“الإخوان المسلمون” والمصالحة الوطنية في السودان (1)

دعا رئيس حركة تحرير السودان، منى أركو مناوي، في مؤتمر صحفي عقده بالخرطوم في السادس من فبراير شباط الماضي إلى ضرورة إجراء مصالحة وطنية شاملة لا تستثني طرفًا بما في ذلك حزب المؤتمر الوطني (الفرع السوداني لجماعة الإخوان المسلمين) الذي تم حله في أعقاب ثورة شعبية أطاحت بنظام الجماعة الاستبدادي الذي سيطر على مقاليد الحكم لثلاثة عقود.

قال مناوي إنه ما من دولة مرَّت بالتجربة التي يمر بها السودان حاليًا إلا وعقدت مصالحة وطنية حتى تستطيع السير إلى الأمام في تحقيق الاستقرار، وجاء بأمثلة لذلك من تجارب جنوب أفريقيا ورواندا وغيرهما.

وأوضح مناوي في تبريره لضرورة إشراك الحزب المحلول أن الأخير سيعرقل مسيرة الحكم مبينًا أنه كلما سأل عن أسباب مشكلة تتعرض لها البلاد قالوا له أنها من صنع فلول النظام البائد فخلص إلى ضرورة التصالح معهم.

رغم ظلال الشك الكثيفة التي تحوم حول توقيت الدعوة لإجراء المصالحة مع الإخوان، إذ أنها تجئ في وقت تعمل فيه فلول النظام البائد في جميع الاتجاهات وتطرق كل السبل لإجهاض الفترة الانتقالية حتى تدخل البلاد في فوضى شاملة مثلما حدث في بلاد مرت بتجارب شبيهة بالتجربة السودانية، فإننا سنعمل على مناقشتها بموضوعية تامة.

بادئ ذي بدء نقول إنه ما من شخص عاقل يرفض أي عملية تنادي بالتصالح المفضي إلى استقرار الحكم في بلد مضطرب مثل السودان عانى من ويلات الحروب والقمع والاستبداد وأضاع فرصًا ذهبية لتحقيق التنمية والنهوض، ولكن قبل الحديث عن المصالحة الوطنية لا بد من الإشارة لمطلوبات مسبقة واجبة التحقق حتى لا تتحول المصالحة إلى “حصان طروادة” لهزيمة شعارات الثورة: الحرية والسلام والعدالة.

أول هذه المطلوبات هو “الاعتذار” عن العسف والبطش الذي مارسته الجماعة على الناس والجرائم التي ارتكبتها خلال 30 عامًا من الحكم والتي دفع الشعب السوداني ثمنها غاليًا من المهج والأرواح والدماء، وهو أمر طبيعي تم في جميع التجارب التي ذكرها السيد مناوي فقد اعتذر دي كليرك رئيس جنوب أفريقيا الأسبق عن سياسة التمييز العنصري، وفي رواندا اعتذر المتورطون في جرائم الإبادة الجماعية لذوي الضحايا.

في رسالة شهيرة بعثها الأستاذ المحبوب عبد السلام لأستاذه الدكتور حسن الترابي زعيم جماعة الإخوان المسلمين والأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي جاء الآتي: (الأعراف السياسية المعاصرة تؤكد أن من اقترف خطأً كبيرًا في السياسة ويعترفُ به يعمد رأسًا الى الاعتذار والاعتزال، وهو ما لم يقع عند تأسيس المؤتمر الشعبي رغم اعتراف قادته في ندوات عامة بالأخطاء التي واكبت الحركة، منذ تأسيسها).

أثارت رسالة التلميذ غضب أستاذه الذي رفض الاعتذار عن خطأ الانقلاب العسكري على الحكومة الشرعية المنتخبة حتى رحل عن الدنيا الفانية، وقد تتبَّع كاتب هذه السطور أحاديث الترابي وحواراته الصحفية وبيانات حزبه ولم يجد فيها اعتذارًا واضحًا عن ذلك الخطأ بل محاولات دائمة للتهرُّب من المسؤولية وتبرير الانقلاب بشتى السبل.

صعوبة تقبل فكرة الاعتذار تتمثل في تعارضها مع فكرة الحق الشخصي، وهي تزداد صعوبة مع الأفراد أصحاب الشخصيات المتضخمة، والشخص الذي يرفض الاعتذار هو في الواقع ضحيَّة ثقافة معلولة قائمة على اليقينيات والجزم والرأي الواحد والاتجاه الواحد.

إن تحاشي فكرة الاعتذار يُسلط ضوءً كاشفًا على نهج الاستعلاء على الشعب الذي ينشأ ويتربى عليه كادر الإخوان المسلمين. وبما أن المعروف عن الترابي حرصه الشديد على اختيار الألفاظ ودلالاتها، فهو لم ينطق بكلمة اعتذار نهائيًا بل ظل يتوارى خلف مفردات من شاكلة العفو والغفران، يطلبه من الله وليس من الشعب المظلوم.

قال الترابي في إحدى مخاطباته لطلاب حزبه: (أسأل الله أن يغفر لنا، مرت علينا كل الدورات، وبلغتُ من العمر عتيًاـ والمستقبل لكم عليكم الاستعداد).

إن طلب المغفرة والعفو من الله أمرٌ مرغوب في كل الأوقات ولكنه شأن يخصُّ طالب العفو في علاقته مع الخالق، أما الجانب الذي يجب أن يعتذر عنه الشخص فهو موضوع مرتبط بأخطاء مباشرة في حق الناس، ذلك أن الاعتذار في أصله تعبير عن الشعور بالندم أو الذنب على فعل أو قول تسبب في ألم أو إساءة لشخص أو جماعة أخرى وذلك بطلب العفو من الذي تأذى بذلك.

الاعتذار ليس قيمة غير ذات جدوى بل هو ضرورة ومطلب أساسي للتعافي الفردي والجماعي، وهو يعني الاقتناع التام بأن هناك خطأ ينبغي تصحيحه وبالتالي فإن نوع الاعتذار لا بد وأن يقترن بنوع الخطأ وحجمه.

إن اعتذار السياسي (فردا أو جماعة) يعتبرُ أمرًا في غاية الأهمية لأنه يرتبط بالمصلحة العامة والشأن الوطني، وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل السياسي يُفكر مليًا قبل أن يُقدم على أي تصرف قد يجر بلاده إلى فتن ونزاعات لا تحمد عقباها.

أما السياسي الذي يزدري الشعب في قرارة نفسه ويتعالى عليه فلا يأبه بقيمة الاعتذار لأنه يفترض أن الناس لا يستحقون ذلك وأن بإمكانه ارتكاب الخطأ تلو الآخر دون أن يؤثر ذلك على وضعه ومكانته ودون أن تترتب على ذلك أية مسؤوليات.

ذلك ما كان من أمر الأب الروحي للجماعة، أما الجنرال المخلوع، عمر البشير، الذي تربع على عرش الحكم لثلاثين عامًا حسومًا فقد عبَّر بصراحة تامة عن موقف الجماعة التي يريد البعض التسويق للمصالحة معها وذلك عندما قال للمتحري في قضية تدبير انقلاب 30 يونيو حزيران 1989 الشهر الماضي أنه “غير نادم على أي شيء قام به!”

قد اعترف هذا الجنرال البائس في تسجيل موثق أن نظامه قتل 10 آلاف شخص في دارفور (الأمم المتحدة تقدر عدد الضحايا بـ300 ألف شخص)، كما أنه شرَّد الملايين في معسكرات النزوح واللجوء.

كذلك ارتكبت أجهزة أمن نظامه من المآسي ما يشيب له رأس الطفل الوليد ودوننا معاناة المعارضين السياسيين في سجونه المعروفة باسم “بيوت الأشباح”، إضافة لتصفية عشرات المواطنين العزل بدم بارد في مجازر كاجبار وبورتسودان ومعسكر العيلفون فضلًا عن قتل المئات خلال هبة سبتمبر أيلول 2013  وثورة ديسمبر كانون الثاني المجيدة وغير ذلك من المآسي المحفوظة في ذاكرة الشعب والتاريخ.

من ناحية أخرى، فإننا لم نقرأ حتى الآن بيانًا للحزب المحلول أو تصريحًا لأحد قادته يعتذر فيه للشعب السوداني عن الفظائع التي ارتكبت طوال الثلاثة عقود الماضية، مما يعني أن الجماعة لم تدخل بعد في مرحلة التعافي التي وقعت في تجارب جنوب أفريقيا ورواندا وغيرها، إذ أن الندم المقترن بالاعتذار هما شرطان أساسيان للتعافي لأنهما يستبطنان إدراك المخطئ للخطأ الذي ارتكبه وعزمه الأكيد على تصحيحه.

أما وقد ثبت من الأمثلة أعلاه أن الجماعة غير راغبة أو مستعدة للسير في طريق التعافي الذي يبدأ بالاعتذار للشعب عن الويلات التي أصابته خلال حقبة حكمها، فإن أي دعوة للمصالحة ستعني بالضرورة إجهاض الشعارات التي طالبت الثورة بتحقيقها وهو الأمر الذي سيتضح بجلاء عند مناقشتنا للمطلوبات الأخرى.

شارك