قانون تقنين “الكيف” يزيد الخلافات داخل “العدالة والتنمية” المغربي

 

وصلت الأزمة التي تضرب حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يقود الائتلاف الحكومي في المغرب إلى درجة مسبوقة بعد حالة الانقسام التي ضربت ما يعرف بـ”الصف الأول” للحزب.

وبات خلاف الحزب المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين حديث الشارع المغربي، بعدما أعلن أمينه العام السابق وأحد قادته المؤسسين عبد الإله بن كيران لعضويته، وإعلانه مقاطعة وزراء بأسمائهم، في مقدمتهم الأمين العام الحالي للحزب ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني.

رسالة خطية من بنكيران لتجميد عضويته.

وجاء موقف بنكيران، وهو رئيس سابق للحكومة (2011-2017)، على خلفية موافقة نواب الحزب في البرلمان على مشروع تقنين زراعة القنب الهندي، للأغراض الطبية.

والقنب الهندي، أو “الكيف” كما يسميه المغاربة، هو نوع من أنواع الحشائش المخدرة، أشبه ما بمخدر “البانجو” في مصر.

ويواجه الحزب المغربي انتقادات حادة بسبب تعاطيه السياسي مع بعض الأمور على نحو يناقض خطابه الإسلامي، فضلًا عن تأكيده لعدم استقلالية قراراته وخصوصية مواقفه.

وطالب العثماني، الخميس 18 مارس آذار الجاري، أعضاء حزبه بـ”عدم التعليق” على قرار عبد الإله بنكيران تجميد عضويته بالحزب.

وقبل أقل من ثلاثة أشهر دافع بنكيران، الذي يحظى بمكانة مرموقة داخل جماعة الإخوان، عن توقيع العثماني اتفاقية تطبيع العلاقات بين المغرب ودولة الاحتلال. 

وقال بنكيران آنذاك، إن حزبه يرفض التطبيع وأإنه علن ذلك مرارًا، لكنه اعتبر أن اعتراف الإدارة الأميركية بمغربية الصحراء “أمر بالغ الأهمية”.

وأكد أن العدالة والتنمية حزب مغربي ولا يمكنه التخلي عن المغرب في قضية كقضية الصحراء، مشيرًا إلى ان هذه الأمور تدخل في اختصاصات الملك محمد السادس.

القيادي في شبيبة حزب العدالة والتنمية وعضو مجلسه الوطني حسن حمورو، وصف المرحلة التي يمر بها الحزب حاليًا بالمنعطف الأخطر في تاريخه، موضحًا أن ما وقع خلال هذه المرحلة غير مسبوق.

من جانبه، اعتبر رئيس المعهد المغربي لتحليل السياسات محمد مصباح أن حزب العدالة والتنمية مر بهزات تنظيمية في محطات سابقة (منها حراك 20 فبراير شباط، وأزمة 2016 خلال تأخر تنصيب الحكومة)، واستطاع تدبيرها داخليًا، لكنه أول مرة يفشل في تدبير الشأن الداخلي

صراع انتخابي

لكن ثمة من يقول إن بنكيران لا يريد أن يترك الحياة السياسية المغربية “مهزومًا، وانه قرر فتح نيران المواجهة مع إخوانه داخل الحزب؛ أبرزهم سعد الدين العثماني، الذي يقود الحكومة والحزب معًا.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن هذا الصراع سيتخذ أشكالًا مختلفة؛ بدءا بالتلويح بالاستقالات، وتهييج القواعد ضد القيادة، برأي البعض.

وقطع بنكيران أيضًا علاقاته مع كلمن مصطفى الرميد ولحسن الداودي وعبد العزيز الرباح ومحمد أمكراز.

وذهب العثماني في صراعه مع بنكيران إلى أبعد حد، حيث قام بتمرير مشروع قانون تقنين استعمالات القنب الهندي، الذي يرفضه الأمين السابق للحزب، بحسب موقع “هيسبرس” المغربي.

بنكيران يراهن على إبعاد العثماني عن "البيجيدي" قبل الموعد الانتخابي

ويسعى بنكيران إلى قيادة الغاضبين من توجه فريق حزب “المصباح” داخل البرلمان إلى المصادقة على مشروع قانون “الكيف”، حيث يعتبر أن تقنين زراعة نبتة القنب الهندي ليس حلًا، وأن “ادعاء تقنين أو إنهاء المتابعة القضائية في حق الناشطين في هذه الزراعة مجرد أوهام يروجها البعض”.

ويضيف بنكيران أنه “بالرجوع إلى الدراسات، فإنه ليس هناك يقين بالاستعمالات المنفعية لهذه النبتة”.

ويرى المحلل السياسي كريم عايش أن استماتة بنكيران في رفضه لمشروع “الكيف” تدفع إلى التساؤل حول خلفيات هذا القرار، لا سيما أن الأمر يتعلق برئيس حكومة سابق أدرج قوانين، سواء في المجالس الحكومية أو تحت قبة البرلمان، استهدفت المواطنين والطبقة المتوسطة وألهبت جيوب المغاربة، حسب قوله.

وتساءل عايش عن وزن الرجل سياسيًا داخل المنظومة الحزبية، ولماذا يتم التعامل بهذا الزخم مع سياسي متساو في العضوية كأي مناضل حزبي؟

ويستحضر الباحث ذاته سياق الانتخابات المقبلة والتي صارت منبعًا للعديد من التكهنات، خاصة بعد بروز وجوه قديمة اختفت عقب هزيمتها في الانتخابات السابقة والتي ستذكي الصراعات السياسية داخل المدن الكبرى، إذا ما أعلن رئيس الحكومة السابق ترشيحه؛ وهو ما سيفتح الساحة لتحركات كتلك الموجودة على رقعة الشطرنج.

ويرى عايش أن استقالة بنكيران هي تحرك سياسي في أفق الانتخابات كي تتم شرعنة عودته إلى الساحة، باعتباره آخر قلاع مبادئ الحزب الأولى، وأنه المخلص الذي سيعيد عجلة الزمن إلى الوراء.

وأضاف: “فعلا، ذلك ما سيكون وستتحول الساحة السياسية إلى ساحة نقاشات عقيمة وتهريج سيؤدي الناخب ثمنه، كما أدى من قوانين مالية مثقلة لكاهل المواطن بأصناف ضريبية جديدة ورسوم لم تكن في الحسبان”.

مخاض عادي

في غضون ذلك، أعرب سليمان العمراني، النائب الأول لأمين عام العدالة والتنمية، عن ثقته بتجاوز حزبه لـ”المخاض” الداخلي الطويل الذي يعيشه.

وشدد العمراني، الخميس، على رفضه دعوات إلى مقاطعة الانتخابات، في ظل خلافات حول طريقة حساب القاسم الانتخابي.

وأضاف العمراني، في مقابلة مع وكالة “الأناضول” التركية، أن “الحزب كبنية داخلية يعيش مخاضًا منذ أشهر طويلة، لكن مازال قادرًا على تجاوزه”.

وعاش الحزب في الآونة الأخيرة مطبات بفعل معطيات موضوعية وذاتية أتت مكثفة في الزمان، فلا تكاد تمر محنة إلا وتأتي أخرى، منذ توقيع اتفاق التطبيع، بحسب العمراني.

ويقول العثماني إن توقيعه على تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال أملته عليه مسؤولية رئاسة الحكومة.

ويرى العمراني أن الأمور “لم تصل إلى وضعية أزمة يكون فيها شلل تام لمؤسسات الحزب”، وانه “ما زال الحزب متماسكًا وسيدبر خلافاته بحكمة”.

ومنذ 2012، وللمرة الأولى في تاريخ المملكة، يقود “العدالة والتنمية” الحكومة، حيث فاز في انتخابات عامي 2011 و2016، ويستعد لخوض انتخابات برلمانية وبلدية العام الجاري.

ولم يتحدد بعد تاريخ دقيق لهذه الانتخابات، في ظل خلافات بين القوى السياسية بشأن تعديلات مطروحة على قوانين منظمة للانتخابات، أبرزها تعديل القاسم الانتخابي، الذي يتم على أساسه توزيع المقاعد البرلمانية بعد الاقتراع.

وقال العمراني إن مقترح حساب القاسم الانتخابي على أساس عدد الناخبين المسجلين، بدلًا عن الأصوات الصحيحة، هو “غير دستوري”.

ويتمسك “العدالة والتنمية” باستمرار اعتماد الطريقة الراهنة، أي قسمة عدد الأصوات الصحيحة على عدد مقاعد الدائرة الانتخابية، بينما تطالب باقي الأحزاب بقسمة مجموع الناخبين المسجلين على عدد المقاعد.

وأضاف: “سيحال مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) إلى المحكمة الدستورية، ونرجو أن تقوم بتصحيح هذا الخلل الفظيع، الذي جعلنا للأسف الشديد أضحوكة للعالم”.

وفي 5 و12 مارس آذار الجاري، أقر مجلسا النواب والمستشارين (غرفتا البرلمان) على الترتيب مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والذي واجه رفضًا من نواب ومستشاري “العدالة والتنمية”.

وبحكم الدستور، ستتم إحالة المشروع إلى المحكمة الدستورية لإبداء رأيها بشأنه، قبل إقراره بنشره في الجريدة الرسمية.

 

المصدر: وكالات

شارك