“المشيشي”.. عصا النهضة التي يسعى سعيِّد لكسرها

تصاعدت مؤخرًا وتيرة الخلاف بين الرئيس التونسي قيس سعيّد ورئيس مجلس النواب راشد الغنوشي؛ على خلفية موقف الرجلين من التعديل الحكومي الأخير، في حين واصل رئيس الحكومة هشام المشيشي الأزمة تعقيدًا بإعلانه تمسكه بمنصبه.

وبدأت الأزمة عندما أجرى المشيشي تعديلًا حكوميًا أواخر يناير كانون الثاني الماضي، استحدث فيه وزارات وعيَّن وزراء، دون مشاورة رئيس البلاد، وهو ما اعتبره الأخير مخالفة صريحة للدستور.

في المقابل، أقرَّ البرلمان، الذي تقوده حركة النهضة، التعديل الوزاري، نكاية في سعيِّد، الذي رفض دعوة الحكومة الجديدة لأداء اليمين القانونية أمامه، تمهيدًا لإصدار قرار بممارستها أعمالها.

وبعد أكثر من شهر ونصف على الأزمة التي اتخذت مسارًا تصعيديًا متواصلًا من كافة الأطراف، أكد المشيشي، السبت 6 مارس آذار الجاري، أنه لن يستقيل من منصبه استجابة لدعوات قال إنها بلا معنى.

وخلال الأسابيع الماضية، مارست حركة النهضة ضغوطًا على الرئيس كان أبرزها حشد آلاف من أنصارها بالشوارع في 27 فبراير شباط، لإيصال رسالة بأنها تحظى بتأييد شعبي.

لكن سعيِّد تمسك بموقفه، ولم يرد على دعوة من زعيم الحركة رئيس البرلمان راشد الغنوشي، للحوار؛ كونه متمسك برفع النهضة يدها عن المشيشي ودفعه نحو الاستقالة تمهيدًا لتشكيل حكومة جديدة.

دعوة الغنوشي للحوار كانت محاولة لإحراجا للرئيس والظهور بمظهر الباحث عن الحل، أكثر من كونها دعوة لحل الأزمة، فضلًا عن أنها دعوة للتفاوض بشأن أمر يقول سعيد إنه غير دستوري من الأساس.

منذ بداية الأزمة، أكد سعيٍّد أن التعديل الحكومي مخالف للدستور في شكله؛ كونه لم يستشر فيه، وفي مضمونه؛ كونه جاء بأربعة وزراء محاطين بشبهات الفساد وتضارب المصالح اللذين نص جوهر الدستور الذي أقسم على احترامه، على محاربتهما.

صراع يتجدد

الأزمة الأخيرة ليست الأولى بين سعيِّد والغنوشي، ولا يمثل المشيشي فيها سوى العصا التي يرفعها زعيم النهضة في وجه الرئيس في حين يبدو الأخير عازمًا على كسرها.

ويبدو الخلاف بين سعيد والنهضة جوهريًا وغير قابل للتعديل بالنظر إلى التناقض الحاد في موقفيهما تجاه قضايا رئيسية لا تقبل الحلول الوسط.

هذا الموقف الأخير بين النهضة وسعيِّد من التعديل الوزاري أدخل البلاد حلقة جديدة من حلقات مسلسل أزمة الصلاحيات الدائر بين الطرفين منذ نحو عام.

فرئيس البلاد يسعى للعب دور مؤثر، بينما رئيس البرلمان يقول إن دور الرئيس رمزي وليس إنشائيًا.

ويحتمي سعيِّد، غير المنتمي لحزب أو تيار سياسي، بحزام ثوري فضفاض، فيما يتحصَّن الغنوشي بأغلبية برلمانية (تكتل من ثلاث قوى) وغطاء إعلامي يوفره له داعموه الإقليميين.

تونس.. حركة النهضة بعد عشر سنوات من الثورة

تصعيد متبادل

وفي محاولة لتعزيز صورته كرجل قوي، رفض سعيِّد دعوة الحكومة بتشكيلتها الجديدة لأداء اليمن القانونية أمامه وإصدار مرسوم بتعيينها، ما أدَّى لتعطَّل عمل الوزارات من جهة، وجعله في مرمى حركة النهضة، من جهة أخرى.

وقال الدبلوماسي التونسي السابق والمحلل السياسي، جلال الأخضر، لقناة “الحرة” الأميركية إن “المشيشي سأل محكمة هيئة مكافحة الفساد، وهي مؤسسة مستقلة، عن الوزراء الذين عينهم، وأجابته بأنه لا توجد شبهات فساد حولهم”. 

في المقابل، نشرت منظمة “أنا يقظ” غير الحكومية والمتخصصة في ملفات الفساد، تقارير أكدت فيها وجود شبهات في تضارب مصالح وفساد “جدية” تحوم حول الوزراء الذين اقترحت أسماؤهم حينها.

والوزراء محل الخلاف هم: الهادي خيري لوزارة الصحة، وسفيان بن تونس لوزارة الطاقة والمناجم ويوسف فنيرة وزير للتكوين المهني والتشغيل ويوسف الزواغي للعدل.

وأعفى المشيشي أربعة وزراء من المذكورين لكنه أبقى على وزير الصحة، المشمول باتهامات الرئيس.

ومنذ أكثر من سنة تعيش تونس على وقع معركة الصلاحيات، ويشنُّ كلَّ طرف (سعيِّد والغنوشي) حربًا إعلامية حامية لإظهار أنه الأقوى.

ويفرض دستور 2014 نظامًا سياسيًا بثلاثة رؤوس، وقد وضع فخاخًا يصعب على أي طرف تفكيكها وتحويلها لصالحه، كما هو الحال في لبنان.

وفي غياب مرجع قانوني يمكن أن يتم اللجوء إليه لحسم الخلاف، يريد قيس سعيِّد أن يلعب دور الخصم والقاضي في نفس الوقت بسبب غياب المحكمة الدستورية.

ومع وضوح رغبة النهضة في منع سعيِّد من الحصول على أي صلاحيات توفِّر له مشاركة عملية وليست رمزية في الحكم، كثَّف الرئيس التونسي من سلاحي التلميح والتقريع في خطاباته المليئة باتهامات الخيانة والتآمر، دون تسمية.

خلاف على نظام الحكم

منذ حملته الانتخابية، قال سعيِّد مرارًا إنه يرغب في تعديل نظام الحكم من برلماني معدَّل إلى رئاسي مع منح سلطات الحكم المحلي صلاحيات أوسع، في حين أعلنت النهضة رغبتها في نظام برلماني كامل.

وفور وصوله للحكم، حاول سعيِّد استثمار صلاحياته المحدودة لإحباط مساعي الغنوشي الواضحة لتهميشه.

رغبة الغنوشي في تهميش الرئيس، ظهرت مبكرًا عندما حاول السيطرة على دوره الدبلوماسي وجرِّه نحو دعم الموقف التركي في ليبيا.

وقبل انتخابه، قال سعيد في حوار صحفي، إنه سيتفاعل مع القوى السياسية في مجلس النواب، لكنه لن يعقد تحالفات مع النهضة أو مع غيرها في السر أو في العلن.

الخلاف بين سعيّد والنهضة، ليس فقط صراع سيطرة، ولكنه أيضًا جزء من معركة تحالفات أصبحت سببًا في كل أزمات المنطقة تقريبًا.

وقد بدأ الخلاف بين الرئيس التونسي والنهضة مبكرًا عندما رفض الأول السماح للقوات التركية باستخدام بلاده كممر إلى ليبيا، في حين سعت الثانية لدعم أنقرة في معركتها.

فقد زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تونس في 25 ديسمبر كانون الأول 2019 وقال آنذاك إنه سيناقش مع نظيره التونسي المسألة الليبية “بكل أبعادها”.

وفي السابع من يناير كانون الثاني 2020، نفت الرئاسة التونسية بشدة السماح لتركيا باستعمال مجالها الجوي أو البحري لدعم عملياتها المساندة لحكومة الوفاق الليبية.

وأوضحت، في بيان، أن “استعمال مجالها الجوي أو البحري غير مطروح أو قابل للنقاش”.

الموقف من المحور الذي تقوده تركيا هو لبُّ خلاف الرئيس التونسي وحركة النهضة، غالبًا. وهذا ما يفسِّر محاولات الإعلام الإماراتي (المناهض للإخوان المسلمين) الدفاع عن سعيِّد.

موقف سعيِّد الرافض للانحياز إلى تحالف بعينه، جعله في مرمى النهضة ووسائل الإعلام الموالية لها، والتي بدأت تصف سعيِّد بانه “قذافي جديد“، وتتهمه بأنه “يستخدم الثكنات والمساجد” في سعيه “المضاد الديمقراطية“.

الموقف من الأزمة الليبية إذن، هو النقطة التي يمكن من خلالها استجلاء الخلاف الجذري بين الطرفين، دون لبس.

فقد قال الغنوشي مرارًا إن حكومة الوفاق (المتحالفة من أنقرة) هي “الحكومة الشرعية الوحيدة” في ليبيا، في حين قال سعيّد إن شرعية الوفاق “مؤقتة وقائمة على الشرعية الدولية”.

لاحقًا، ظهر جنوح سعيِّد تجاه فرنسا، المستعمر القديم وخصم أنقرة الحالي، بقوة عندما لم يتخذ (وهو صاحب الخطاب العروبي الإسلامي) موقفًا من إساءة إيمانويل ماكرون للإسلام وللنبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

بل إن سعيِّد، وفي خضم الأزمة، قال لنظيره الفرنسي في اتصال هاتفي، إنه يعلم أن هناك من يحاول إرباك فرنسا، وهو تصريح يؤخذ عليه.

نقطة اللا عودة

سريعًا، شنَّت وسائل الإعلام الموالية للنهضة هجومًا حادًا على سعيِّد، وهي التي كانت تتغنَّى به، قبل رفضه دعم تداخل أنقرة في ليبيا.

قد لا يكون سعيِّد راغبًا في اتخاذ موقف يتعارض مع خطابه العروبي الإسلامي، لكنه ومع اشتداد وتيرة الحرب، بات مضطرًا، على ما يبدو، للاحتماء بحليف قوي.

أزمة تونس أن بها رئيس يحاول استغلال هامش ضيق من الصلاحيات في مواجهة برلمان يحاول حرمانه حتى من التحرُّك في هذا الهامش.

يمكن القول إن مشكلة سعيِّد أنه جاء للحكم في ظل دستور يمنحه صلاحية التأثير بينما هو يريد صلاحية التغيير.

ومن هذا المنطلق، يتحرك الرجل لتعزيز قبضته وفرض شخصيته على الدولة ومواقفها، في مواجهة محاولات وضعه في خانة الرمزية.

ما يزيد الأزمة تعقيدًا أنها لا تدار من وراء الكواليس، وهذا ما يجعلها مرشحة للمزيد من التوتر، بحسب الكاتب والمحلل التونسي مختار الدبابي.

الدبابي يرى أن الأزمة تتلخَّص في أن رئيس الجمهورية يرى فيها معركة شخصية يريد من خلالها إظهار أنه قوي ومالك لمفاتيح السلطة بينما يحاول الطرف الآخر تهميشه والتقليل من قيمة دوره ووصفه بالرمزي.

وطلب رئيس الحكومة استشارة المحكمة الإدارية للبلاد في الخلاف القائم بشأن التعديل الحكومي الأخير، لكن المحكمة قالت إنها غير مختصة بالنظر في الأمر.

وأدَّى هذا الصراع المستمر إلى تعطيل مصالح البلاد، وتأجيل حل ملفاتها الداخلية خاصة القضايا الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة فيروس كورونا.

هذه الأمور يعتبرها البعض مظهرًا من مظاهر فشل الرئيس سعيِّد الذي انشغل بالتلميح عن التصريح وبالكلام عن الفعل.

وثمَّة من يرى أن سعيِّد  يريد فعل أشياء دون أن يتخذ خطوات نحوها، وهو أمر يزيد تأزم الوضع في بلد يعاني خواء النخب من كل اتجاه، برأي البعض.

معركة سياسية بأسلحة دستورية

الكاتب والمحلل التونسي بلحسن اليحياوي، قال في مداخلة مع فرانس 24 إن الأزمة في تونس هي سياسية لكنها تتخذ من الدستور غطاءً لها.

وعزا اليحياوي تفاقم الأزمة إلى إقدام المشيشي على تعديل حكومي واستحداث وزارات جديدة بالمخالفة للدستور، دون استشارة رئيس الجمهورية الذي جاء به لمنصبه.

رئيس الحكومة تحوَّل إلى أداة في يد غطائه البرلماني الذي تقوده النهضة، كما يقول اليحياوي.

وأشار المحلل التونسي إلى النظام السياسي الملتبس الذي تعتبره النهضة سببًا في الأزمة لم يجر تفعيله أصلًا حتى اللحظة.

ضف إلى ذلك، والحديث للمحلل التونسي، أن حركة النهضة لم تلتزم بنص الدستور في دعمها لحكومة لا هي حكومة كفاءات ولا هي حكومة وحدة وطنية، في حين استخدم رئيس الجمهورية صلاحياته لوقف هذا التغوُّل على الدستور.

كما أن المشيشي، يضيف اليحياوي، قد لا يتراجع عن موقفه إرضاءً لحزامه السياسي المتمثل في التكتل البرلماني الذي تقوده النهضة.

هذا الحزام السياسي، برأي اليحياوي، يدفع المشيشي باتجاه مزيد من الصدام مع رئيس الدولة لتحقيق مكاسب خاصة.

ولفت المحلل التونسي إلى أن النهضة تستغل المشيشي بهدف المقايضة وسعيًا لمصالح خاصة بها، كما فعلت في أزمة الرئيس السابق قائد السبسي ورئيس حكومته يوسف الشاهد.

وخلص إلى أن الأمر سينتهي بمواجهة بين رئيس الجمهورية المدعوم من الشارع وبين النهضة التي تستغل الوضع الدستوري بشكل غير سليم.

حاليًا، يحاول الغنوشي منع سعيِّد من أن يلعب دور مفسِّر الدستور في غياب المحكمة الدستورية. وقد لوَّح مؤخرًا بسلاح الشارع في معركة التعديل الوزاري.

استقواء بالشارع

وفي 12 فبراير شباط الماضي، أعلنت حركة النهضة أنها تتشاور مع عدد آخر من الأحزاب للنزول إلى الشارع لدعم البرلمان والحكومة، وقد فعلت في السابع والعشرين من الشهر نفسه.

https://www.youtube.com/watch?v=QKkhlBZb7Zs

وقال القيادي في النهضة والمستشار السياسي لرئيسها سامي الطريقي، لشبكة الجزيرة، إن نزول النهضة إلى الشارع هدفه الدفاع عن مكتسبات الثورة ودستورها ومؤسساتها السيادية من “محاولات الترذيل والنسف”.

في المقابل، رفض ائتلاف الكرامة تظاهرات النهضة، واعتبرها “انقلابًا من الحركة على توافقاتها”، مشيرًا إلى أنها تسعى من خلال هذه الحراك لفرض شروط التفاوض عبر الشارع من أجل تسويات وتوافقات معينة لا علاقة لها بشعارات الدفاع عن الشرعية والمحكمة الدستورية.

هذا اللجوء للشارع، قد يكون خطوة على طريق دفع البلاد نحو تعديل دستوري وانتخابات برلمانية ورئاسية جديدة.

ما لم تنجر البلاد إلى مواجهات تنتهي بفوضى يريدها تيار رئيسة الحزب الدستوري الحر النائبة عبير موسي، التي تقول النهضة إنها مدعومة من الإمارات.

سعيِّد أيضًا، لوَّح بالشارع في السابق، عندما قال إن بإمكان الناخب سحب الثقة مِن الذين خانوا الأمانة من أعضاء مجلس النواب.

ويواصل الاتحاد العام للشغل، وهو أعرق مؤسسة نقابية في تونس، كافة منظمات المجتمع المدني للضغط على أطراف الصراع لتقديم تنازلات.

كما أطلق الغنُّوشي دعوة لاجتماع بين الرئاسات الثلاث لحل الزمة القائمة، وهي الدعوة لم يرد عليها سعيِّد من الأساس؛ كونها دعوة للتفاهم بشأن أمر غير دستوري، كما يقول.

كان يمكن للطرفين إيجاد مساحة مشتركة تمكنهم من العمل معًا، بيد أن خلافات جذرية في الرؤى والأهداف تجعل ذلك الأمر صعبًا.

فرئيس البلاد القادم من قاعة التدريس إلى قصر الحكم يبدو عازمًا على تقديم تجربة حكم مستقلة، بينما تتمسك النهضة، التي يقول أنصارها إن سعيِّد يعيش في النصوص وتسخر من تمسُّكه بلغته العربية، بإدارة كل شيء.

في اللحظة الراهنة بات كل طرف يحتمي بالشارع ويواصل تقديم مبرراته للحشد؛ لكسب تأييد شعبي يسمح له بتعديل نظام الحكم على نحوه يمنحه سلطات كاملة.

وحتى لو استقال المشيشي من رئاسة الحكومة فلن تهدأ الأزمة لأن أي رئيس حكومة قادم سيكون واجهة لمعركة بين الغنوشي وسعيد وتعود الأمور إلى المربع الأول.

شارك