تصعيد أميركي قضائي ضد تركيا

مضى على تولي الرئيس الأميركي، جو بايدن، شهرين ولا اتصال بينه وبين نظيره التركي، رجب طيب أردوغان. الصمت الرئاسي رافقه تصعيد قضائي أميركي في ملفات كانت أبطأتها الإدارة السابقة، وبدأت بتحريكها الإدارة الجديدة.

أردوغان في 2016 كان من أول المتصلين بالرئيس السابق دونالد ترامب على هاتفه الخاص مهنئًا في الليلة التي تلت انتخابه. الاتصالات استمرت من المكتب البيضاوي وحاك فيها الرجلان صفقات حول الشمال السوري، تأخير عقوبات “كاتسا” المرتبطة بمنظومة إس-400 الروسية، وطلب مباشر من أردوغان لصديقه الرئيس السابق بتعطيل الملاحقة القضائية للعملاق المصرفي التركي هالكبانك لتحايله على العقوبات الأميركية.

أربع سنوات من المقايضات الجانبية أدارها أردوغان مع ترامب رغم تدخل المستشارين، انما فشل فيها الرئيس الأميركي السابق من كبح استقلالية القضاء، ووقف عقوبات كاتسا التي جاءت في الأسابيع الأخيرة قبل مغادرته، إنما نجح في تشريع أبواب الشمال السوري ومن فيه أمام تركيا والمجموعات الموالية لها.

اليوم، ومع انتقال ترامب إلى منتجع “مارا لاغو” وبحثه عن صفقات جديدة مع ناشرين ومؤسسات إعلامية، يواجه أردوغان واقعًا قضائيًا جديدًا في الولايات المتحدة يمليه القضاء الأميركي وليس وعودًا مالية للرئيس أو مستشاريه.

هذا الواقع الجديد كانت أبرز عناوينه الأسبوع الفائت بإرسال وزارة العدل الأميركية وفي اليوم نفسه الذي تولى فيه ماريك غارلاند منصب الوزير، مذكرة قضائية من 18 صفحة لمحكمة العاصمة واشنطن الفدرالية تقتضي بضرورة الالتزام بالعرف بأن عناصر أمنيين مواليين لأردوغان لا يتمتعوا بحصانة، ويمكن إدانتهم بالاعتداء على متظاهرين سلميين خارج البيت الأبيض في 2017. 

في وزارة الدفاع الأميركية وأيضًا الأسبوع الفائت، رفع المحقق القضائي في الوزارة تقريرا للجيش حول تلقي مستشار الأمن القومي السابق مايك فلين أموالا من جهات خارجية بينها تركيا وروسيا، وما هو مخالف لقوانين الجيش الأميركي حتى بعد تقاعد الجنرال السابق.

طبعا فلين هو من المقربين من ترامب منذ الحملة ثم بانتقاله إلى البيت الأبيض، ثم بإدانته بالكذب على الـ”إف.بي.أي” حول اتصالاته مع روسيا، وصولًا إلى عفو ترامب عنه في ديسمبر كانون الثاني الفائت قبل أسابيع من مغادرة الرئاسة. 

تقرير الجيش بما قام به مستشار ترامب وإمكانية تلقيه أموالًا من تركيا يجر أنقرة واللوبي التركي في واشنطن إلى تحقيق دفاعي، يضاف إلى مشاكلها مع البنتاغون من وقف صفقة الأف-35 إلى عقودها مع الجانب الروسي وتحركاتها الإقليمية.

بالتزامن مع ذلك، تحرك رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ، رون وايدن، الأسبوع الماضي أيضًا، بحض وزارة العدل على فتح تحقيق بتدخل ترامب نيابة عن أردوغان لإسقاط الدعوى ضد هالكبانك في نيويورك.

ترامب طرد المحقق جيفري بيرمان في القضية في يونيو الفائت، إنما هذا لم يوقف الدعوى. رسالة وايدن إذا لم تفتح تحقيقًا جديدًا من شأنها تحصين القضية ضد المصرف التركي.

هذه التحركات القضائية الأميركية في أسبوع واحد تعكس مناخًا قاتمًا يواجهه أردوغان في الداخل الأميركي، ويفاقمه الصمت السياسي وتأخر الاتصال بينه وبين بايدن.

طبعًا تركيا لواشنطن هي شريك في قضايا محورية بينها أفغانستان وليبيا، إنما شهر العسل والامتيازات التي منحها ترامب لأردوغان تبخرت اليوم، أمام فريق جديد يمارس الـ”ريلبوليتيك” ويعطي أولوية لاستقلالية القضاء الأميركي وفصل السلطات بخلاف تطلعات أردوغان.

جويس كرم

 كاتبة وصحافية مقيمة في واشنطن وتتابع الشأن الاميركي داخلياً وخارجياً منذ 2004، وأستاذة محاضرة في جامعة جورج واشنطن الأميركية.

المصدر: الحرة

 

شارك