سلطنة عُمان.. الوسيط الصامت الذي يستمد دبلوماسيته من الجغرافيا

خاص-جوبرس

في العام 2012، بدأت أول مباحثات سريَّة بين الولايات المتحدة وإيران، ولم يكن ذلك في جزيرة نائية ولا فوق حاملة طائرات تطفو فوق مياه الأطلسي، ولا على متن لأحد الأثرياء، إنما كان في مسقط، عاصمة سلطنة عمان.

امتدت المفاوضات السريَّة فترة غير معروفة، قبل أن تظهر للعلن، ويتم توقيع الاتفاق، لكن عمان ظلَّت صامتة لم تتحدث ولم تدفع وسائل الإعلام التابعة لها للحديث عن “الدور الاستراتيجي” أو “قوة الدبلوماسية”، أو غير ذلك من الأمور التي تحرص عليها الدول التي تستعيض بالضجيج عن شحِّ الانتصارات.

صمت عُمان لم يكن ترفعًا ولا تواضعًا ولا زهدًا في “الشو”، إنما كان جزءًا من سياسة “إعمل ودع الآخرين يتلقطون الصور التذكارية” التي تنتهجها السلطنة منذ أكثر من نصف قرن.

الأمر نفسه تكرر عندما لم يحضر السلطان هيثم بن طارق قمة “العلا” التي أخذ فيها قادة دول مجلس التعاون الخليجي “الصورة التذكارية”، رغم أن المصالحة جرت بوساطة عُمانية-كويتية، وبتوجيه من الولايات المتحدة.

القدرة على العمل في صمت هي التي جعلت ذلك البلد، قليل الصخب، وسيطًا موثوقًا به من كافة الأطراف الدولية والإقليمية؛ إذا لا تسريبات ولا “مصادر مطلعة” ولا “مسؤول رفض الكشف عن هويته”.

هذه السياسة، منحت السلطنة، محدودة الإمكانات، مكانة مهمة في المنطقة؛ بعد أن استعاضت عن الإمكانيات بالموهبة.

السلطان الراحل قابوس بن سعيد حكم البلاد خمسين عامًا وأسس مبدأ النأي عن الصراعات

من القبلية إلى الدولة

في الثالث والعشرين من يوليو تموز سنة 1970 أطاح السلطان الراحل قابوس بن سعيد، الذي كان قائدًا للجيش آنذاك، بوالده سعيد بن تيمور.

تولى قابوس حكم البلاد، فيما ذهب والده إلى منفاه في لندن حيث توفي بعد عامين من عزله، ودفن هناك.

منذ لحظة توليه الحكم، صدَّر قابوس بن سعيد صورة الرجل الذي لا يحب صناعة الإعداء، فقد احتوى المتمردين الشيوعيين فيما عرف بـ”ثورة ظفار“، وأعاد هيكلة المجتمع على نحو يمكن وصفه بالتصالحي.

تبنَّى قابوس بن سعيد سياسية خارجية قامت على عدم معاداة أحد أو التدخل في شؤون أحد. واحتفظ بعلاقات مع كافة الأنظمة حتى التي ثارت عليها شعوبها.

بعد تنحي الرئيس الراحل حسني مبارك، ظل قابوس بن سعيد على اتصال به، كما إنه خفَّض علاقاته مع الرئيس السوري بشار الأسد، كنوع من الالتزام بموقف مجلس التعاون، لكنه لم يقطعها.

العلاقة الوحيدة التي قطعها سلطان عمان الراحل كانت مع العراق، وذلك لأن الأخير احتل دولة من دول مجلس التعاون، التي تعتبر كلها كيانًا واحدًا.

أما علاقات مسقط مع “تل أبيب” فمن الصعب تحديد شكلها، لكن يمكن القول إنها واحدة من أسرار السلطنة الكثيرة.

حاليًا، ينتهج السلطان هيثم بن طارق، سياسة سلفه، تقريبًا. فهو يتحرك أكثر مما يتكلم، وهو ما جعل مسقط محطًّا لوزراء خارجية الخليج، بلا استثناء خلال الشهرين الماضيين.

لا تشغل السلطنة مساحة كبيرة في نشرات الأخبار، ولا تريد ذلك، فهي دولة صغيرة (حوالي 310 آلاف كيلومتر مربع)، لكنها هادئة وبلا مشاكل تقريبًا، رغم أن بها معارضة يتم إسكاتها بشكل أو بآخر.

السلطان هيثم بن طارق يسير على نهج سلفه قابوس بن سعيد

لا تمتلك عُمان ثروة نفطية ضخمة كجاراتها؛ فهي تنتج أقل من مليون برميل في اليوم (966 ألف برميل إنتاج يناير كانون الثاني الماضي).

وهي تعتمد في جزء من اقتصادها على السياحة (في 2019 وصل عدد السياح إلى 3.50 مليون سائح) وصيد الأسماك، حيث بلغ إنتاجها في أكتوبر تشرين الثاني 2020 نحو 608 آلاف كيلو، وفق سعود بن حمود الحبسي وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه.

ورغم هذه الإمكانيات المحدودة، فإن السلطنة تمتلك وزنًا دبلوماسيًا يفوق كافة دول الخليج، كونها تعرض سلعة لا يملكها الآخرون، وهي العلاقات الطيبة مع الجميع، بمن فيهم دولة الاحتلال.

وعندما انطلق قطار التطبيع من أبوظبي مرورًا بالمنامة ووصولًا إلى الخرطوم، أعلنت مسقط رسميًا أنها لا ترفض هذا الأمر ولا ترحب به، وقالت إنها مع السلام وأيضًا مع إقامة دولة فلسطينية، أي أنها مع الشيء وضده.

وقد لعب السلطان الجديد دورًا في تحريك مياه الأزمة الخليجية التي ظلَّت راكدة لثلاث سنوات، وهو يلعب حاليًا دورًا مهمًا في محاولات إحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي مزَّقه دونالد ترامب عام 2018.

ففي فبراير شباط الماضي، أعرب وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، عن استعداد بلاده للمساعدة في إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، الذي قال إنه أعظم إنجاز أمريكي في المنطقة.

ونقلت وكالة “رويترز”، عن البوسعيدي، أن مسقط “تتمتع بعلاقات طيبة للغاية مع كل من طهران وواشنطن، ومستعدة للمساعدة إذا لزم الأمر”.

ومع تصاعد الخلاف بين الإدارة الأمريكية الجديدة وطهران، وظهوره في شكل صواريخ ومسيَّرات حوثية (إيرانية الصنع) على سماء السعودية، توافد وزراء خارجية دول الخليج على السلطنة واحدًا بعد الآخر، بحثًا عن تهدئة ليست سهلة، على ما يبدو.

هذه الزيارات أعقبها انفتاح فعلي الحوار بين الموقعين على اتفاق المصالحة، وقد تمثل هذا في تقارب متسارع، وإن كان حذرًا بين قطر وكل من مصر والإمارات والبحرين.

كما زار وزير خارجية تركيا السلطنة، قبل أيام من حديثه علنًا على نيَّة بلاده لتصحيح مسار العلاقات مع مصر والسعودية والإمارات، ما يشي بأن مسقط لها دور أيضًا في هذا المسار.

أهمية عُمان

أهمية عُمان في ملف إيران وغيرها من ملفات المنطقة ليست فقط نابعة من كونها وسيط صامت وأمين على الأسرار، لكنها أيضًا تنبع من أسباب سياسية واستراتيجية وأخرى تتعلق بالمذهب الديني؛ فهي دولة “إباضية”، أي أنها تنتمي لـ”الخوارج”، وفق توصيف أهل السنَّة والجماعة الذين تمثل لهم الرياض عاصمة دينية.

وفي ظل الهيمنة المتزايدة للمملكة العربية السعودية والتي تعتمد على التحشيد المذهبي بالأساس، إلى جانب المال، تعزز الهوية المذهبية التقارب بين عُمان وإيران، وتحول دون مسايرة السلطنة لمحيطها الخليجي (السنِّي) بشكل كامل في كل قراراته.

ورغم أنه “إباضي”، إلا أن قابوس بن سعدي نجح  في التعايش مع محيطه السنِّي، عبر النأي بنفسه عن أي خلاف مهما صغر، والانخراط في أي محاولة توفيق مهما كبر. وعلى نهجه سار هيثم بن طارق.

لذا، ظلَّت الاستقلالية سمة عمان التاريخية وضمانة بقائها أيضًا، وقد حرص حكامها على صونها رغم صعوبة الاختبارات التي شهدتها الأنظمة السياسية خلال العشرية الماضية.

وبعيدًا عن المذهب، تمتلك عمان موقعًا حظي بالأهمية عبر قرون، خاصة وأنها تقع على نقطة مهمة من مضيق هرمز، الذي تعبر منه 90 بالمئة من التجارة العالمية بما فيها مواد الطاقة، وقد مكنَّها هذا الموقع الجيوسياسي من بناء علاقات متينة مع دول الغرب.

الموقع الجغرافي للسلطنة يمنحها دورًا مهمًا في تأمين حركة الملاحة بمضيق هرمز، وهي أيضًا كما أنها تمتلك ميناء “الدقم” على المحيط الهندي، والذي قد يلعب دورًا حاسمًا في وقت الحرب؛ كونه بعيدًا عن مضيق هرمز وعن الخليج العربي، بحيث يصعب على إيران استهدافه، لأنه طريق إمداد يتصل مباشرة بالسعودية.

ويمكن أن تستخدم الولايات المتحدة ميناء “الدقم” العماني في حال حدث أي تطور عسكري مع إيران. وهناك إسناد مشترك بين القيادة الوسطى الأمريكية وسلطنة عمان.

وفي مارس  آذار 2014، وقعت السلطنة اتفاقية مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تسمح للولايات المتحدة بالاستفادة من موانئ ومطارات السلطنة، خاصةً مينائي الدقم وصلالة.

وتمنح هذه الموانئ الولايات المتحدة ميزة كبيرة وتُحسّن وصولها إلى الموانئ عبر طرق برية. كما يمكن استخدام قواعد السلطنة ومطاراتها كمركز متعدد المهام يقدم خدمات الدعم الجوي والبحري، في أي مواجهة.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة 5 قواعد في السلطنة وأكثر من 24 موقعًا عسكريًا بإمكانها استخدامها وقت الضرورة.

وفي قاعدة “مصيرة” الجوية التي تتمركز فيها قاذفات “بي-1” وطائرات التزود بالوقود، وقاعدة “ثمريت” التي تقع على أكثر من 3000 متر مربع.

كما أن التعاون بين الجانبين وثيق جداً لتأمين إمدادات الطاقة من الخليج إلى الغرب، وهي مواد لها أهمية قصوى بالنسبة للجيش الأمريكي.

وثمة اتفاق عسكري بين الطرفين يسمح للقوات الأمريكية باستخدام موانئ عُمان وأجوائها، في حال القيام بأي عمل عسكري بالمنطقة، مع ملاحظة أنه لم يسبق أن استخدمتها في أي عملية.

وتقع قاعدة مسندم البحرية على أطراف عُمان الشمالية، في نقطة مهمة على مضيق هرمز، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا على مضيق هرمز الذي تمر منه غالبية صادرات النفط إلى الغرب، والذي يمثل حجر زاوية في كل خلاف، حيث تهدد إيران دائمًا بوقف الملاحة فيه.

هناك اتفاق عسكري بين مسقط وواشنطن يسمح للقوات الأمريكية باستخدام موانئ عُمان وأجوائها، في الأعمال العسكرية بالمنطقة، رغم أنه لم يسبق للولايات المتحدة أن استفادت من هذا الاتفاق، علنًا على الأقل.

وفي أكثر من مناسبة، أكدت واشنطن أن السلطنة‬⁩ تؤدي دورًا كبيرًا في دعم السِّلم والاستقرار بالمنطقة والعالم.

حاليًا، تقود السلطنة جهودًا مضنية لتقريب وجهات النظر بين السعوديين والإيرانيين خاصة فيما يتعلق بحرب اليمن. وقد زار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مسقط، يوم الأربعاء، والتقى نظيره العماني بدر البوسعيدي.

ودعا ظريف إلى وقف القتال، ورفع الحصار المفروض من قبل التحالف الذي تقوده الرياض على مطار صنعاء وميناء الحديدة، وطالب اليمنيين بالجلوس إلى طاولة الحوار. 

كما التقى ظريف المتحدث باسم المتمردين الحوثيين محمد عبد السلام، الذي اطلعه على تطورات في الوضع الميدان. وقد توسطت مسقط في عمليات تبادل أسرى بين الحوثيين وقوات التحالف.

ومن المقرر أن يصل المبعوث اليمني لليمن ثيموني ليندر كينغ إلى المنطقة يوم الخميس في زيارة تشمل مسقط والرياض، لبحث وقف القتال والحد من الأزمة الإنسانية في اليمن.

هذا الزخم الدبلوماسي لا يعكس فقط رغبة البلد في التحول إلى مركز لحل الخلافات الإقليمية وتصحيح مسار العلاقات بين دول الجوار، بعدما خرجت جامعة الدول العربية من الخدمة، وإنما يعكس أيضًا فهم قيادة السلطنة العميق لخطورة الوضعية الجغرافية والمجتمعية لبلد يقع في قلب منطقة تعج بالصراعات.

شارك