تركيا و”إسرائيل”.. صراع وجودي لا يمنع استعادة دفء استراتيجي

شهدت الأسابيع القليلة الماضية تراجعًا ملموسًا للتراشق الكلامي بين الحكومة التركية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة أولى على طريق استعادة الدفء القديم للعلاقات بين الجانبين.

وعرفت العلاقات التركية الإسرائيلية تصعيدًا إعلاميًا متواصلًا بعد اعتراض أنقرة على قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال أواخر 2017.

ورغم أن التراشق الكلامي إلا أن العلاقات التجارية الكبيرة بين الجانبين ظلت متواصلة دون توقف.

وقد طرت أنقرة سفير دولة الاحتلال في مايو/ أيار 2018 بعد مقتل محتجين فلسطينيين على يد قوات الاحتلال التي تصدت لتظاهرات على حدود قطاع غزة، بالرصاص الحي.

وردّت “تل أبيب” على الخطوة بطرد السفير التركي، ليشتعل الصراع بين الطرفين.

وحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حشد العالم الإسلامي لمواجهة القرار الأمريكي الذي كان خطوة أولى على طريق تنفيذ صفقة القرن.

وكانت صفقة القرن التي قوبلت برفض شعبي عربي وإسلامي، تهدف لتصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل لصالح دولة الاحتلال، بدعم من دول عربية وخليجية.

وتصدّت المملكة العربية السعودية، عبر منظمة العمل الإسلامي، للمحاولات التركية، التي اعتبرتها الرياض محاولة لسحب بساط القيادة الإسلامية من تحت قدميها.

ومع ذلك، لم تقدم الحكومة السعودية شيئًا لحشد العرب أو المسلمين في مواجهة صفقة القرن، بل إنها مارست ضغوطًا كيبرة على الجانب الفلسطيني للقبول بها.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2020، قال أردوغان إن بلاده في إعادة الدفء لعلاقتها مع “إسرائيل”. لكنه أوضح أيضًا أن السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ما زالت “غير مقبولة”.

وفي الأسبوع الأول من فبراير/ شباط 2021، حطّت أول طائرة ركاب إسرائيلية من شركة “إل عال” في مطار  إسطنبول الدولي بعد توقف دام 10 سنوات.

واعتبرت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، الخطوة إشارة إلى ذوبان الجليد في العلاقات بين الجانبين.

ويناصر إردوغان القضية الفلسطينية، ولديه علاقة غير مستقرة مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو.

وسبق أن قال الرئيس التركي إن فلسطين لا تزال تشكل الخط الأحمر لبلاده وإنه من المستحيل على أنقرة قبول سياسات “إسرائيل” القاسية فيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية.

وقد أدانت أنقرة مرارًا الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ومعاملتها للفلسطينيين.

ورغم حالة التهدئة الجارية حاليًا، فإن الخبير في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، إيتان كوهين ياناروجاك، قال إنه قد يكون من السابق لأوانه القول إن هذه الأمور ستحدث قريبًا.

ونقل موقع قموع قناة الحرة الأمريكية عن ياناروجاك قوله إنه لن تكون هناك أي خطوات كبيرة إلى الأمام قبل تبلور نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقررة الشهر المقبل.

وقال إن التغيير في القيادة في إسرائيل قد يسرع من تدفئة العلاقات، مضيفًا: “إذا رحل نتنياهو، فقد يكون بدء التطبيع مع إسرائيل أسهل بكثير من وجهة نظر تركيا”.

وانتقدت تركيا اتفاقيات التطبيع،  التي وقعت العام الماضي، برعاية أمريكية، بين “إسرائيل” وأربع دول إسلامية (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب).

وساعدت اتفاقيات التطبيع دولة الاحتلال على كسر عزلتها الإقليمية، ومنحتها اليد العليا في التفاوض مع تركيا من أجل تحسين العلاقات الدبلوماسية، بحسب المتحدث.

من جانبه، قال حسن عواد، الخبير في سياسات الشرق الأوسط بجامعة بريدجبورت في ولاية كونيتيكت الأميركية، لصحيفة “ميديا لاين” إن هناك الكثير  مما يمكن تحقيقه من استعادة العلاقات الدبلوماسية.

وقال عواد إن استئناف العلاقات سيكون له تأثير كبير على الصناعات الدفاعية في البلدين، مشيرًا إلى أن حركة حماس تمثل أحد التحديات الرئيسية لاستعادة العلاقات بين الطرفين.

وتحظى حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة بدعم كبير من القيادة السياسية التركية، في حين تعتبرها دولة الاحتلال أحد أخطر خصومها.

ويرى عواد أن التوصل إلى “تطبيع حقيقي” بين أنقرة و”تل أبيب”، يتطلب تراجعًا في الدعم التركي لحماس، وهو أمر صعب برأي محللين.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة، مخيمر أبو سعدة، قال لموقع “ميديا لاين”  إن الروابط الأيديولوجية بين حماس وحزب العدالة التنمية الذي يقوده أردوغان، أمر يصعب كسره.

واستبعد أبو سعدة أي تحسن للعلاقات الإسرائيلية التركية على حساب حماس. وقال إن تأثير ذلك على الحركة لن يكون كبيرًا.

وأشار أبو سعدة إلى أن قطر، التي تدعم الإخوان المسلمين، تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من “إسرائيل” وحماس.

وقال: “لطالما استخدمت قطر علاقتها مع إسرائيل للتخفيف من المعاناة الإنسانية في قطاع غزة الذي تحكمه حماس، ولا يبدو أن هناك من يعترض”.

ويرى أبو سعدة أن حكومة الاحتلال قد تطلب من أنقرة طرد بعض قادة حماس الذين تعتبرهم داعمين للإرهاب، لكنه أكد أن الأمر في النهاية يصب في صالح في وجود وسطاء بين حركة المقاومة وسلطة الاحتلال.

تأثير فوز بايدن

الحديث عن إعادة الدفء للعلاقات التركية الإسرائيلية يتزامن مع تدني علاقات تركيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بازمة التنقيب عن الغاز شرقي المتوسط.

لكن تغيرًا ملحوظًا طرأ على الخطاب السياسي التركي خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أعربوا عن ترحيبهم بتجديد العلاقات مع الجميع تقريبًا بدءًا من الولايات المتحدة ومرورًا لالاتحاد الأوروبي وصولً إلى مصر ودول خليجية مثل الإمارات والسعودية.

وعزا كثيرون هذا التغير في الخطاب التركي إلى وصول إدارة الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض وما سيتبعها من تغير في سياسات الجميع.

وتوترت العلاقات التركية الأمريكية بسبب حصول أنقرة على منظومة صواريخ إس 400 الروسية، رغم اعتراضات واشنطن، وهو ما دفع الأخيرة لتوقيع عقوبات على مسؤولين أتراك.

ومن المحتمل أن تكون المساعي التركية لتصحيح العلاقات مع دولة الاحتلال محاولة لاستغلال نفوذ الأخيرة لدى واشنطن، التي أعلنت بعد تنصيب بايدن أن موقفها من أزمة “إس 400” لم يتغير.

 وحظرت واشنطن، في ديسمبر الماضي، منح أي تصاريح لتصدير الأسلحة للوكالة الحكومية التركية المكلفة بشراء تجهيزات عسكرية

وقبل العقوبات، علقت الولايات المتحدة مشاركة تركيا في برنامج تصنيع المقاتلة الأمريكية “إف-35″، معتبرة أن دخول الأسلحة الروسية لأسطول حليف “الناتو”، يمكن أن يكشف أسرارها التكنولوجية.

ورغم توتر العلاقات السياسية فقد تواصل التبادل التجاري بين أنقرة و”تل أبيب” ووصل إلى مستويات متقدمة حتى خلال جائحة كورونا، بحسب صحيفة “جيروزالم بوست” العبرية.

شارك