“جيروزاليم بوست”: “تل أبيب” تخشى آثار ضربات بايدن الرمزية للرياض

نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، تحليلًا عن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية الجديدة على الرياض، والتي تمثلت في رفع السريَّة عن تقرير مخابراتي يتعلق بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في اسطنبول عام 2018.

ويكشف التحليل الذي أعدَّته لاهاف هاركوف، مراسلة الشؤون الدبلوماسية في الصحيفة، مخاوف مسؤولين في حكومة الاحتلال من أن يضعف ذلك التحالف الإقليمي ضد إيران، (في إشارة إلى التكتل الخليجي الإسرائيلي الجديد).

كما يخشى مسؤولو دولة الاحتلال من أن يضعف السلوك الأميركي الجديد علاقتهم بالرياض؛ إذ ربما يشعر السعوديون أن تل أبيب غير قادرة على الدفاع عنهم في واشنطن.

ويشير التحليل إلى أن تقرير إدارة بايدن بشأن مقتل جمال خاشقجي لافت للنظر؛ ليس فقط بسبب ما تطرق إليه، ولكن أيضًا بسبب ما لم يتطرق إليه على حد سواء.

يبدأ تقرير الاستخبارات الأميركية المؤلَّف من أربع صفحات بالقول: “تشير تقديراتنا إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وافق على تنفيذ عملية في مدينة إسطنبول التركية لاعتقال الصحفي السعودي جمال خاشقجي أو قتله”.

بغض النظر عن قائمة أسماء الأشخاص المتورطين، الذين فرضت عليهم الولايات المتحدة عقوبات، يمكن تلخيص محتويات التقرير بسهولة في جملتين، بحسب “جيروزاليم بوست”.

المتورطون في مقتل خاشقجي مقربون من ولي العهد

ينتمي جميع الأشخاص المعروف أنهم متورطون في قتل خاشقجي إلى منظمات لها علاقات وثيقة مع ولي العهد السعودي، ومن غير المرجح أن يتخذوا مثل هذه الإجراءات المتطرفة دون موافقته.

ضف إلى ذلك أن الأمير قمع المعارضين منذ توليه السيطرة على أجهزة الأمن والاستخبارات السعودية في عام 2017، واعتبر خاشقجي بمثابة تهديد.

كانت هذه المعلومات متاحة بسهولة للجمهور على مدار العامين الماضيين، ولم يكن أي شخص مهتم بحاجة إلى تقرير من مدير الاستخبارات الوطنية لمعرفة ذلك. وهذا يطرح السؤال: لماذا رفعت السريَّة عن هذا التقرير الذي يوفر تفاصيل متناثرة في هذا التوقيت تحديدًا؟

أوضح الرئيس الأميركي جو بايدن بالفعل نواياه تجاه السعوديين خلال حملته الانتخابية. وبتركيزه على مقتل خاشقجي على وجه الخصوص، بالإضافة إلى دور المملكة في الحرب الأهلية في اليمن، سلَّط بايدن الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، والتي يصفها تقرير “جيروزاليم بوست” بأنها “لا تعد ولا تحصى وجديرة بالاستنكار”.

ويضيف التحليل: بالطبع، من المؤسف أن الأنظمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط والعالم ترتكب انتهاكات غير معقولة لحقوق الإنسان، لكن يبدو أن المملكة نالت قدرًا كبيرًا من ازدراء بايدن.

كما يشير إلى أهمية هذا القرار بالنظر إلى مدى قرب إدارة ترامب من السعوديين، ومحمد بن سلمان على وجه الخصوص، حتى عندما أصبح واضحًا أن الأمير كان مسؤولًا شخصيًا عن العديد من تلك الانتهاكات.

السعودية وإيران وانتهاكات حقوق الإنسان

وتلفت التحليل أيضًا إلى التركيز على الانتهاكات السعودية، على عكس تلك التي يمارسها النظام الثيوقراطي العنيف على الجانب الآخر من الخليج – في جمهورية إيران الإسلامية – هو أحد أعراض التغيير الآخر لسياسة إدارة ترامب، المتمثل في أن بايدن يسعى للعودة إلى الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

لأمد طويل كانت السعودية وإيران خصمين يسعيان للهيمنة، أو على الأقل القيادة، في المنطقة. وواجه وكلاء السعودية وإيران بعضهم البعض في اليمن، وكانت إيران وراء الهجمات على حقول النفط السعودية، من بين هجمات أخرى.

يبدو أن إدارة بايدن لم تزل تقف إلى جانب السعوديين، لكنها تتراجع علنًا إلى حد كبير جدًا. يؤكد ذلك مسؤول كبير قال لـ”رويترز” يوم الجمعة: “الهدف هو إعادة التقويم وليس القطيعة. هذا بسبب المصالح المهمة التي نشترك فيها معهم”.

تقرير شحيح التفاصيل

تقرير مدير الاستخبارات الوطنية شحيح التفاصيل الذي صدر في نهاية هذا الأسبوع هو نوع من التبرير الرمزي لإعادة المعايرة، والتي من المتوقع أن تعلن الولايات المتحدة عن تفاصيلها في الأيام المقبلة.

لقد بدأوا بالفعل بالعقوبات على المسؤولين، ولكنهم لم يصلوا إلى حد فرضها على محمد بن سلمان نفسه.

وتضيف الصحيفة أن دولة الاحتلال تراقب بحذر. لقد أصبحت العلاقات السعودية – الإسرائيلية أكثر تقاربًا في السنوات الأخيرة، لدرجة أن بنيامين نتنياهو التقى سرًّا بمحمد بن سلمان في السعودية في نوفمبر تشرين الثاني الماضي.

وقد تعمَّقت هذه العلاقات مثل علاقات “تل أبيب” الرسمية الآن مع الإمارات والبحرين، على الرغم من المحظورات الإقليمية ضد الارتباط بالدولة العبرية؛ بسبب مخاوف الدول المشتركة بشأن التهديد الإيراني، النووي وغير النووي، واستعداد دولة الاحتلال لاتخاذ موقف ضد طهران، كما تقول الصحيفة.

ومع ذلك، تقول الصحيفة، لم تؤت العلاقات ثمارها أبدًا، فعلى الرغم من أن كلًا من السعودية والإمارات يقودها ولي عهد يتطلع إلى التحديث والانفتاح الأكبر، إلا أن المملكة لم يزل يتصدر قيادتها الملك سلمان الذي يعلو محمد بن سلمان، ويتبنى الملك وجهة النظر العربية الأكثر تقليدية تجاه “إسرائيل”.

حديث عبر الهاتف بشأن تحركات بايدن

ومع ذلك أفادت هيئة البث العامة العبرية (KAN) هذا الأسبوع أن مسؤولين إسرائيليين وسعوديين تحدَّثوا عبر الهاتف عدة مرات في الأسابيع الأخيرة لمناقشة تحركات إدارة بايدن نحو العودة إلى الصفقة الإيرانية وزيادة تركيزها على انتهاكات السعودية لحقوق الإنسان.

يشعر المسؤولون الإسرائيليون بالقلق من أن الضغط المتزايد على السعوديين، وكذلك على مصر، سيضعف التحالف الإقليمي ضد إيران في وقت تظهر فيه الولايات المتحدة استعدادًا أقل لمواجهة نظام آيات الله. مصدر قلق آخر هو أن الرياض لن تشعر بالرغبة في تعزيز علاقتها بـ”إسرائيل” أو حتى الحفاظ عليها إذا لم يساعدهم الإسرائيليون في واشنطن.

غير أن هناك احتمالًا آخر؛ فخلال إدارة أوباما، التي كانت متساهلة حقًا مع إيران، قويت علاقات “إسرائيل” مع دول الخليج، وهو ما قربهم من بعضهم البعض لحماية أنفسهم ضد طهران التي لم يكن سلوكها الخبيث مقيدًا، والتي لم يُمنع مشروعها النووي، بل جرى تأجيله فحسب بموجب اتفاقية 2015.

اتفاقية أكثر صراحة

تتابع الصحيفة: لكي نكون منصفين، تقول إدارة بايدن إنها لن ترفع العقوبات حتى تعود إيران إلى الامتثال لقيود التخصيب المنصوص عليها في الاتفاقية النووية، وأنها تريد الضغط من أجل التوصل إلى صفقة أكثر صرامة من شأنه معالجة عورات الاتفاقية القديمة، والتي أشارت إليها “إسرائيل” في ذلك الوقت وتحققت في السنوات التالية.

الوقت هو الذي سيحدد ما إذا كان هذا سيحدث، على الرغم من أن رفع القيود المفروضة على الدبلوماسيين الإيرانيين لدى الأمم المتحدة والإفراج المحتمل عن الأموال الإيرانية من بنوك كوريا الجنوبية لا يبعث برسالة مشجعة بشكل خاص إلى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وتختتم الصحيفة بالقول: في مثل هذا الوضع قد يستمر السعوديون والإسرائيليون في التقارب بدافع مواجهة العدو الإيراني المشترك، ولو أن ذلك سيكون بمثابة مصدر ارتياح ضئيل صغيرة مقارنة بحالة الخذلان التي ستحدث إذا اختارت الولايات المتحدة، أكبر حليف لإسرائيل، استرضاء آيات الله الذين يسعون إلى تدمير الدولة اليهودية.

شارك