العرب يهددون أميركا بالتحالف مع أعدائها!

أدانت إدارة بايدن تجاوزات حقوق الإنسان في دول الشرق الأوسط المصنفة حليفة للغرب، وطالبت واشنطن تلك الدول بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان، والكف عن إلصاق تهمة الإرهاب بأي معارض سياسي، وتوسيع هامش الحريات، ودعم حق المرأة في المساواة،  حتى لا تتكرر حالات هروب النساء للخارج، وما تثيره من فضائح.

كما طالبت واشنطن هذه الحكومات بالضغط على أجهزتها الأمنية لعدم القيام بتجاوزات أو تصرفات حمقاء بحق معارضيها، تجعل من الصعب على العالم القفز فوقها، لأن الاندماج مع العالم المعاصر لا يمكن حدوثه مع استمرار هذه الممارسات. 

وبدل أن يرى المثقفون العرب في هذا الموقف فرصة لمراجعة السياسات الداخلية والعمل على تخفيف التجاوزات، وتوضيح أن القبضة الأمنية لا تحقق الاستقرار على المدى الطويل، وأن السمعة الدولية عامل مهم سياسيا واقتصاديا، بدأوا بالبحث عن أنسب الطرق للرد على هذا التدخل في شؤون بلادهم الداخلية، ودعا بعضهم إلى تهديد الإدارة الأميركية بأن دولهم ستتّجه للتحالف مع أعداء الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين، إذا تابعت هذه الإدارة ضغوطها تلك. 

وكأن هذا موقف الإدارة الحالية فقط، وهذا غير دقيق، فجميع الإدارات الأميركية تتبنى وإن بدرجات متفاوتة الموقف نفسه من قضايا حقوق الإنسان، رغم أن بعضها كان يفضل طرح هذه المواضيع لحساسيتها في الاجتماعات المغلقة فقط، ولكن زيادة الممارسات القمعية لبعض الحكومات العربية، هو الذي جعل تلك الانتقادات تخرج للعلن.

كما أن دولا عديدة تشارك الولايات المتحدة موقفها هذا، بينها الدول الأوروبية وكندا وأستراليا، وحتى اليابان وكوريا الجنوبية، فقبل أيام دعت 31 دولة مصر إلى الكف عن تكميم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ورفع القيود على حرية التعبير والتجمع.

وقال متحدث أميركي، إن ذلك يقوض استقرار مصر كشريك للولايات المتحدة، والخروج عن هذه المجموعة الكبيرة والغنية ليس قرارا حكيما أو بعيد النظر. 

كما أن سياسة التحالف مع أعداء الولايات المتحدة التي يقترحها هؤلاء المثقفون ليست اختراعا جديدا فقد تبنّتها سابقا إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا، وانتهت من دول غنية إلى الحالة التي هي عليها اليوم.

كما سار عليها أردوغان عندما اعتقل عشرات الآلاف تحت ذرائع مختلفة، وانعكست سياسته تلك سلبا على وضع تركيا الاقتصادي ومكانتها الدولية، لذلك يحاول اليوم التودّد لكل دول الإقليم على أمل مساعدته في مقاومة الضغوط الأميركية، خصوصا مع المحاكمة المرتقبة في نيويورك لبنك خلق التركي بتهمة الالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران، وإيصال 20 مليار دولار إليها بعلم أردوغان. 

كما أن هذا التهديد لا يستند على معرفة حقيقية بموازين القوى العالمية، فالأطراف التي يهدد العرب بالتحالف معها كبديل عن الولايات المتحدة، ليست بهذه القوة، فحسب دراسة لمؤسسة الأبحاث والتطوير الأمريكية “راند”:  “لا تعتبر روسيا ندّا أو شبه ند للولايات المتحدة الأميركية، رغم أنها تسعى لتخريب نظام دولي ليس بإمكانها السيطرة عليه، فهي تعتدي على الدول المجاورة، وتغتال معارضيها في الداخل والخارج، وتحاول تدمير الديمقراطيات عبر الأطلسي.

ورغم أن روسيا قوية عسكريا، إلا أنها فقيرة اقتصاديا، ولذلك، لن تتمكن من زيادة قوتها العسكرية على المدى الطويل”، فالناتج الوطني الروسي يعادل ناتج كوريا الجنوبية، ويتكون من مواد خام مثل النفط والغاز والمنتجات الزراعية، بالإضافة إلى الأسلحة التي تنافس اعتمادا على رخص أسعارها، رغم تخلفها تقنيا كما اشتكى، نيكول باشينيان، رئيس الوزراء الأرمني مؤخرا، بينما يتكون الناتج الوطني لكوريا الجنوبية من المنتجات الصناعية المتطورة كالإلكترونيات والسفن والسيارات والصلب. 

وتابعت الدراسة أن الصين تشكل تحديا للولايات المتحدة لأنها أصبحت عام 2017 ثاني اقتصاد في العالم، ووصل ناتجها الوطني اليوم إلى 14 تريليون دولار مقابل 21.5 تريليون للولايات المتحدة.

ولكن التوسع الصيني يقتصر على محيطها الإقليمي، ولذلك هي في حالة عداء مع كل جيرانها من الهند وفيتنام وإندونيسيا وأستراليا وتايوان، حتى كوريا الجنوبية واليابان، وتتركز أهدافها خلال المرحلة المقبلة على استكمال ضم هونغ كونغ، وتهيئة الظروف التي تسمح لها بحصار وغزو تايوان، بينما تركّز سياستها الدولية على التغلغل الاقتصادي، بحيث يسكت العالم على ممارساتها القمعية في الداخل والتوسعية في إقليمها.

لكن استمرار النهوض الاقتصادي الصيني يرتبط بوجود علاقات حسنة مع الغرب، الذي يستورد أكثر من نصف الصادرات الصينية، وفيه توجد أكثر من نصف الاستثمارات الصينية الخارجية. 

وقبل بضع سنوات تحالفت بعض الدول العربية مع روسيا في بعض الملفات الإقليمية، مثل ليبيا والجزائر وسوريا من دون أن تتمكن من تحقيق الكثير من النجاح، وتظاهر تطابقها مع الموقف الروسي قبل أيام في الدعوة إلى عودة نظام الأسد للجامعة العربية، ومهاجمة قانون قيصر لحماية المدنيين، لأنه حمّل النظام السوري مسؤولية المأساة السورية.

“يرى الكونغرس أن أعمال بشار الأسد ضد الشعب السوري أدت إلى مقتل مئات الآلاف وتدمير أكثر من 50 في المئة من البنية التحتية الحيوية في سوريا، وشردت أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت بأكبر أزمة إنسانية منذ أكثر من 60 عاما”، ولذلك خلص القانون إلى فرض عقوبات على هذا النظام وعلى أي جهة تحاول تمويله. 

وردت الخارجية الأميركية على مهاجمة قانون قيصر: “الاستقرار في سوريا والمنطقة لا يمكن تحقيقه بدون عملية سياسية تشمل جميع السوريين، ونحن ملتزمون بالعمل مع الحلفاء والشركاء، والأمم المتحدة لضمان بقاء الحل السياسي في متناول اليد، والأزمة الإنسانية في سوريا هي نتيجة عرقلة نظام الأسد للمساعدات المنقذة للحياة والفساد المنهجي”.

كما رد مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، جوزيب بوريل، أن الاتحاد الأوروبي لن يرفع العقوبات المفروضة على سوريا قبل بدء الانتقال السياسي في البلاد، وبينما يعمل العرب الذين يعرفون قبل غيرهم طبيعة النظام السوري على محاولة إعادة تأهيله بالتحالف مع روسيا على حساب الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية.

ترتفع الأصوات حاليا في الكونغرس والدول الأوروبية للمطالبة بمحاسبة النظام السوري على الجرائم التي ارتكبها . 

ويبدو من بعض التصريحات العنترية التي تصدر من المنطقة العربية أن العرب لم يدركوا بعد أن عصر “سلاح النفط” قد شارف على نهايته، ولم يبق أمام هذه السلعة كمصدر رئيسي للطاقة سوى بضع سنوات، وأن أميركا أصبحت منذ بضع سنوات أكبر منتج للنفط، وأن المستوردين الرئيسيين لنفط الشرق الأوسط هم الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

كما إن حجم الصناديق السيادية العربية يتقلص باستمرار، ورؤية 2030 لا يمكن تحقيقها على المستويات الاقتصادية والصناعية والسياحية والتعليمية والثقافية عبر التحالف مع الدول المارقة. 

كما أن توظيف مكاتب علاقات عامة ومراكز أبحاث لتحسين صورة هذه الدول عند الرأي العام الأميركي والعالمي، من دون أن يترافق ذلك مع خطوات على الأرض لمراعاة حقوق الإنسان، لن يكتب له النجاح، فالعالم صغير ومفتوح ومن الصعب إخفاء الواقع.

والأهم من كل ذلك أن على العرب التأقلم مع فكرة وجود معارضة في بلادهم، مثل بقية دول العالم، لأن وجودها لا يهدد استقرار الدول، بل يكشف أماكن الخلل فيها، ويصوّب سياساتها، ومقولة أن كامل الشعب يقف خلف القيادة الحكيمة والرشيدة، هي حالة لم يعد يقبلها عالم اليوم، لأنها ببساطة كاذبة، ولا حاجة للتأكيد بأن المعارضة المقصودة لا تشمل الإرهابيين، ومن يكفرّون المجتمع، أو أصحاب الخطاب الطائفي الذي يهدد الوحدة الوطنية. 

الدكتور/ عماد بوظو

طبيب وكاتب سوري أميركي، مهتم بالواقع السياسي و الثقافي و التاريخي في الشرق الأوسط والسياسة الدولية.

المصدر: الحرة

شارك