موقع أسترالي: بعيدًا عن تيغراي.. لماذا يندلع العنف في غرب إثيوبيا؟

كتب تسيجا أتيفا، الأستاذ المساعد في مجال التاريخ بجامعة كولجيت الأمريكية، تقريرًا، سلَّط فيه الضوء على الدوافع التي تقف وراء أعمال العنف والهجمات الوحشية التي نُفِّذت مؤخرًا في إقليم بني شنقول–جومز، أحد أكثر أقاليم إثيوبيا وعورة وفقرًا.

التقرير الذي نشره موقع “ذا كونفرزيشن” الأسترالي، الجمعة، قال إن هناك عدة عوامل لاندلاع ذلك العنف من أبرزها الانقسامات الإثنية بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة، بالإضافة إلى بناء سد النهضة، محل النزاع بين عدة دول، على أراضيها.

الكاتب بدأ حديثه بالإشارة إلى أنه في الوقت الذي يُركِّز فيه العالم على الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب بين الحكومة الإثيوبية الفيدرالية و”جبهة تحرير شعب تيجراي” في شمال إثيوبيا، وقعت عدة هجمات وحشية في منطقة ميتيكل بإقليم بني شنقول-جومز، الذي يقع في غرب إثيوبيا بمحاذاة السودان.

يقول التقرير إن هناك عدة أسباب تقف وراء أعمال العنف في الإقليم، من بينها ادِّعاء ولاية أمهرة الإثيوبية المجاورة سيادتها على منطقة ميتيكل، وسعيها للحصول على حقها في إدارة المنطقة لأنها تستهدف السيطرة على الرواسب المعدنية في المنطقة والأراضي الصالحة للزراعة.

لكن أهالي منطقة ميتيكل، بما في ذلك غالبية سكان إقليم بني شنقول-جومز، يعارضون احتلال ولاية أمهرة للمنطقة.

كما إن بناء سد النهضة الإثيوبي على أراضي منطقة ميتيكل، يضيف الكاتب، ربما يكون أحد أسباب اندلاع أعمال العنف في الإقليم؛ لأنه يُمثل تعارضًا مع مصالح السودان ومصر، اللتين تعترضان على ملء خزان السد.

بالإضافة إلى ذلك قد يرجع السبب في شن الهجمات الوحشية في الإقليم إلى وجود أطراف محلية أخرى غير راضية عن تشكيل الائتلاف الجديد الحاكم في إثيوبيا بقيادة حزب الرخاء. 

أعمال عنف وقتلى

ولفت التقرير إلى أن الهجمات الوحشية التي وقعت في الإقليم أسفرت عن مقتل الآلاف ودفنهم في مقابر جماعية، وأُجبر آخرون على الفرار، وترك منازلهم التي أُضرمت فيها النيران ونُهبت ممتلكاتها. 

وتشرد أكثر من 100 ألف شخص ونزح سبعة آلاف شخص إلى السودان. ولا يحصل عددٌ من هؤلاء الذين ما زالوا يعيشون في المنطقة على أي مساعدات إنسانية.

الكاتب ركز على الهجمات، التي شنتها الميليشيات المسلحة المنتمية تحديدًا إلى قبائل جومز ضد المجموعات العِرقية الأخرى، مثل الأورومو والأمهرة وإثنية شناشا وأوي في منطقة ميتكل، والتي تصاعدت في سبتمبر أيلول 2020 واستمرت حتى مارس آذار 2021.

وتعد إثنية الجومز إحدى المجموعات العِرقية الأساسية في ميتيكل.  وفي الوقت الراهن، يُرجِّح بعض المراقبين أن ترقى الفظائع التي ارتُكبت في منطقة ميتكيل إلى “أبعاد محرقة“. 

مطالبات ولاية أمهرة

ويرسم الكاتب خريطة للتركيبة السكانية لمنطقة ميتيكل، التي تعد واحدة من ثلاث مناطق في إقليم بني شنقول–جومز، ولها حدود مع ولايتي الأمهرة، وأوروميا، ودولة السودان.

وتتكون التركيبة السكانية، وفق التقرير، من مجموعات عِرقية أساسية، وهم: الجومز، والأورومو، والأوي، والأمهرة، وإثنية شناشا. وتسيطر عِرقية الجومز وشناشا، ضمن الترتيب السياسي الفيدرالي، على الدوائر الست في هيكل الإدارة المحلية للإقليم.

أما المجموعات العِرقية الأخرى فليست ممثلة تمثيلًا جيدًا في إطار القيادة المحلية للإقليم.

المنطقة شهدت جرائم تصل إلى حد المحرقة.

ويتذكر الكاتب أنه عندما كان يقوم بعمل ميداني لكتابه حول العلاقات بين الأعراق في منطقة ميتيكل في عام 2003، كان الناس من المجموعات العِرقية المختلفة مجمعين على رغبتهم في التعايش السلمي.

لكن بعد 18 عامًا، أثَّر التهميش والإقصاء العِرقي، وسوء الإدارة وغياب الآليات الديمقراطية العملية تأثيرًا كبيرًا على العلاقات المجتمعية داخل المنطقة.

استيلاء على أراضي الإقليم

وينقل التقرير عن موفريات كامل، وزيرة السلام في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية، أن “المنطقة حاليًا أصبحت نقطة اتصال تتلاقى فيها مجموعات المصالح المختلفة”.

وتضم مجموعات المصالح عدة أطراف، من بينها ولاية أمهرة المجاورة التي تدَّعي ملكيتها لمنطقة ميتيكل. وقد اكتسب هذا الادِّعاء زخمًا بعد وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة في أبريل نيسان 2018.

وألمح التقرير إلى أن ولاية أمهرة الإقليمية ونشطاء الولاية يقولون إن منطقة ميتيكل أُدرجت قسرًا ضمن ولاية بني شنقول-جومز الإقليمية بعد وصول الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية إلى سدة الحكم في البلاد عام 1991.

وكانت مطالبة ولاية أمهرة بأحقيتها في ملكية منطقة ميتيكل بالكامل سببًا في تغذية وتأجيج الهجمات التي نفذتها ميليشيات تنتمي لعِرقية جومز ضد غير المنتمين لعِرقيتهم في إقليم بني شنقول-جومز.

وتريد الميليشيات حماية حكم جومز للإقليم والذي دام 30 عامًا في المنطقة من الوقوع تحت سيطرة عِرقية الأمهرة.

وزادت مؤخرًا وتيرة الهجمات بسبب عمليات الاستيلاء على أراضي المنطقة التي تنفذها الأمهرة وغيرهم من المستثمرين من غير السكان الأصليين، الذين يريدون السيطرة على قطاعي الزراعة والتعدين في المنطقة.

ونزح عديدٌ من عِرقية الجومز إلى أماكن أخرى بسبب عدم رضاهم عن توظيف المستثمرين لعمال من خارج الإقليم لمساعدتهم في مخططاتهم لاحتلال المنطقة الغنية بالموارد مثل الذهب والرخام، إلى جانب أن أراضيها الزراعية تمتاز بخصوبتها.

الأمهرة يطمعون في الاستيلاء على أراضي الإقليم.

تضارب المصالح الإقليمية

ويضيف التقرير: “بخلاف ذلك هناك أيضًا أسباب أخرى يجب مراعاتها – ومنها مصالح مصر والسودان في هذه المنطقة، التي يُبنى عليها سد النهضة الإثيوبي. ويعارض كلا البلدين مخططات إثيوبيا للتعبئة الثانية لخزان سد النهضة من دون مفاوضات”.

ويقع سد النهضة في مدينة جوبا، إحدى المدن الست في منطقة ميتيكل. وتعد مدينة جوبا أقرب منطقة إلى السودان.

وفي هذا الصدد أعلنت كلٌ من مصر والسودان أن السد يُؤثر على تدفق مياه النيل إلى بلادهما. وقد بدأت إثيوبيا في ملء خزان السد، الذي اكتمل بنسبة تربو على 70 بالمئة، في يوليو تموز 2020 وتستعد للتعبئة الثانية في يوليو تموز المقبل.

وأدَّت مطالبة السودان الأخيرة بملكيتها لمنطقة ميتيكل ومدينة جوبا تحديدًا في إصابة المنطقة وسكانها بالصدمة. ويأتي هذا الادِّعاء من الاعتقاد أن مدينة جوبا أهداها خليفة عبد الله، زعيم الثورة المهدية في السودان في عام 1897 إلى منليك الثاني إمبراطور إثيوبيا (1889-1913). ورُسِّمت الحدود بين إثيوبيا والسودان في عام 1902. 

من ناحية أخرى، تنظر مصر إلى سد النهضة على أنه تهديد كبير لأمنها الغذائي؛ لأن النيل الأزرق، الذي ينبع من إثيوبيا، يمد نهر النيل بما يصل إلى 80 بالمئة من المياه. واتَّهمت إثيوبيا كلًا من السودان ومصر بالوقوف وراء دعم ميليشيات الجومز، التي تشن الهجمات الأخيرة، لتعريض بناء السد ومخطط ملء خزانه للخطر.

أسباب محلية

أما السبب الأخير، بحسب التقرير، فقد أقر مسؤولو الحكومة المحلية في إقليم بني شنقول-جومز بتنظيم عمليات قتل واستهداف العِرقيات الأخرى في منطقة ميتيكل ردًا على الائتلاف الجديد الحاكم بقيادة حزب الرخاء، الذي يتزعمه رئيس الوزراء آبي أحمد، والذي حل محل الائتلاف الحاكم السابق في إثيوبيا، الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية.

وفي السياق ذاته، يعتقد المسؤولون في الإقليم أن حزب الرخاء، الذي ينتمون إليه حاليًا، يريد إلغاء الترتيبات الفيدرالية الموجودة التي تضمن الحكم الذاتي للمجموعات العِرقية في البلاد.

وتحظى قومية الجومز بالسيطرة الإدارية على منطقة ميتيكل. لكن إذا غيَّر حزب الرخاء الترتيب الفيدرالي العِرقي، فسيؤثر ذلك تأثيرًا كبيرًا على مصالح عِرقية الجومز ذات الأغلبية في إقليم بني شنقول-جومز.

آبي أحمد يسعى لإلغاء الحكم الذاتي للأقاليم.

وحرض المسؤولون المحليون، وفق الكاتب، على شن هجمات على السكان من غير عِرقية الجومز، الذين شعروا أنهم ستكون لهم اليد العليا في إدارة منطقة ميتيكل إذا تغير الترتيب الفيدرالي الحالي.

في النهاية، خلُص الكاتب إلى أن أعمال العنف التي اندلعت في غرب إثيوبيا يقف وراءها مزيج من المصالح المحلية والإقليمية والوطنية، وربما الخارجية.

خطوة إلى الأمام

وأكد الكاتب على أن منطقة ميتيكل وُضِعت تحت قيادة مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام رئيس الوزراء الإثيوبي. لكن الهجمات والتوترات لم تزل في تصاعد مستمر. وربما تكون أعمال العنف ذات دوافع إثنية، لكن هذا صراع سياسي في الصميم – كما يرى الكاتب.

ويختتم الكاتب تقريره بالتأكيد على ضرورة التعامل مع ادِّعاءات ولاية الأمهرة من خلال الأدوات الدستورية وليس بالقوة.

هذا إلى جانب التأكيد على وجوب حماية جميع الجماعات الإثنية في منطقة ميتيكل ومعالجة جميع قضاياهم قانونيًّا.

وقال إنه ينبغي السعي لإيجاد حل للخلاف الدبلوماسي مع السودان ومصر من خلال الحوار، ويجب أن تسير مفاوضات السد بصورة ودية بين جميع الأطراف.

شارك