مقتل خاشقجي..

في الثامن عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2018، دخل الصحفي السعودي جمال خاشقجي قنصلية بلاده في مدينة إسنطبول التركية، ولم يخرج.

كان خاشقجي كاتب عمود في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية وكان ينتقد سياسات المملكة التي يديرها فعليًّا ولي العهد محمد بن سلمان.

قبل سنوات، كان جمال واحدًا من رجال السلطة السعودية وكان أيضًا جزءًا من الدائرة المغلقة المحيطة بنظام المملكة الذي يحظى بقوة عالمية يوفرها له النفط (أكبر منتج للنفط في العالم) والمدينة الإسلامية المقدَّسة (مكة المكرمة).

لكن جمال، ومنذ اندلاع الثورات في عدد من البلدان العربية بدأ التغريد خارج السرب شيئًا فشيئًا، بدأ ناصحًا ثم تحول إلى ناقد ثم إلى معارض وانتهى به الأمر منشقًا، من وجهة نظر النظام السعودي.

في ذلك اليوم، 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، دخل جمال إلى مقر القنصلية لاستلام وثيقة تمكِّنه من إتمام زواجه من الباحثة التركية خديجة جنكيز، ولم يخرج.

وبعد اختفائه، وتضارب التصريحات الرسمية بشأن ما جرى له، أقرَّت الرياض بأنه قُتل داخل القنصلية، لكنها قالت إن الأمر كان نتيجة شجار.

لاحقًا، تصاعد الخلاف بين الرياض وأنقرة، التي قدَّمت للولايات المتحدة والأوروبيين والأمم المتحدة كل ما جمعته من أدلَّة بشأن واقعة مقتل الصحفي الذي لا أحد يعرف أين ذهبت جثَّته حتى اللحظة.

تمكَّن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من تبريد قضية خاشقجي داخل الدوائر الرسمية الأمريكية، وأبعد كل محاولات التحقيق مع ولي العهد السعودي، الذي وصلت تحقيقات فريق الأمم المتحدة والمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) إلى درجة تقترب من اليقين بأنه هو من أمر بتنفيذ العملية.

بعد بضعة شهور من الواقعة، حاكمت المملكة متهمين لم تفصح عن أسمائهم بعقوبات تمتد من السجن 5 أعوام إلى عشرين عامًا، ثم تنازل أبناء الصحفي المقتول عن دمه.

ورغم كل المحاولات والأموال الطائلة التي أنفقها وما زال ينفقها ولي عهد الرياض لغسل يده من دم جمال خاشقجي، إلا أن ثمة من يواصلون تذكير العالم بما جرى لرجل لمجرد أنه قال: “لا”.

ولأن التعبير عن الرأي هو واحد من أغلى القيم التي يجب على الإنسان أن يناضل من أجلها، ولأننا لسنا عبيدًا ولأنهم ليسوا آلهمة، فإن أقل ما يمكن فعله تجاه ما جرى لخاشقجي هو مواصلة التذكير به، بقضيته، بالعدالة التي لم تتحقق، بعد، في قضيته.

ومن هذا المنطلق، منطلق الدفاع عن المظلومين ورفض استخدام العنف كأداة في العمل السياسي، فقد وضعنا هذا التعريف الموجز بقضية الصحفي المغدور، حتى يعلم القَتَلة أنه تحول إلى فكرة لن تموت، وأنه حضوره ميِّتًا ربما يكون أكثر إيلامًا من حضوره حيًّا.

جو-برس

شارك