جرائم الحرب التي يرتكبها الأسد ومعالجة الأمم المتحدة

بعد فشل الأمم المتحدة فيما يتعلق ببشار الأسد، يحتاج السوريون سبيل أقوى يعيد لهم الكرامة والحقوق.

هذا هو العام العاشر الذي يستمر فيه نظام الأسد المجرم المدعوم من ميليشيات إرهابية أجنبية في حربه الظالمة على شعبه الذي طالب بحقوقه الإنسانية الأساسية.

فعلى مدى عشر سنوات، يتحمل السوريون المصائب والويلات التي سببتها هذه الحرب الوحشية التي لا هوادة فيها. وبالرغم من الكم الكبير من البراهين على ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعلى نطاق واسع.

مع ذلك يبدو أن النظام السوري يتمتع بالحصانة المطلقة في وجه تطبيق العدالة الدولية. بل تصب في الوقت الحاضر جهود الأمم المتحدة لتحقيق السلام في مساعدة النظام السوري على استعادة شرعيته بدلًا من معاقبته على جرائم الحرب التي يرتكبها.

الحركة المدنية السورية، كمجموعة من عشرات الألوف من النشطاء المدنيين السوريين الذين عانوا من فظائع النظام خلال الحرب القذرة الجارية في سورية، تدعو كل المعنيين بإيجاد السلام لسوريا أن يتذكروا حقيقة ويلات الحرب هذه.

جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة السورية الجارية في فيينا تعتمد تشخيصًا خاطئًا للحالة في سورية، فهي تعتبرها صراعًا بين طرفين (مؤيد للنظام – ومعادي له)، في الحقيقة الصراع يقع بين نظام مستبد فاسد مجرم بمؤسساته القمعية، وبين شعب مظلوم دفع كماً هائلاً من الضحايا، والمهجرين، والدمار على أوسع نطاق.

وتجسيدًا لتلك الفكرة الخاطئة فإن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة بدلا من تطبيق العدالة بدأت من عملية إعادة كتابة الدستور، تلك الخطوة التي يجب تتم في ظل سلطة انتقالية ومن قبل ممثلين منتخبين بحرية في مناخ من الاستقرار والأمن.

لا يمكن صناعة وثائق شرعية تتعلق بالدستور ونظام الحكم والسلطات من قبل مجموعات تمثيل غير شرعية غير منتخبة من الشعب مباشرة، تفتقر للشفافية، وهي عبارة عن عملاء للدول الأجنبية المتدخلة.

في هذا الوقت الطويل من مناقشات السلام غير المجدية، قدمت كامل الوقت للنظام ليستعيد السيطرة عسكريًا على معظم المناطق في سورية.

أكثر من ذلك، فقد فشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تحمل مسؤوليته في تنفيذ قراراته رقم ٢١١٨، ورقم ٢٢٥٤.  فقرار مجلس الأمن ٢١١٨ الذي تم تبنيه بعد عامين فقط من اندلاع الحرب أدان نظام الأسد لاستعماله السلاح الكيميائي، وطلب منه تدمير كامل ترسانته قبل منتصف عام ٢٠١٤.

لقد فشل نظام الأسد في تنفيذ تعهداته تبعًا لتقرير لجنة التقصي التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية المقدم لمجلس الأمن عام ٢٠٢٠، والذي ينبغي أن يؤدي لتطبيق القرار ٢١١٨ بالقوة.

إضافة إلى أن قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ الصادر قبل خمس سنوات قد عبر عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة في سورية لتمكين الشعب السوري من حقه في تقرير مصيره ورسم مستقبله، وهو ما يُفتَقد إليه بوضوح في سورية.

نظام الأسد ليس اللاعب الوحيد الذي فشل في الالتزام بقرار الأمم المتحدة رقم 2254، روسيا وإيران وتركيا، والعديد من الدول العربية قد بذلت جهودًا منهجية لإحباط مساعي الأمم المتحدة لإيجاد حل متوافق مع إعلان جنيف وقرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤.

لعبت ايران بشكل مميز دورًا حاسمًا في ضمان بقاء نظام الأسد، وأصبحت شريكة له في ارتكاب الفظائع في سورية.

كما نجحت في ترسيخ وجودها في سوريا وأصبحت قوة ثابتة تسيطر على البلاد. السوريون يحتاجون الآن إلى المساعدة في إنهاء الاحتلال الإيراني واستعادة حقهم في تقرير مصيرهم.

كل أولئك اللاعبون تلاعبوا في تمثيل الشعب السوري، وفوضوا عملاءهم لتمثيل المعارضة، وهكذا أصبح نظام الأسد يتحكم في كلا وفدي التفاوض، كما عملت هذه الدول على تعطيل المسار نحو الديمقراطية من خلال القفز إلى موضوع الدستور وتجاهل السلطة التي يتوقعون أن تطبقه.

لا ينبغي كتابة الدستور من قبل وفود غير منتخبة، أو بغياب قسم كبير من الشعب، منهم على سبيل المثال المكون الكردي، وذوي الضحايا والمنكوبين.

علاوة على ذلك، كان للمماطلة في كتابة الدستور لمدة سبع سنوات عواقب كثيرة، فقد أمدت نظام الأسد وداعميه بكل الوقت الكافي لتطبيق الحل العسكري في معظم سورية، والمنسقة عبر مسارات أخرى تتجاهل عملية الأمم المتحدة (مؤتمر الحوار الوطني السوري الروسي في سوتشي، ومؤتمر المعارضة في أستانا).

دفعت هذه العمليات إلى تقديم تنازلات خطيرة في المناطق، وأخرى تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من قبل ممثلي وفد المعارضة، الذي أصبح هو نفسه مواليًا للنظام، يساعد في إعادة الشرعية لنظام الأسد.

نقل التفاوض لدمشق سوف يسمح للنظام الحاكم بتجديد نفسه كما يريد، وإحراج المساعي الأممية، وفرض الأمر الواقع على المفاوضات، والنتيجة ستكون استمرار الاحتلال الإيراني وميلشياتها المسؤولة عن مأساة الشعب السوري، وكذلك قتل كل أمل له في حياة حرة على أرض وطنه.

أقر مفتشو الأمم المتحدة مؤخرًا بأن النظام قد انتهك قرار الأمم المتحدة 2118 وما زال يطور أسلحة كيماوية بمساعدة خبراء من إيران وحزب الله.

واستُخدمت هذه الأسلحة عدة مرات منذ توقيع النظام على التعهد، (في خان شيخون واللطامنة)، كما أثبتت لجنة التحقيق الدولية. وأدان تقرير لجنة التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية النظام وبذلك هيأ المبررات للدول للعمل دون العودة إلى مجلس الأمن، الذي يعرقله حق النقض الروسي والصيني.

ستستمر الأسلحة الكيماوية تهدد السلام والأمن العالمي طالما أنها بقيت في أيدي المجرمين الذين يتعاونون مع العصابات والمنظمات الإرهابية.

مع تعثر المفاوضات الأخيرة لمجلس الأمن الدولي مرة أخرى من قبل روسيا، من المهم الاعتراف بأن مجلس الأمن لم يعد مكانًا مناسبًا لمعالجة حقائق الحرب، وأن العدالة للسوريين تتطلب قوى عظمى عالمية يمكن أن تتخذ إجراءات عقابية دون العودة إلى مجلس الأمن للدفاع عن السلام العالمي والقانون الدولي.

في الوقت الحالي، من المحتمل أن يكون الجمع بين ضغوط المخابرات العسكرية والسرية هو الوسيلة الفعالة الوحيدة لإزاحة المجرمين من السلطة، مع دعم من مجلس عسكري انتقالي يعمل على تشكيل ضغط عسكري على الأرض، فقط إذا كانت الدول على استعداد لمتابعة هذه الخطوات، فسيكون هناك تنفيذ لقرار الأمم المتحدة رقم 2254 وإعادة سوريا إلى الحكم تحت إرادة الشعب.

ومع ذلك، يمكن للدول المعنية أيضًا أن تساعد الشعب السوري على تنظيم نفسه سياسيًا والضغط على الدول العربية وتركيا للتوقف عن السماح لنظام الأسد بتزوير إرادة الشعب السوري.

الشعب السوري يبحث عن المساعدة والدعم، خاصة من إدارة بايدن الجديدة، لفرض التنفيذ الفوري لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. بتشكيل مجلس عسكري يوحد الجيوش، ويحرر سوريا من العصابات التي تسيطر على البلاد، ويدعم إعادة الإعمار وعودة اللاجئين.

تشديد الضغوط وحده هو الذي سيجعل من الممكن إزالة الأسد المجرم وتسليم السلطة إلى مجلس عسكري انتقالي يتألف من ضباط وطنيين من كلا الجانبين – لكن استمرار الوضع الراهن ومسار التسوية الحالي سوف يؤدي حتما لإعادة تأهيل مجرم الحرب.

بينما الانتقال السياسي الناجح هو الذي يستبعد المجرمين من ساحة القرار السياسي ويعزز المساءلة والعدالة وحقوق الإنسان. 

أخيرًا وعلى الرغم من استمرار نزيف الشعب السوري والمعاناة، إلا أنه لم يفقد الأمل بعد.

 

المصدر: محمد كمال اللبواني معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى

شارك