الثاني الماضي، تقدَّم الخالد باستقالة أول حكومة في عهد الأمير الجديد بعد شهر واحد من تشكيلها.

لكن أمير البلاد كلَّف صباح الخالد مجددًا بتشكيل الحكومة. وقد ضمَّت حكومة الخالد، الثالثة، أربعة وزراء جدد أبرزهم نائب رئيس الوزراء وزير العدل وزير الدولة لشؤون تعزيز النزاهة عبد الله الرومي.

خلاف جذري

تعتبر الطريقة التي تجري بها عملية مكافحة الفساد في الكويت أساس الخلاف بين الحكومة وأغلبية البرلمان الجديد الذي أنتخب في نوفمبر تشرين الثاني 2020، والذي غلبت عليه المعارضة.

ويتصاعد الخلاف بين الحكومة والأغلبية البرلمانية، بينما تعيش الكويت أسوأ ازماتها الاقتصادية؛ فقد نخر الفساد اقتصادها القوي، ثم جاءت أزمتا تهاوي أسعار النفط (مصدر الدخل الرئيس للبلاد)، وجائحة كورونا، لتجبرا البلد الغني على اللجوء للاستدانة.

ويواجه الاقتصاد الكويتي، الذي يبلغ حجمه قرابة 140 مليار دولار، عجزًا بقيمة 40 مليار دولار هذا العام، بعدما عانى عجزًا قدره 46 مليارًا خلال العام الفائت؛ بسبب تداعيات الجائحة.

وتضع الحكومة الجديدة إقرار مشروع قانون “الدين العام”، على رأس أولوياتها؛ كونها لا ترغب في تسييل أصول سيادية ضخمة، ولا تريد الإتيان على صندوق “الأجيال القادمة”.

وتأمل الحكومة في تحصيل 20 مليار دينار (65 مليار دولارًا) على ثلاثين عامًا، في حال جرى تمرير القانون، الذي يرفض مجلس الأمة إقراره منذ فترة طويلة، 

إلى جانب ذلك، ستواصل الحكومة حملة مكافحة الفساد الواسعة التي بدأت تتخذ زخمًا أوسع أواخر أيام الأمير الراحل صباح الأحمد، بيد أنها ما تزال تراوح في مساحة وسياق يجعلان تأثيرها محدودًا قياسًا.

هذا القدر غير المسبوق من الديون التي تستهدفها الكويت، يجعل الحديث عن جدوى مكافحة الفساد على مدار عشر سنوات كاملة أمرًا مُلحًّا، سيما وأن نوابًا في مجلس الأمة يطالبون الحكومة بالتركيز على الفاسدين بدلًا من التركيز على الاستدانة.

مكافحة ليست جادَّة

جزء من أزمة حملة مكافحة الفساد الكويتية أنها لا تسعى للمحاسبة الجادة والشاملة والفعَّالة، بقدر سعيها لترميم ولاء المواطنين لنظامهم السياسي.

فالحملة، رغم الضجَّة الإعلامية المحلية المثارة حولها، تبدو بلا أظافر حقيقة؛ كون الجهات المنوط بها محاسبة الفاسدين، تعمل تحت إمرة من يفترض إخضاعهم للمراقبة والتدقيق.

مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن الحملة كشفت عمليات فساد كبيرة أضاعت مئات الملايين من الدولارات على البلد الذي اعتاد مواطنوه على الدعم من المهد إلى اللحد، كما تقول وكالة رويترز.

على سبيل المثال؛ خلصت لجنة التحقيق البرلمانية في تجاوزات القطاع النفطي وحده إلى أن الفساد واستغلال النفوذ تسببا في إهدار 3 مليارات دينار (10 مليارات دولار) خلال فترة بسيطة، بحسب عضو اللجنة صالح عاشور.

هناك أيضًا قضايا النائب النغالي، تجَّار الإقامات، فؤاد الإيراني، مشاهير السوشيال ميديا، رشى إيرباص، الصندوق الماليزي، وغيرها من القضايا التي شغلت الرأي العام خلال العام الماضي.

وتواصل هيئة مكافحة الفساد الكويتية (نزاهة) فتح ملفات بشكل مستمر، وفق الاستراتيجية الوطنية التي اطلقت في 2019.

لكن فتح الملفات في الكويت، على النحو المعمول به، لا يعني توقيع العقوبة ولا تجفيف منبع الفساد، حتى الآن على الأقل.

وقد عبَّر الراحل ناصر صباح (نجل الأمير الراحل) عن ذلك بالقول إن ما نراه في مكافحة الفساد أقل مما نتمناه.

وأدَّت الحملة إلى فتح تحقيقات وصدور أحكام بالسجن بحق مسؤولين بارزين في الدولة، بعدما تبيَّن تورطهم في قضايا تتعلق بغسل الأموال واستغلال النفوذ والرشوة.

لكن الجهات الرقابية ما تزال غير قادرة على الاقتراب من أشخاص بعينهم، ناهيك عن أن ما جرى فتحه من قضايا ما يزال قيد التحقيق، وربما يظل هكذا حتى يتم نسيانه، إلا قليلًا.

يزيد غياب المحاسبة الجادة والشاملة من حدَّة الفساد في الكويت، إذ من الواضح أن ثمَّة دائرة بعينها يصعب شمولها أو شمول القريبين منها بمثل هذه الحملات.

وحتى مجلس الأمة الذي يراقب ويفضح الكثير من القضايا، طالت الاتهامات بعض نوَّابه.

وكان أمير البلاد قد أكد خلال الأيام التي تولى فيها شؤون  البلاد قبيل تنصيبه رسميًّا، بأن المحاسبة ستطال الجميع مهما كانت مكانتهم.

لكنه حذّر أيضًا خلال افتتاح الدورة الجديدة لمجلس الأمة بأنه لا مجال لافتعال الأزمات ولا المناكفات السياسية، في إشارة ضمنية إلى رغبته في مهادنة المجلس للحكومة.

مع ذلك، اتهم البرلمان حكومة صباح الخالد، بالتستر على الفاسدين وعدم الجديَّة في مكافحة الفساد ما أدَّى إلى استقالة الحكومة بعد شهر واحد من إعلانها.

وكان مئات الكويتيين قد تظاهروا، في نوفمبر تشرين 2019، ضد الفساد الحكومي استجابة لدعوة نائب برلماني سابق، في سابقة غريبة على بلد لم يكن يعرف التظاهرات، تمامًا كما أنه لم يكن يعرف الديون.

وبعد استقالة الحكومة، أعاد أمير البلاد الجديد تكليف صباح الخالد بتشكيل الحكومة الجديدة، ما ينذر بمواصلة الأزمة بينه وبين البرلمان.

وتستحوذ المعارضة على نحو ثلثي البرلمان الكويتي الحالي، وتبدو الكتلة المعارضة عازمة على مواصلة التصدي لرئيس الحكومة ما لم يغير نهجه.

ولا تحب الكويت الحديث عن وجود معارضة سياسية، كما إن المعارضة الكويتية لا تستهدف غالبًا نظام الحكم وإنما تستهدف الحكومة؛ لأنها لا يمكنها فعل ما هو أكثر من ذلك.

وتتمتع الكويت بنظام يعتبر الأكثر ديمقراطية بين دول الخليج الست، لكنه في نهاية المطاف، مرهون بوضعية البلد الاستراتيجية وتشابك المصالح.

وقد أثارت عملية تجديد انتخاب مرزوق الغانم لرئاسة البرلمان، الكثير من علامات الاستفهام حول سقف وطبيعة هذه الديمقراطية؛ خاصة وأن أكثر من ثلثي النواب أعلنوا تأييدهم انتخاب بدر الحميدي لرئاسة المجلس.

واتهم نواب الحكومة بتمرير انتخاب الغانم، القريب من بيت الحكم، رئيسًا للبرلمان، بالقوة؛ عبر منع نواب من التصويت وحجزهم داخل أروقة المجلس أو منعهم من الدخول.

وطالب النواب بفتح تحقيق فيما عرف بـ”الثلاثاء الأسود“، وهو أمر يتشابه إلى حد كبير مع مطالبتهم بمكافحة جديَّة للفساد.

ثلاثة خلافات أساسية

تمحور الخلاف بين البرلمان والحكومة المستقيلة حول ثلاثة أمور رئيسية هي:

  • مخالفة الحكومة الصارخة لأحكام الدستور في تشكيلها عبر اختبار “عناصر تأزيمية”.
  • هيمنة السلطة التنفيذية على البرلمان، عبر دعمها لمرزوق الغانم للفوز برئاسة مجلس الأمة، رغم تصويت أكثر من نصف الأعضاء (38 من 50) لصالح خصمه بدر الحميدي.
  • “التدخل السافر” من الحكومة في تشكيل لجان المجلس.

واستبعد محللون أن يتعاون المجلس مع الحكومة الجديدة في ظل وجود صباح الخالد على رأسها.

المحلل السياسي الكويت محمد الدوسري، أبدى استغرابه من إعادة تكليف الخالد بتشكيل الحكومة، وقال لوكالة “سبوتنيك” الروسية إن هناك قضايا مهمة يختلف فيها الخالد مع البرلمان.

وفي ظل أزمة عجز الموازنة وتراجع الدخل والخلاف السياسي بين الحكومة والبرلمان وبين الأخير ورئيسه، يصبح الحديث عن مكافحة الفساد أمرًا محل تساؤلات.

مكافحة الفساد عبر إهدار المال

لقد أنفقت الكويت أموالًا ضخمة على مكافحة الفساد، دون جدوى؛ لأن ثمَّة غياب للشفافية، وتلكؤ من الحكومة ومحاولات منها لتهميش دور البرلمان في هذه العملية، فضلًا عن عدم تحصين الهيئات الرقابية من التدخل في أعمالها.

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث، أعدَّ ورقة عن مكافحة الفساد في الكويت، قال فيها إن مكافحة الفساد لا تستوجب تأسيس مؤسسات مستقلة وتحميل الميزانية أمولًا ضخمة (في إشارة لهيئة نزاهة وغيرها) بينما الحلول مجانية.

واعتبر المركز أن محاولات اجتثاث الفساد تصطدم بتداخلات مع ثقافة الواسطة والولاءات القبلية، مشيرًا إلى أن دعم الشفافية وتعزيز العمل الرقمي يمثل بديلًا أقل تكلفة وأكثر جدوى.

وأثبتت تجربة مكافحة الفساد في الكويت على امتداد العشر سنوات الماضية أن زيادة الظاهرة مرتبطة بمشاكل هيكلية وتنفيذية وليس بنقص مؤسسات خاصة لمواجهتها.

ففي العام 2010 لم يكن لدى الكويت مؤسسة لمكافحة هذه الأزمة وكانت تحتل المرتبة 54 في مؤشر مكافحة الفساد عالميًا.

وفي 2020، احتلت المرتبة الـ85، رغم إنشاء إدارة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في 2013، ولاحقًا الهيئة العامة لمكافحة الفساد، في 2016.

أزمة الكويت أنها لا تزيل العوائق التي تحول دون تطبيق وإنفاذ القانون على الجميع، بالإضافة لبطء عملية محاسبة المذنبين أو المشتبه بهم، بداية من التحري والتحقيق والتقاضي وصولًا الى الأحكام الصادرة.

كما تسهم المحسوبيات والولاءات القبلية في محاولات تجاوز القانون أو عدم تطبيقه أو تأخير تنفيذه.

وقد تم رصد تأخر كبير في معالجة ملفات فساد كثيرة رغم كلفة الجهود المرصودة، ويمثل ذلك دلالة على محدودية جدوى استراتيجية مكافحة الفساد المعتمدة منذ سنوات غم نفقاتها الضخمة.

لذلك فان خيارات مثل توجيه الإنفاق لتأهيل السلطات الرقابية التقليدية ودعم الجهود الأمنية لمحاربة جرائم الفساد وغسيل الأموال والاختلاس وسوء استغلال النفوذ قد تكون حلولًا أكثر نجاعة.

الهيئات الموجود حاليًا أقرب لمحاولات التجميل والمسايرة الشكلية لمقتضيات داخلية أو اتفاقات دولية. 

وقد خلصت بعض التجارب الدولية الى أن تعزيز ثقافة النزاهة وانفاذ القانون والمساواة عند تطبيقه وتعزيز عمل هيئات المحاسبة وإدارة التحقيقات والنيابة العامة ودعم القضاء، قد تغني عن وجود مؤسسات إضافية كهيئة لمكافحة الفساد.

مؤسسات غير مستقلة

تلفت نتائج حملة مكافحة الفساد غير المسبوقة في الكويت الأنظار إلى عدم جدوى واستقلالية الهيئات التي أنشئت خلال العقد الماضي لمكافحة الظاهرة بمختلف أشكالها.

فقد أوجدت الكويت المؤسسات لكنها جعلتها خاضعة للحكومة التي تعتبر أول المستهدفين بعمل تلك المؤسسات؛ حيث يتم تعيين رئيس ديوان المحاسبة ورئيس هيئة مكافحة الفساد بمعرفة رئيس الحكومة.

وإذا كانت الكويت تستهدف الاستجابة للرغبة الشعبية الكبيرة لاجتثاث الفساد، فإن عليها دعم استقلالية مثل هاتين المؤسستين تمامًا عن الحكومة وجعلهما مؤسستين دستوريتين مستقلتين مثل المحكمة الدستورية.

كما إن تعيين رؤساء هاتين الهيئتين من قبل مجلس الأمة، يجعلهما تحت الرقابة المباشرة من السلطة التشريعية أسوة بالدول الناشئة والمتقدمة.

وما يؤكد بطء عملية حسم ملفات الفساد في الكويت بالرغم من انشاء هيئة “نزاهة” وجود ملفات مهمة ومتراكمة بانتظار الحسم أبرزها “رشى إيرباص”، وقضية “النائب البنغالي”، وتجارة الإقامات.

ضف إلى ذلك، ما يثار حول رشى دفعت إلى مسؤولين في الدولة و”الصندوق الماليزي”، و”صندوق الجيش” وغيرهما.

ليس ضروريًا إنشاء مؤسسات لمكافحة الفساد إنما الضروري هو تفعيل القوانين المعنية بهذا الأمر.

ويظهر القصور الحكومي في تأخر معالجة ملفات فساد وتجاوزات متراكمة خلال سنوات لم يتم حسمها إلا بضغط شعبي حيث أسهمت بلاغات أغلبها مقدمة من أفراد في سرعة استجابة النيابة والقضاء وإدانة المتورطين.

وقد مثَّل البطء في علاج أسباب الفساد نتيجة الروتين الإداري ومحدودية النفاذ للمعلومة مواطن ضعف استغلَّها البعض في استسهال ارتكاب أعمال الفساد.

وبقيت العقوبات الرادعة محدودة التطبيق على عكس تسارع وتيرة حملة حسم قضايا الفساد التي بدأت في 2019 ووصلت ذروتها منذ صيف 2020.

ومن المفروض أن تصاحب حملة مكافحة الفساد حزمة إصلاحات أساسية وهيكلية على مستوى اليات الرقابة والتنفيذ الإداري وتقنين النفاذ للمعلومة.

هذا الأمر سيؤدي للتدقيق في تضارب المصالح بين شخصيات نافذة في العمل السياسي ولديها مصالح اقتصادية متضخمة ما قد يدفع الى غرق البلاد في فساد قد يصبح ثقافة مجتمعية تهدد أجيال المسـتقبل.

ويكفل الدستور الكويتي الحق في الحصول على المعلومات، ولكن لم يصدر حتى الآن أي تشريع يدعمه.

في عام 2007، دعت جمعية الشفافية الكويتية إلى مشروع قانون الشفافية، ولكن في عام 2015، تم حل مجلس إدارة الجمعية بعد اتهام بعض النواب بالمبالغة في مستوى الفساد في الكويت.

شارك