قصفوا السعودية وهاجموا مأرب.. الحوثيون يشنون حربًا إيرانية مصغَّرة لتحقيق أهداف كبيرة

يعزو كثير من الخبراء الإقليميين والدوليين، الهجمات المكثفة التي شنتها جماعة الحوثي اليمنية على منطق مختلفة في السعودية، إلى رغبتهم في تحقيق أكبر مكاسب سياسية قبيل وقف الحرب، في حين يبدو الأمر في جزء منه رسالة إيرانية بما أن يمكن أن تصل إليه الأمور حال تعرضها لهجوم عسكري.

وكثَّف الحوثيون، المدعومون من إيران، خلال الأيام الأخيرة هجماتهم على مناطق سعودية متنوعة وحيوية، وفي عمق المملكة. وتزامن القصف مع تصاعد الخلاف الأميركي الإيراني بشأن آلية العودة إلى الاتفاق النووي المجمَّد.

وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، إن القصف استهدف مناطق تابعة لشركة أرامكو بصاروخ دخل الخدمة مؤخرًا.

استعراض للقوة

القصف الذي وقع في السادس من مارس آذار بـ12 مسيَّرة ومجموعة من الصواريخ الباليستية، استدعى دعمًا أميركيًا للرياض، بحسب ما أعلنه وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، ما يعني أنه كان على درجة عالية من القوة.

وقبل يوم واحد من هذا الهجوم، أعلن الحوثيون استهداف قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط جنوبي المملكة بـ5 طائرات مسيرة، وذلك بعد يوم من قصف إحدى منشآت شركة أرامكو.

في اليوم التالي، أعلنت الجماعة، استهداف ميناء تنورة السعودي، الذي يبعد عن صنعاء بـ1500 كلم.

وقال الحوثيون إنهم طالوا هدفاً حساسًا في مطار أبها الدولي، بصاروخ جديد دخل الخدمة مؤخرًا، وأكد المتحدث العسكري للجماعة عزم قواته استهداف مزيد من الأهداف الحساسة داخل المملكة.

تطورات غير مسبوقة

ويعتبر استهدف مناطق على هذا البعد من صنعاء رسالة بأن الجماعة يمكنها استهداف حلفاء أو قوات تابعة الولايات المتحدة على نفس المسافة، في اتجاهات مختلفة، فضلًا عن حركة الملاحة البحرية في المنطقة.

وبالنظر إلى هذه القوة المتصاعدة للحوثيين، والمستمدة من إيران، فإن أي اتفاق مرتقب بين واشنطن وطهران، سيتضمن، على الأرجح، تمكين الحوثي من صنعاء، وهو الأمر الذي شنَّت الرياض حربًا قبل ست سنوات للحيلولة دونه.

ما يزيد من إمكانية سيطرة الحوثي على جزء من اليمن، أن التصعيد الأخير لا يستند فقط إلى الدعم الإيراني، لكنه  أيضًا يستند إلى رغبة السعودية في إنهاء الحرب بأي طريقة.

وقد أكد قائد القيادة الأميركية المركزية في المنطقة الجنرال كينيث ماكينزي، الشهر الجاري، أن السعودية تريد وقف الحرب بأي طريقة، مشيرًا إلى أن الحوثيين هم يعيقون ذلك.

وفي الثاني عشر من مارس آذار رفض الحوثيون خطة أميركية لوقف القتال وتخفيف الحصار المفروض على صنعاء، وتمرير المساعدات الإنسانية والوقود للمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، رغم قبول الرياض بالخطة.

وكان قائد المنطقة المركزية الأميركية الوسطى الجنرال كينيث ماكينزي، قال في حوار مع قناة الجزيرة هذا الشهر إن الرياض ترغب فعليًا في وقف الحرب، بيد أن ما يقوم به الحوثيون لا ينم عن رغبة في ذلك.

البحث عن أكبر مكاسب

المبعوث الأميركي لليمن تيم ليندركينغ، قال، يوم 12 مارس آذار، إن الحوثيين لهم دور رئيسي في اليمن، وإنه لا يمكن إنكار ذلك.
في المقابل، قال السفير الأميركي السابق في اليمن جيرالد فيرستاين، إن هجمات الجماعة لا تساعد على التوصل إلى الحل، معتبرًا أن ما يجري محاولة لتعظيم المكاسب.

لكن الولايات المتحدة، بحسب تصريحات أدلى بها فيرستاين لقناة الجزيرة، سوف تعارض أي محاولة حوثية لاستخدام الظرف الراهن لتوسيع النزاع في اليمن وحسمه عسكريًّا.

وقد أكد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أن القوات الأميركية في المنطقة قدمت دعمًا دفاعيًا للسعودية خلال تعرضها للهجوم الواسع الذي جرى في السادس من الشهر الجاري.

هذه الضربات ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، على ما يبدو، التي يوجهها الحوثيون للمملكة، خاصة وأن ما يجري هو حرب بالوكالة تديرها طهران وليست صنعاء.

ولأن أي نصر يحققه الحوثي في اليمن، هو بلا شك نصر للإيراني الذي يسعى لتقوية مركزه التفاوضي مع واشنطن؛ عبر تهديد مصالحها وحلفائها، فإن إنهاء الحرب دون تحقيق مكاسب كبيرة للحوثي هو أمر محل شك.

وفي كل الحالات، فإن عدم قدرة التحالف على إنهاء سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية بعد ست سنوات من الحرب، هو دليل على التفوق العسكري الإيراني في مواجهة الخصوم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تحول سماء المملكة إلى مسرح لصواريخ الحوثي وطائرات المصنعة في إيران، تضعف موقف السعودية السياسي وتحرجها عسكريًا، وتجعلها في مرمى الانتقادات الداخلية، مهما كانت قادرة على إسكات الانتقادات.

رهان حوثي إيراني

وفي ظل اهتراء الحكومة المعترف بها دوليًا، وعدم استقلاليتها، وعجزها عن مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، تبدو فرص الحوثي في تحصيل مكاسب سياسية غير مسبوقة من الصراع، أمرًا ليس مستحيلًا.

كما أن الهجوم الذي يشنه الحوثيون على آخر مأرب التي تعد آخر معاقل الحومة الشرعية في الشمال، يمثل تهديدًا كبيرًا للأخيرة.

ومن شأن وقوع هذه المحافظة الغنية بالنفط والغاز بأيدي الحوثيين أن يسلب حكومة وقوات الرئيس عبدربه منصور هادي آخر معاقلها شمال البلاد.

ويسيطر الحوثيون على أغلب محافظات الشمال الثلاث عشرة تقريبًا بما في ذلك العاصمة صنعاء.

كما قد لا يقتصر هذا في حال حدوثه على إضعاف مركز تلك الحكومة في أي مفاوضات محتملة مستقبلاً فحسب بل أنه قد يؤدي إلى خروجها تدريجيًّا من المشهد أو بقائها شكلاً في أحسن حال.

وتصبح هذه المخاطر المحدقة بحكومة هادي أكثر جدية إذا تقلص حجم الدعم الذي يفترض أن التحالف السعودي لا يزال يوفره لها.

مستقبل الصراع

وفي ظل هذه الرهانات الحوثية المتصاعدة، قد يتحول الصراع إما إلى مواجهة بين شمال البلاد الخارج في معظمه عن سيطرة حكومة هادي مع جنوبها.

وفي ظل ضعف حكومة هادي أمام المجلس الانتقالي الجنوبي، ربما يسيطر الحوثي على الشمال والانتقالي على الجنوب، وتخرج الحكومة المعترف بها دوليًا، خالية الوفاض في نهاية الأمر.

لكن ذلك لا ينفي احتمالية نشوء اصطفاف سنيٍّ، في شمال وجنوب البلاد، تدعمه الرياض في مواجهة المشروع الشيعي للحوثيين المتحالفين مع طهران.

ويحذر محللون من مغبة التراخي إزاء هجوم الحوثيين على مأرب المحافظة النفطية المتاخمة للحدود السعودية.

ويرى كثيرون أن السعوديين قد يرتكبون خطأً استراتيجيًا جسيمًا في حال عدم أخذ هذه التطورات على محمل الجد الذي تتطلبه منهم.

وطوال السنوات الست الماضية، تعاملت السعودية مع حزب الإصلاح، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، ولو تكتيكيًا، بوصفه رافعة سياسية وعسكرية مهمة لحكومة هادي.

إلا أن الغارات التي تنفذها مقاتلات التحالف على مواقع وطرق إمدادات الحوثيين حول مأرب، الخاضعة للإصلاح، ردًّا كافيًا ولا متناسبًا مع حجم وكثافة الهجوم الذي يشنه مقاتلو الحوثي من محاور وجبهات عدة من خارج وداخل حدود المحافظة، برأي مراقبين.

القيادي البارز في حزب الإصلاح حميد عبدالله الأحمر حمَّل التحالف بقيادة السعودية المسؤولية عن كامل النتائج التي انتهت إليها الحرب حتى الآن باعتبار أن :”التحالف هو من يدير الحرب، فمخازن الحرب بيده، والتحركات بيده.

ومن الخطر أن تتوهم السعودية أن بإمكانها في حال هزيمة الإصلاح في مأرب أن تتوصل إلى صفقة مع الحوثيين لضمان أمن حدودها الجنوبية؛ لأنها ببساطة، لن تتمكن من جعل الحوثيين جارًا وشريكًا لأمنها.

كما إنها لن تتمكن غالبًا، من لجم الطموحات المختلفة للحوثيين إذا تمكنوا من ثروة مأرب النفطية والغازية وبسطوا سلطتهم على كامل المحافظات الشمالية المحاذية لحدود المملكة خصوصًا أن قرار الحوثيين النهائي بيد طهران وليس بأيديهم.

جانب آخر من مخاطر الهجوم على مأرب الذي تزامن مع هجمات أخرى في العمق السعودي هو أنه يبدو ردًا غليظًا على مبادرات الإدارة الأميركية الجديدة لوقف مبيعات الأسلحة للسعودية ولإلغاء تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وتعيين ممثل خاص لواشنطن في اليمن.

ويرى خبراء أن بدء زحف الحوثيين نحو مأرب عقب إعلان هذه المبادرات بأيام يوحي بأنها غير مكترثة بالخطوات الأميركية.

عيب الخطوة التي اتخذها بايدن برفع الحوثيين من قوائم الإرهاب انها جاء متسرعة وغير مدروسة، على عكس خطوة دونالد ترامب بإدراجهم على القائمة السوداء، التي جاءت متأخرة، برأي محللين.

ويبدو أن استراتيجية بايدن لن تمهد الطريق التي تأمل واشنطن أن يسلكها الحوثيون للعودة إلى طاولات التفاوض؛ كون الخطوات السريعة لبايدن تجاه تقنين وضع الحوثيين، جعل الحوثيون ينظرون لواشنطن وكأنها في موقف الضعيف، بحسب ما قاله أسامة الروحاني، النائب التنفيذي لمركز صنعاء للدراسات، لبي بي سي.

طفل يمني يعاني من سوء التغذية في قسم سوء التغذية بمستشفى السبعين، حيث يتلقى العلاج في 13 فبراير /شباط 2021 بصنعاء.

ماذا لو سقطت مأرب؟

تبدو خسائر الطرفين المتحاربين حتى الآن كبيرة خصوصًا في الأرواح كما تفيد المصادر المحلية، سيما أن المواجهة أخذت طابعًا عقائديًا؛ بعدما تحول الأمر إلى مواجهة بين المسلمين السنة والحوثيين الشيعة.

غير أن الحوثيين وإن تمكنوا من السيطرة على مأرب، هو ما سيحدث غالبًا، فإنهم سينزلقون إلى معارك داخلية بسبب الصراع على موارد المدينة الغنية.

مع ذلك، من غير المستبعد أن ينكسر الحوثيون على أبواب مأرب، وهو أمر ستكون له آثار لا تقل خطورة عن أثار سيطرتهم على المدينة.

وفي ظل رغبة الأتراك في تصحيح العلاقات مع الرياض ليس بعيدًا أن توفر أنقرة دعمًا عسكريًا، للسعودية يمكنها من حسم معركة مأرب، خاصة في ظل تطور المسيَّرات التركية القتالية.

ويسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حاليًا لمنح السعودية التي باتت تبحث عنها في دولة الاحتلال في ظل ضبابية الموقف الأميركي من الرياض.

ولا تسعى السعودية ولا غيرها لبناء علاقات مع دولة الاحتلال، بقدر سعيها لتأمين ممر آمن إلى البيت الأبيض، يوفر لها حماية مضمونة من الخطر الإيراني المرابض على حدها الجنوبي.

ومؤخرًا، باتت السعودية هدفًا للهجمات الإيرانية المباشرة أو غير المباشرة، ليس من اليمن وحسب، ولكن من العراق أيضًا، ما قد يدفع الرياض لاتخاذ خطوات ما كانت لتتخذها من قبل أملًا في تعزيز دفاعاتها.

ولو انتكس الحوثيون في مأرب التي يتطلعون لها منذ زمن، فلن تتوقف النتائج عند حدود المدينة، لكنها قد ترتد على الجماعة نفسها وتحدث انقسامات وتصدعات عميقة في صفوفها؛ نظرًا للخسائر البشرية والمادية التي خسرتها عند أسوارها.

مقاتلون حوثيون

أزمة الحوثيين أنهم يمثلون فرقة مسلحة إيرانية في اليمن، ومن ثم فهم غير قادرين على اتخاذ قرارات استراتيجية، سيما وأنهم يستمدون قوتهم العسكرية كاملة من طهران، بحسب ما يؤكده الخبراء.

وبالنظر إلى المناورات العسكرية التي تعتمدها إيران وسيلة لتعزيز مناوراتها السياسية، فإن مستقبل القتال في مأرب أو الهجمات على السعودية، سيصدر من طهران وليس من صنعاء.

ويرى خصوم الحوثيين أن الجماعة المذهبية التي تحولت إلى تنظيم عسكري لم يتوقف عن القتال منذ ظهوره قبل أكثر من ثلاثة عقود، لن تتمكن من حكم البلاد وحدها إذا سيطرت على مأرب، كما أنها لن تشرك أحدًا في الحكم معها، كما أنها لا يمكنها ترك السلطة حتى لو أرادت ذلك.

إشكالية الحركة الحوثية منذ البداية برأي الدكتور همدان دماج، نائب رئيس مركز البحوث والدراسات اليمني، تكمن في أن أيديولوجيتها السياسية الاجتماعية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على استخدام قوة السلاح وعلى إقصاء الآخرين، الأمر الذي يجعل الحل السياسي أكثر صعوبة.

ومن غير المتوقع أبدًا أن تقبل الجماعة التي وصلت إلى ما وصلت إليه عبر الحرب والتعبئة الطائفية، بمشاركة سياسية أو بانتخابات يشارك بها غداً من تقاتلهم ويقاتلونها اليوم.

وحتى قبل اندلاع معركة مأرب كرر بعض مؤيدي الحركة وناشطيها أن الانتصار فيها هو ما يمكنه وحده أن يفرض حلًا مشرفًا لهم ونهاية للصراع برمته.

غير أن خسارة الحوثيين للمعركة لا يعني أبدًا أنهم خسروا الحرب، لأنهم، غالبًا، سيواصلون بدعم إيراني، حكم المناطق الخاضعة لهم بالقوة.

وفي أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، فإن الحوثي لو قبل بحل سياسي، فإنه لن يقبل إلا بحل يجعل منه حسن نصر الله جديد، يتحكم في كل من يأتي إلى سدة الحكم، ويدير البلد بقوة السلاح من خلف ستار الساسة كما هو حال حزب الله في لبنان.

الجانب السني الموالي للرياض، أيضًا، وبالأخص حزب الإصلاح، لن يقبل بأي شراكة غالبًا، لكنه ربما يكون أقل تطرفًا، ويقبل بديمقراطية تضمن سيطرته على كل شيء، كما هو حال حركة النهضة في تونس. بيد أن هذا الجانب لا يعرف ما الذي يمكن أن يحل به بعد ساعة لو قررت السعودية سحب نفسها من المعركة.

شارك