رغم مخاوف البعض.. الحكومة التركية تقر مشروع “قناة اسطنبول”

وافقت الحكومة التركية، السبت، على تطوير قناة ضخمة متاخمة لمدينة إسطنبول، الأمر الذي أثار انتقادات عدة حول تكلفتها وتأثيرها على البيئة.

وأتت الخطوة التركية بعد عام من طرح تركيا لمناقصة تهدف لإعادة إعمار جسرين تاريخيين في أكبر مدنها على الإطلاق.

ويعتبر الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، من أكبر الداعمين لحفر القناة التي يبلغ طولها 45 كيلومترًا.

وقال وزير البيئة التركي، مراد كوروم: “وافقنا على خطط مشروع تطوير قناة إسطنبول وأخرجناها للتشاور العام”، مضيفًا: “سنتخذ بسرعة خطوات لإثراء بلدنا ومدينتنا المقدسة بقناة إسطنبول”.

وسوف تساهم القناة، وفق الحكومة، بتخفيف حركة الملاحة في مضيق البوسفور، وهو أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم.

وسيمنع افتتاح القناة الجديدة وقوع حوادث مشابهة لتلك التي شهدتها قناة السويس مؤخرًا، بحسب كوروم.

وتتواصل محاولات إعادة واحدة من أضخم سفن العالم إلى مسارها، بعد أن تسبب جنوحها بإغلاق قناة السويس المصرية، منذ الثلاثاء.

واستدعى القرار التركي انتقادات من جهات تقول إنها ستتسبب بدمار بيئي وتلوث في مصادر المياه العذبة في محيط المدينة، البالغ تعداد سكانها 15 مليون نسمة.

وكان عمدة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، والذي ينتمي للمعارضة، من أشد منتقدي المشروع.

وقال إمام أوغلو إن إنفاق تركيا لمواردها على القناة بالتزامن مع محاربتها تفشي فيروس كورونا بات أمر “محير للعقل”.

عمدة اسطنبول كان من أكثر منتقدي قرار الحكومة.

بوسفور ثان

ويعتزم الرئيس التركي إيجاد بوسفور ثان، فيما تقول المعارضة إن الضرر على الاقتصاد والبيئة سيكون هائلًا.

ويحاول رئيس بلدية إسطنبول منع عملية البناء. لكن أردوغان أقسم بأن القناة ستبنى سواء “راقهم ذلك أم لا”.

وسبق أن أقام الرئيس التركي مطارًا جديدًا هو الأكبر في البلاد، كما أنشأ أكبر مسجد في تركيا، وأسس نفقًا يمر تحت البوسفور، غير أن هذه المشاريع التي تحققت في وقت وجيز، لا تساوي شيئًا، برأي البعض، أمام مشروع “قناة اسطنبول”.

فالحكومة التركية لا تخطط لأقل من إيجاد بوسفور ثان، أي عمل نسخة للمضيق البحري الذي يمر عبر إسطنبول، المدينة التي تحتضن 16 مليون نسمة.

وسيتم بناء القناة الصناعية غرب المدينة التركية الشهيرة، بطول 45 كيلومتر، بموازاة البوسفور لتربط البحر الأسود ببحر مرمرة؛ بهدف التخفيف من حركة السفن الكثيفة في البوسفور وتفادي وقوع حوادث، كما أعلنت دوائر حكومية.

وانطلقت أعمال التخطيط للمشروع، عام 2011، إلا أنها تجمدت طوال سنوات، قبل أن تعاود الحكومة الكشف مجددًا عن تلك المخططات.

وقال الرئيس التركي عام 2019، إن وزارة البيئة والبناء الحضري تحققت من التوافق البيئي لمشروع البناء، مشيرًا إلى أن النتيجة كانت “ايجابية”.

صعوبات وانتقادات

لكن تنفيذ المشروع يلقى صعوبات، لأن ميزان القوى في مدينة البوسفور تغير في يونيو حزيران 2019، فمنذ ذلك الوقت يشغل الاشتراكي الديمقراطي أكرم إمام أوغلو، من حزب الشعب الجمهوري، منصب رئيس البلدية وبالتالي يتحكم في صندوق المدينة.

وأوغلو هو أول رئيس بلدية منذ 25 عامًا لا ينتمي لحزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه الرئيس التركي. ويعارض أوغلو مشروع القناة بقوة.

مشروع قناة إسطنبول

ووصف إمام أوغلو المشروع بأنه “خيانة لإسطنبول” واعتبره “مشروع اغتيال” ووعد بأن 16 مليون مواطن يسكنون المدينة “سيعارضون المشروع” .

ويعود رفض رئيس بلدية إسطنبول وكذلك سكان المدينة وعلماء بالأساس إلى تكاليف البناء الباهظة والتحفظات الكبيرة من ناحية البيئة.

ويهدد المشروع، بحسب خبير البيئة، دوغاناي تولناي، الأستاذ في جامعة إسطنبول؛ باستهلاك موارد مائية هامة؛ كون القناة تمر من منطقة تضم مخزون مياه المدينة.

وتهدد القناة أيضًا النظام البيئي المعقد للمنطقة، بحسب تولناي، الذي أار إلى أن الكثبان الرملية في شمال المدينة توجد بها غابات محمية وسيول ومراع مهمة بالنسبة إلى النظام البيئي وتحتضن مئات أنواع النباتات والحيوانات.

وحذر تولوناي، في تصريحات سابقة لوكالة الأنباء الألمانية، من تسبب المشروع في إخلال قوي بالنظام البيئي ستكون له عواقب اقتصادية، مشيرًا إلى أن الصيادين في البحر الأسود والمزارعين سيتحتم عليهم مغادرة المنطقة.

وتقول المعارضة إن تكلفة المشروع التي تصل لنحو 11.5 مليار يورو (، وهي مبالغ سيتحملها دافعو الضرائب في حين يضمن البوسفور ظروفًا جيدة لملاحة السفن ويوفر إمكانيات كافية للعبور.

ويحذر منتقدون من أن القناة قد يكون لها مفعول سلبي على خطوط الانفصال التكتونية الموجودة تحت أرض إسطنبول، ويقولون إن زلازل أكبر سيكون هو العاقبة.

لكن مكتب إدارة الكوارث والطوارئ فيعارض هذا الموقف بالقول إنه لا يوجد ارتباط بين مخاطر وقوع زلازل وبناء القناة.

وينتقد رئيس بلدية اسطنبول بيع أرض على طول القناة لمستثمرين عرب، بينهم أعضاء عائلات ملكية خليجية. وقد رد الرئيس التركي على هذا بالقول: “هل هذا محظور؟ لو كان اسمهم هانز وجورج لما رأى أحد إشكالية في ذلك”.

أردوغان مصمم على المشروع

ولا يدخل مشروع بناء القناة ضمن مسؤولية رئيس البلدية إمام أوغلو ولا إدارة مدينة إسطنبول، وهو ما تشير إليه باستمرار قيادة حزب العدالة والتنمية، لأن قناة إسطنبول ليست مشروعًا محليًا، بل وطنيًا.

ومنذ سنوات يصف الرئيس التركي المشروع بأنه “حلمه”. ولا يبدي أي تفهم أمام المتشككين. وسبق أن قال: “يروقهم ذلك أم لا، فقناة إسطنبول سيتم بناؤها”. 

ويؤكد الرئيس التركي أن المشروع يهدف  لحماية مضيق البوسفور من المخاطر البيئية وخطر الحوادث بالإضافة إلى تعزيز وتأمين طرق التجارة العالمية في حال حصول حوادث مشابهة.

وتعول تركيا على الأهمية الاقتصادية للقناة، مع تزايد التجارة البحرية الدولية، وقد أوضح وزير المواصلات التركي أن المتوسط السنوي لحركة مرور السفن في مضيق البوسفور يتراوح بين 40 و42 ألف سفينة، علمًا أن طاقة المضيق الاستيعابية تبلغ 25 ألف سفينة سنويًا فقط.

وقال الوزير التركي إن السفن التي تستخدم مضيق البوسفور تنتظر لمدة أسبوع تقريبًا، وهذا الانتظار في الواقع مكلف بالنسبة للسفن وفرق ضمان سلامة الملاحة البحرية”، محذرًا من أن كمية البضائع الخطيرة التي تمر عبر مضيق البوسفور، خاصة النفط، تجاوزت 150 مليون طن سنويًا.

ووقع الاختيار على ممر بطول 45 كيلومتر يبدأ من منطقة “كوجك جكمجة” ويمر من “صازلي دره” ويصل إلى “دوروصو” في الشطر الأوروبي بإسطنبول.

ويمر المشروع المرتقب بالقرب من مطار إسطنبول الجديد الذي يعتبر باكورة مشاريع أردوغان الكبرى والتي حافظ من خلالها على نجاحه في مجال الخدمات بالبلاد.

ومن المتوقع أن تصل تكاليفه إلى 65 مليار ليرة تركية (قرابة 17 مليار دولار أمريكي) وسيعمل فيه خلال مرحلة الإنشاء 6000 شخص، وقرابة 1500 في مرحلة التشغيل. وسيتم إنشاء ميناء ومركز خدمات لوجستية على ضفتي القناة على البحر الأسود وبحر مرمرة.

ويقول خبراء ملاحة وحقوقيون إن المعضلة الأساسية التي تعاني منها تركيا هي القيود التي ما زالت مفروضة عليها بموجب اتفاقية “مونتيرو” التي وقعت عام 1936 وتهدف إلى تنظيم حركة السفن في أوقات السلم والحرب عبر البحر الأسود، بما يشمل المضائق التركية وخاصة مضيق البوسفور.

وقد أجبرت تركيا بموجب هذه الاتفاقية على عدم الحصول على رسوم مجزية عن مرور السفن عبر البوسفور باعتباره مضيقًا عالميًا. لذلك تفرض تركيا رسومًا رمزية مقابل “تنظيم مرور السفن من المضيق”.

ومضيق البوسفور طوله 29.9 كم، وتتمثل أهميته بأنه يمتد من البحر الأسود إلى بحر مرمرة، ويعد واحد من أبرز ممرات الملاحة البحرية في العالم. أما مضيق الدردنيل فهو ممر مائي تركي يربط بين بحري إيجه ومرمرة، ويعتبر أحد الممرات الاستراتيجية على الضفة الشمالية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

وتقول تقديرات تركية إنه إبان مناقشة اتفاقية “مونتيرو” كانت تمر عبر مضيق البوسفور 3 آلاف سفينة سنويًا فقط، في حين وصل العدد حاليًا إلى متوسط 50 ألف سفينة سنويًا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 65 ألف في عام 2030، وإلى 100 ألف عام 2050.

ومن خلال هذه الأرقام تتوقع تركيا أن تلجأ السفن التجارية إلى المرور من القناة الجديدة بدلاً من الاضطرار إلى الانتظار لعدة أيام في انتظار دورها للمرور من مضيق البوسفور.

وستكون الرسوم المفروضة على المرور من القناة الجديدة أقل من مصروفات انتظار السفن. وبالتالي يتوقع اقتصاديون أن تُدر القناة الجديدة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار سنويًا على خزينة الدولة.

شارك