فورين بوليسي: هكذا سيتعامل بايدن مع الشرق الأوسط

نشر موقع مجلة “فورين بوليسي” مقالًا للكاتب الأميركي، ستيفن كوك، تناول فيه نيَّة إدارة جو بايدن خفض أولوياتها في الشرق الأوسط كأولوية. وطرح المقال قائمة للدول المتوقع خفض واشنطن انخراطها فيها مقابل الدول التي ستبقى ضمن دائرة الاهتمام.

تغيُّر الأولويات

وبدأ كوك، المتخصص في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، بالحديث عن مقالٍ نشرته صحيفة “بوليتيكو” هذا الأسبوع يكشف خفض إدارة بايدن من أولوية الشرق الأوسط، واصفًا المقال بـ”المثير للاهتمام”.

ومقال بوليتيكو من إعداد ناتاشا برتراند، ولارا سيليغمان، اللتين يعدهما كوك من أفضل الصحفيين الذي يغطون الأمن القومي والسياسة الخارجية الأميركية.

وقال كوك إنه حتى بعيدًا عن هذا المقال، فإن الإشارات الدالَّة على نيَّة فريق بايدن ببذل أقصى ما يستطيعون لمنع التورُّط بمسائل العرب والإسرائيليين والأتراك والأكراد والإيرانيين.

استغرق الأمر، كما يقول كوك، أربعة أسابيع ليتصل الرئيس الأميركي برئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ثم أسبوعًا آخر أو ما يقارب ذلك قبل أن يتصل برئيس الوزراء العراقي والملك السعودي. وبالمثل، لا يبدو أن البيت الأبيض في عجلةٍ من أمره لإجراء مكالماتٍ مع مصر، وتركيا، والإمارات، وقطر وغيرهم.

وأوضح كوك أن مجلس الأمن القومي الأميركي أجرى تعديلًا وفقًا لذلك، بتقليصه حجم إدارة الشرق الأدنى، وخفض عدد العاملين في الشرق الأوسط الذين توظفهم الوكالات التنفيذية الأميركية مقارنةً بالإدارات السابقة.
تحدث هذه التغييرات، بحسب كوك، على خلفية مناقشات السياسة الخارجية التي لا تنتهي والمتعلقة بـ”منافسة القوى العظمى” والصين.
وإذا كان الوقت ما بين 2001 و2020 عصرًا ذهبيًّا لمحللي الشرق الأوسط، فمن الواضح أن واشنطن تدخل الآن عصر الخبير الصيني (وعصر التخصص في الصحة العامة)، وهو ما عدَّه كوك شيئًا جيدًا لأنه يعتقد بأن الشرق الأوسط امتصَّ قسطًا هائلًا من الوقت والاهتمام والموارد من صانعي القرار الذين كانوا غالبًا يطاردون أهدافًا غير واقعية، ويتبعون سياسات غير مدروسة جيدًا.
هذا السلوك صرف انتباه القادة الأميركيين عن قضايا مهمة أخرى مثل انعكاسات طموحات الصين، وعودة روسيا إلى المسرح العالمي، واستقرار أوروبا، وتأثيرات تغير المناخ، برأي كوك.

وحذَّر كوك في الوقت نفسه من أنه يمكن المبالغة بقراءة الدلائل. فقد استغرق الأمر أكثر من شهر بقليل ليأمر بايدن بشنِّ غارات جوية في المنطقة، وذلك لضرب وكلاء إيران في سوريا بعد أن ضرب حلفاء إيران قاعدة في كردستان العراق (حيث توجد القوات الأميركية).

كما إن الأشخاص المدافعين عن انسحاب الولايات المتحدة أو تقليص وجودها من الشرق الأوسط يميلون إلى التقليل من مخاطر هذه الأساليب.

يقول كوك إنه ما من شكٍّ في الحاجة للتطوير في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فهناك قضايا في المنطقة لم تعد ملحَّة مثلما كانت في السابق، وهناك دول لم تعد مهمة بالقدر نفسه كما في الماضي.

جزء من التحدِّي المتمثل في صياغة نهج جديد للمنطقة هو تحديد من وما المهم للولايات المتحدة، بحسب الكاتب.

ولذا؛ ومن أجل توضيح أبعاد هذه القضايا، يضع كوك قائمة من ترتيبه الشخصي لبلدان الشرق الأوسط التي يظنُّ بأهمية التفات إدارة بايدن لها، والدول التي يجب أن يُحوِّل الاهتمام عنها.

بايدن واستنساخ سياسة أوباما في المنطقة

بؤرة الاهتمام

يعتبر الكاتب أن السعودية، وإيران، و”إسرائيل”، والإمارات، هي الدول التي على إدارة بايدن صبُّ الاهتمام عليها.

ويبدأ الكاتب من السعودية، ويذكِّر كيف وجَّه بايدن “كلمات قاسية” لها أثناء حملته الانتخابية. مشيرًا إلى أن كثيرين عبَّروا من واشنطن عن غضبهم من الرياض منذ حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، الذي دفع واشنطن للاهتمام بتدخل السعودية في اليمن، والذي يصفه كوك بالكارثي.

وكان هنالك أيضًا، يضيف كوك، حصار قطر، وسوء معاملة الناشطين السعوديين. وقد أعلن البيت الأبيض أنه لن يتحدث مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأصدر تقريرًا يفصِّل ما يعرفه مجتمع الاستخبارات الأميركي عن مقتل خاشقجي.

رحَّب ناشطو حقوق الإنسان والمنشقون السعوديون والمحللون وأعضاء الكونجرس بهذه التحركات، لكن كوك يشدد على أن السعودية تظل محورًا رئيسيًّا للولايات المتحدة في العالم العربي. خصوصًا في حال أراد بايدن التوصل لصفقة جديدة مع إيران أو تخفيف المعاناة في اليمن مع التركيز على إنهاء الصراع، هذا كله يحتاج إلى تعاون سعودي، وفقًا لكوك.

أما بالنسبة لإيران فتعتقد إدارة بايدن أن الدبلوماسية أفضل وسيلة لوقف تطوير برنامجها النووي، وأن سياسة “الضغط الأقصى” الترامبيَّة لم تكن مجدية بكل تأكيد.

يعتقد الرأي العام في واشنطن، برأي كوك، أن انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 أدى لحدوث تقدم أكبر في البرنامج النووي الإيراني. ويقول كوك إن هناك الكثير من النقاش حول تمديد الاتفاق ليشمل السلوك الإيراني “الخبيث” في المنطقة.

ويرى كوك أن سلوك إيران الذي يصفه بالخبيث، وترسانتها الصاروخية ما يزالان يُقلل من شأنيهما في واشنطن.

يبدو أن إيران لن تتخلى عن وكلائها أو صواريخها، كما يقول كوك، وسواء فعلت ذلك أم لا، فإن طهران ستستحوذ على الكثير من الاهتمام في السنوات القادمة؛ كون الضربات في سوريا المستهدفة للإيرانيين قد بدأت بالفعل.

ويضيف الكاتب أن “إسرائيل” ستكون ضمن بؤرة اهتمام إدارة بايدن؛ إذ لطالما استندت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى فكرة ضمان الأمن الإسرائيلي بدرجةٍ ملحوظة.

ويعتقد الكاتب أن هناك أسبابًا سياسية وتاريخية وأخلاقية واستراتيجية للعلاقة الوثيقة بين الجانبين. وبالتالي تظل “إسرائيل” لاعبًا مهمًّا استثمرت الولايات المتحدة فيه بعمق.

وكحال العلاقة مع السعودية، إن أراد بايدن إبرام اتفاق جديد مع إيران فسيتعيَّن عليه استقطاب التعاون الإسرائيلي، وفقًا لكوك، الذي يصف العلاقة بين واشنطن و”تل أبيب” بـ”المؤسسية”.

وحتى لو واجه بايدن مشكلة مع رئيس وزراء الاحتلال –كما حصل سابقًا مع باراك أوباما– فمن المرجح أن تظل العلاقة متينة بين الطرفين.

ويرى كوك أن الإمارات ستظل من بين الشركاء الأمنيين المهمين للولايات المتحدة، قائلًا إن الإماراتيين انسحبوا بعيدًا عن السعودية ومحمد بن سلمان في مواقف متعددة، بما في ذلك الاعتراف بفشل الحرب اليمنية وسحب أبو ظبي جيشها من اليمن، وعدم وضوحها في الدفاع عن السعودية داخل واشنطن أو أيِّ مكان آخر.

لم تصل الإمارات لحدِّ كسب النوايا الحسنة من تلك المواقف، لكنها لم تعد ضمن المجموعة المستهدفة الرئيسية من قبل من يريدون معاقبة السعودية في واشنطن.

ويذكِّر كوك باتفاقيات التطبيع وبإشادة بايدن بإقدام الإمارات على تلك الخطوة، ونيتَّه توسيع العلاقات بين “إسرائيل” وجيرانها.

ويضيف: “لا يحب الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي الإمارات كثيرًا، وذلك لأسباب عدة أبرزها اعتقال الإمارات للمنتقدين لديها، وتدخلها في اليمن، وبيعها للفلسطينيين، لكن تبقى الإمارات من شركاء الولايات المتحدة الأمنيين الأهم، والتي ستتأثر مصالحها أيضًا عندما يجلس فريق بايدن للتحدث مع الطرف الإيراني”.

خارج دائرة الاهتمام

يرى كوك أن مصر على رأس قائمة من سيجري استبعادهم من دائرة اهتمام إدارة بايدن، ويذكِّر بداية بعدم اتصال الرئيس الأميركي بنظيره المصري، واستياء القاهرة من ذلك.

يقول كوك إن بعض المصريين سيعجبه التجاهل الأميركي، لأنه سيسمح لهم بـ”الانغماس في مخيلتهم التي تهيِّئ لهم أن الولايات المتحدة تكيد لتقويض مصر”.

بالمقابل، يريد مصريون آخرون البقاء تحت شاشة رادار واشنطن، لمجابهة تركيا في ليبيا والتركيز على التنمية الاقتصادية، وكذلك معرفة كيفية إدارة تحدي مسألة سدِّ النهضة الإثيوبي وتوازن العلاقات بين واشنطن وموسكو وبكين.

ويشير كوك أيضًا إلى المضايقات التي تقترفها مصر مع عائلات الناشطين المصريين المقيمين في الولايات المتحدة، أو ممن هم مواطنين أميركيين، وهو ما يغضب أعضاء الكونغرس.

وقد أعرب وزير الخارجية أنتوني بلينكن عن قلقه من قضية حقوق الإنسان في حديثه مع نظيره المصري سامح شكري، مشددًا على أن هذا الملف سيكون مركزيًّا في العلاقات بين البلدين.

يقول كوك إن تركيا مرشحة هي الأخرى للخروج من دائرة الاهتمام الأميركية، مشيرًا إن تركيا اعتادت على امتلاك الكثير من الأصدقاء في واشنطن، لكن ليس لديها الآن سوى عدد قليل منهم، بالإضافة إلى من تعتمد عليهم من أعضاء جماعات الضغط.

ويضيف أن التحركات المبكرة لإدارة بايدن تدلُّ على أن أنقرة لن تُستثنى من البيت الأبيض، وقد وجَّه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، الانتقاد لتركيا في العديد من المسائل.

إلا أن كوك يرى في النهاية أنه ومهما جرى تجاهل تركيا، فهي حليف في الناتو، ولذلك فمن غير الواضح إذا كان سجلُّ تركيا الأخير سيبقيها خارج الاهتمام لمدة طويلة.

دول أخرى في دائرة النقاش

أما بالنسبة للدول الأخرى في الشرق الأوسط، يقول كوك إن العراق ممن سيُبعدون عن دائرة الاهتمام، فعلى الرغم من اتصال بايدن برئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، فلا أحد في واشنطن يريد الاستثمار في محاولة إصلاح السياسة في العراق.

لذلك، يضيف الكاتب، سيُترك العراقيون مع ملاحظات وزارة الخارجية القديمة المتعلقة بالانتخابات والفساد. مشيرًا إلى أن العراقيين من جانبهم، يريدون تجنب أن يصبحوا ساحة معركة بين الولايات المتحدة وإيران، لذلك قد يفضلون أن يبتعدوا عن محور الاهتمام الأميركي أيضًا.

سوريا أيضًا ممن يقترح كوك سحب الاهتمام عنها، لأنه “لا أحد يستطيع أن يعرف ماذا يفعل بشأنها”، ولأن “المستنقع” هناك قد يلتهم الروس وفقًا لتعبيره.

بالمقابل، سيكون الاهتمام شاملًا للسلطة الوطنية الفلسطينية إلى حد ما. يلاحظ كوك إعادة إدارة بايدن إقامة العلاقات معهم، قائلًا إن دبلوماسيي واشنطن سيواصلون إجراء المناقشات المطولة مع الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن الحلِّ القائم على دولتين “الذي لن يحدث أبدًا”، وفق كوك.

وستكون قطر ضمن دائرة الاهتمام الأميركية أيضًا، لأنها “ليست السعودية” أولًا، وبسبب وجود قاعدة العديد الجوية ثانيًا، مع توقعه باستمرار تأثر العلاقات أحيانًا بسبب أسئلة واشنطن حول علاقات الدوحة مع جماعات إسلامية في المنطقة، في مقدمتها الإخوان المسلمون.

وختم كوك بالتشديد على أن الأمور قد تتغير وقد تحدث مفاجآت بلا شك، وفي عالم السياسة، غالبًا ما تنحرف أفضل الخطط المعدة سلفًا، وبالتالي قد يستحيل على الولايات المتحدة التقليل من دورها في الشرق الأوسط.

وفي حالة حدوث أزمة ما، يقول كوك، ستواجه واشنطن المجموعة نفسها من “الشركاء الصعبين”، معيدًا إلى واجهة الاهتمام الأميركي حتى أكثر البلدان التي ترغب الولايات المتحدة في تخفيف الانخراط فيها.

شارك