بعد لقائه عون.. الحريري يتحدث عن تغيير في التعاطي مع الأزمة

قال رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري، الخميس، إنه اتفق مع الرئيس ميشال عون على اللقاء مجددًا، الاثنين المقبل، لوضع تصور واضح عن تشكيل الحكومة.

وأوضح الحريري، عقب زيارة قصر بعبدا الرئاسي، أنه اتفق مع عون على مواصلة الاجتماعات للتوصل إلى حكومة بأسرع وقت ممكن لوقف الانهيار، تكون مكونة من 18 وزيرًا واختصاصيين.

وأضاف الحريري أنه استمع إلى ملاحظات الرئيس، مؤكدًا الاتفاق على تخفيف الصدام بينهما ومواصلة اللقاءات للوصول إلى حل لأزمتي تشكيل الحكومة والاقتصاد.

وأشار رئيس الوزراء اللبناني المكلف، في كلمة متلفزة بعد الاجتماع بالرئيس عون، إلى وجود “تغيير الآن“، وقال إنه بحث سبل كيفية استعادة ثقة المجتمع الدولي.

وأصدر عون بيانًا، الأربعاء، دعا فيه الحريري إلى اللقاء، ملقيًا عليه باللائمة في تأخر تشكيل الحكومة.

وخيّر عون رئيسَ الوزراء المكلّف بين تشكيل الحكومة أو أن “يفسح المجال أمام كل قادر على التأليف”.

عون دعا الحريري لتسريع تشكيل الحكومة أو إفساح المجال لغيره.

وردَّ الحريري، سريعًا، ببيان قال فيه إنه تفاجأ -كما تفاجأ اللبنانيون جميعًا- بالرئيس عون يدعوه عبر كلمة متلفزة إلى القصر الجمهوري، من أجل التأليف الفوري للحكومة.

وأكد أنه زار الرئيس 16 مرة منذ تكليفه بتشكيل الحكومة، للاتفاق على حكومة اختصاصيين غير حزبيين قادرة على تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها.

ويعيش لبنان منذ أكثر من عام أسوأ أزمة اقتصادية عرفها بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، وهي الأزمة أدت إلى تدهور قيمة العملة الوطنية، وانهيار القدرة الشرائية لمعظم المواطنين، وارتفاع معدل البطالة والجرائم.

لبنان شهد مظاهرات واشتباكات سقط فيها قتلى وجرحى من المدنيين.

تمكين حزب الله

ويحول الخلاف السياسي حتى الآن دون تشكيل حكومة تخلف حكومة تصريف الأعمال الراهنة برئاسة حسان دياب، التي استقالت بعد 6 أيام من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس آب 2020، الناتج عن تخزين مواد شديدة الانفجار.

ويعاني لبنان أزمة التجاذبات والمحاصصات الطائفية، فيما يتهم كثيرون رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان نبيه برِّي بتمكين حزب الله من البلاد.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري متهم بتمكين حزبا لله من لبنان.

وأواخر فبراير شباط الماضي، قال رئيس التيار الوطني الحر في لبنان جبران باسيل، إن “أسبابًا داخلية وأخرى خارجية تؤخر تشكيل الحكومة اللبنانية”، داعيًا إلى تشكيل حكومة اختصاصيين برئاسة سعد الحريري.

وجاء حديث باسيل بعد يوم من إعلان الحريري أن جهود تشكيل حكومة اختصاصيين لم تسفر عن تقدم حتى الآن.

وسبق أن اتهم الرئيس اللبناني ميشال عون رئيس الحكومة المكلَّف بأنه يحاول من خلال تشكيل الحكومة فرض أعراف جديدة خارجة عن الأصول والدستور.

وقال باسيل، في مؤتمر صحفي، “يريدون أن نشارك في الحكومة رغمًا عنَّا وبشروط غير مقبولة وإلا نكون معطلين”.

ويحظى عون وتياره بدعم واسع من حزب الله الذي سبق أن تدخل قمع مظاهرات طانت تطالب بتغيير الطبقة السياسية كلها، ما أدى لمقتل وجرح العشرات.

https://www.youtube.com/watch?v=FBdHpivXpUw

وأضاف باسيل: “لا نريد المشاركة في الحكومة، وسنقبل بأي حل يحترم الميثاق ويلتزم بالدستور ويصون الحقوق، ولكنهم فهموا تساهلنا ضعفًا والسكوت عن التطاول اليومي علينا انكسارًا”.

وأكد باسيل، وهو صهر الرئيس اللبناني وأحد أبرز أسباب الأزمة اللبنانية، أن على سعد الحريري تحمل المسؤولية وتشكيل حكومة من الاختصاصيين، ومن غير مشاركتنا، والتوقف عن إضاعة الوقت ورمي الحجج على الغير.

وكان باسيل يشغل منصب وزير الخارجية، وأثيرت حوله شبهات فساد كبيرة أقصته عن التشكيلة الحكومية ظاهريًا، قبل أن تفرض عليه الولايات المتحدة عقوبات بسبب علاقته بحزب الله.

باسيل يخضع لعقوبات أميركية بسبب تمكينه حزب الله من البلاد.

لكن باسيل، يواصل استغلال نفوذه لتعطيل تشكيل حكومة جديدة يقول الحريري إنه عازم على أن تكون حكومة تكنوقراط، وإنه لن يقبل بأي تصوُّر آخر..

في المقابل، يحظى الحريري بدعم فرنسي وسعودي، لكنه لم يحقق إنجازًا عندما كان على رأس الحكومة قبل عامين. لكنه يتحصَّن بكونه ممثل التيار السنِّي في بلد تتحكم الطائفية في كل مفاصله.

وأمس الأربعاء، كتبت  كلوي كورنيش مقالًا في صحيفة الفاينانشال تايمز بعنوان “أزمة لبنان: رئيس الوزراء عالق في منصبه بأقل من 1000 دولار في الشهر”.

وافتتحت الكاتبة المقال بعباره “براتب تقل قيمته عن 1000 دولار بعد انهيار العملة المحلية، ومسؤول عن اقتصاد منهار محاصر في مسكنه بسبب المخاوف الأمنية، فليس من المفاجئ أن يحرص رئيس وزراء لبنان المؤقت على الاستقالة”.

وقال رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، في مقابلة مع الصحيفة، “إنها الوظيفة الوحيدة في العالم التي تستقيل فيها ثم تصبح عالقًا”.

دياب يقوم بتصريف الأعمال منذ سبعة أشهر.

واستقال دياب بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس آب من العام الماضي، لكن المشاحنات السياسية أعاقت تشكيل حكومة جديدة بقياد الحريري، ما جعل دياب رئيس الوزراء الفعلي.

وأشارت الكاتبة إلى أن الخلل السياسي دفع بالدولة نحو انهيار اقتصادي كامل وأثار غضب اللبنانيين الذين يكافحون من أجل البقاء مع تصاعد التضخم المفرط وارتفاع معدلات البطالة.

وأدى ذلك إلى نزول المتظاهرين إلى الشوارع وإغلاق الطرق الرئيسية للتعبير عن الغضب.

انهيار اقتصادي

يقدر البنك الدولي أن ما يقرب من نصف السكان قد سقطوا في براثن الفقر. في حين يصف دياب الوضع بأنه “كارثة مالية حادة”.

ويتوقف تعافي البلاد على خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي، والتي تنتظر منذ شهور لتشكيل إدارة جديدة لبلاد.

ويصف دياب، الذي يريد تسليم السلطة، نفسه بأنه “رهينة السياسة اللبنانية، والطريقة التي يدير بها السياسيون السياسة في هذا البلد منذ عقود.

فقد فوجئ دياب بالمقاومة البرلمانية للإصلاحات. وأضاف “حتى أولئك الذين منحونا الثقة، فإن نسبة جيدة منهم، بما في ذلك الذراع الشيعية، عملت ضدنا بعد أن أصبحنا حكومة”.

وأضاف: “هناك إشارة واضحة من الجميع، ليس فقط من المنطقة ولكن على الصعيد الدولي، يجب الحرص على عدم الانفتاح ماليًا واقتصاديًا”.

وقال دياب: “إنهم يعتبرون هذه الحكومة حكومة حزب الله “، مؤكدًا أن حكومته “كانت أكثر استقلالية، والأبعد عن حزب الله”.

حزب الله واجه اتهامات بالمسؤولية عن انفجار بيروت.

وتتفاقم معاناة اللبنانيين يومًا بعد آخر، ولا سيما مع إقدام السلطات الحكومية على رفع أسعار الوقود والخبز، فيما لا تزال الليرة اللبنانية على ضعفها أمام الدولار.

وتقوِّض هذه الأوضاع القدرة الشرائية لمواطنين التهمت البطالة أكثر من نصف وظائفهم.

وتعتبر إعادة الثقة إلى القطاع المالي والمصرفي وعودة الانتظام إلى المالية العامة من أهم التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في المرحلة القادمة.
فقد جفت مصادر تمويل خزينة الدولة والقطاع المصرفي بالعملات الأجنبية، في حين تواجه الدولة اللبنانية التزامات عديدة تتطلب توافر الدولار لسدادها.

ويأتي في أعلى سلَّم هذه التحديات توفير الدعم المالي اللازم لتأمين متطلبات الوضع الصحي لاسيما توفير لقاح كورونا والأدوية والمستلزمات الطبية.

كما إن الحكومة مطالبة بالاستمرار في تأمين حاجات الغذاء الأساسية من قمح وطحين ومنتجات غذائية بأسعار في متناول المواطنين.

وتحتاج الحكومة أيضًا لتأمين المحروقات لحاجات الكهرباء والنقل وتشغيل المؤسسات والمصانع. وقد تم صرف حوالي 5.8 مليارات دولار منذ سنة لتأمين هذه المتطلبات.

تحديات راهنة

من بين أهم التحديات التي يواجهها لبنان حاليًا، التفاوض مع الدائنين من أجل استحقاقات سندات الخزينة بالدولار (اليوروبوند) والذي أعلنت الحكومة اللبنانية، في 7 مارس آذار 2020، التوقف عن دفعها.

وأعلنت الحكومة العام الماضي حالة التعثر المالي، وهي شبيهة بحالة إفلاس الشركات والمؤسسات الخاصة.

ونتج عن ذلك تخفيض التصنيف الائتماني للبنان إلى أدنى سلم التصنيف وهو فئة التعثر الانتقائي (SD)، وخسارة ثقة الأسواق المالية العالمية وتعذر الحصول على التمويل اللازم.

واستحق على الدولة اللبنانية في العام 2020 حوالي 5.2 مليارات دولار منها 2.5 مليار دولار قيمة سندات اليوروبوند، و2.7 مليار دولار كقيمة للفوائد على الدين العام.

أما قيمة سندات اليوروبوند التي ستُستحق في العام 2021 فتبلغ 2.092 مليار دولار يُضاف إليها فائدة بقيمة 1.719 مليار دولار.

وثمة تحديات أخرى مثل إعادة ودائع الدولارات للمواطنين، وتوفير الدولار الطلابي للطلاب الذين يتابعون دراستهم في الخارج.

وضع خطير

إن جوهر الأزمة الاقتصادية والمالية يكمن في غياب القدرة المالية بالدولار لكل من القطاع المصرفي وخزينة الدولة، وذلك بسبب النقص الهائل في الدولارات القادمة إلى لبنان وضخها في الماكينة الاقتصادية، وهو ما انعكس سلبًا على المؤشرات كافة.

وتشير التوقعات إلى انخفاض حجم الناتج المحلي الإجمالي من 52.5 مليار دولار في العام 2019 إلى 18.7 مليار دولار في العام 2020، أي بخسارة شهرية للناتج المحلي بمتوسط 2.8 مليار دولار.

وتقلص الناتج المحلي الاسمي 25% واحتل لبنان المرتبة الثانية عالميًّا في معدل التضخم المالي بنسبة 365% بعد فنزويلا ومتخطيًا زيمبابوي.

وتقف السلطات عاجزة عن تحصيل الضرائب والرسوم المتوجبة، وتقل قدرة الدولة على الإنفاق العام ومنها على شبكات الأمان الاجتماعي، أو في تنفيذ مشاريع إنتاجية لتصبح في حدودها الدنيا.

ومن المرشح أن ترتفع نسبة البطالة لتبلغ 65% في حال استمر الوضع الحالي؛ حيث بلغ حجم المؤسسات التي أقفلت 15 ألف مؤسسة و80 ألف شخص فقدوا عملهم نتيجة إقفال هذه المؤسسات.

ومعنى ذلك ارتفاع في معدلات الفقر وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل بشكل جنوني، وهذا الوضع انعكس زيادة في معدلات الهجرة، وعلى وضع الجرائم بحيث شهد البلد ارتفاعًا بجرائم سرقة السيارات والقتل.

وتنذر جميع هذه العوامل بزيادة حدة الفقر والتفاوت الاجتماعي حيث من المتوقع أن يقفز معدل الفقر إلى 55%، مع زيادة في نسبة الفقر المدقع من 8% إلى 23%.

وأشارت تقارير سابقة إلى أن أكثر من 50% من سكان لبنان عرضة لخطر عدم الوصول إلى الاحتياجات الغذائية الأساسية بحلول نهاية عام 2020.

ووفق هذه المعطيات، يتجه لبنان إلى الانهيار المتسارع نحو القاع وإلى تحلل في بنيته الاجتماعية وتفسخ في عقده الاجتماعي، نتيجة ترهل السلطة المركزية وفقدانها المقدرات المالية والقدرة على أداء واجباتها في تأمين أدنى المقومات المجتمعية المعيشية والحياتية.

ومطلع سبتمبر أيلول الماضي، اجتمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمسؤولين اللبنانيين من مختلف الفرقاء والأطياف السياسية في قصر الصنوبر في بيروت.

ماكرون طرح مبادرة للحل لكنها لم تنفذ.

وجاء الاجتماع على هامش زيارته الشهيرة لبيروت في أعقاب انفجار مرفأ بيروت.

وعرض ماكرون عليهم ورقة إصلاحية للخروج من الأزمة تحت عنوان “مشروع برنامج للحكومة الجديدة” سُميت اصطلاحًا: “المبادرة الفرنسية“.

وتتضمن المبادرة بنودًا إصلاحية دعا إليها صندوق النقد الدولي وكل الخطط الإصلاحية، بحيث تتضمن 4 محاور.

ونصت المبادرة على: مكافحة جائحة كورونا عبر المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار مرفأ بيروت ومعالجة تبعات الانفجار، والإصلاحات الهيكلية.

وأخيرًا طرحت المبادرة إجراء انتخابات نيابية مبكرة في مهلة سنة كحدٍّ أقصى وفق قانون انتخابي إصلاحي. 

لكن المبادرة لم تحظ بموافقة عون وحلفائه، الذين اعتبروها تدخلًا في الشأن الداخلي للبلاد، فيما وصفها حسن نصر الله بأنها “استعلاء” على لبنان.

شارك