بعد سنوات من الغياب.. مصر تبدأ عودة مهمة لـ”القرن الإفريقي”

بدأت القاهرة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة تحركًا، تأخر كثيرًا، لتعزيز حضورها في منطقة القرن الإفريقي، وذلك مع دخول أزمة سد النهضة الذي تقيه إثيوبيا على النيل الأزرق مرحلة التأزم.

وتعتبر منطقة القرن الإفريقي حاليًا واحدة من أهم المناطق التي يتطلع إليها لاعبون كبار دوليون وإقليميون، ليس فقط بالنظر إلى مستقبلها الاقتصادي الواعد، لكن أيضًا بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية فيما يتعلق بالحرب الباردة الدائرة منذ سنوات للسيطرة على السواحل.

وفي مارس آذار 2020، لم تدعم جيبوتي والصومال القاهرة في مشروع القرار الذي قدمته إلى جامعة الدول العربية برفض أي إجراءات أحادية الجانب تمضي بها إثيوبيا في السد.

كما جنحت إريتريا إلى جانب إثيوبيا، عدوها القديم، إثر جسور جديدة بناها رئيس حكومة أديس أبابا آبي أحمد، مع الرئيس أسياس أفورقي الذي يدير البلاد بالحديد والنار منذ 1993.

حراك سياسي

موقع “مونيتور” الأمريكي، قال الأربعاء 31 مارس آذار 2021، إن مصر تسعى حاليًا لتعزيز حضورها الاقتصادي في دولة جيبوتي كجزء من جهودها الرامية لتعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي

وتسعى القاهرة حاليًا لخلق موطئ قدم اقتصادي لها في جيبوتي، وذلك في إطار جهودها للتصدي للنفوذ الإثيوبي والتركي في القرن الأفريقي، خصوصًا مع تأزم ملف سد النهضة.

في 14 مارس آذار، وصل شريف عيسى، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، إلى جيبوتي، على رأس وفد رفيع المستوى من مختلف الوزارات والشركات؛ لبحث تعزيز العلاقات الاقتصادية وغيرها بين البلدين.

وتُوِّجَت الزيارة بموافقة جيبوتي على ترخيص شركة مصرية لتسيير رحلات جوية بين البلدين لتسهيل حركة الركاب والبضائع، بحسب وزارة الخارجية المصرية.

كما منحت جيبوتي ترخيصًا لبنك مصري للعمل على أراضيها، فضلًا عن التوصل لاتفاق للتعاون في مجال بناء الوحدات السكنية والموانئ والمناطق اللوجستية والصناعية وتطوير الاستزراع السمكي وإزالة العشوائيات.

وتمثل الزيارة، وفق الخارجية المصرية، بداية مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية بين البلدين. وقال متحدث باسم سفارة جيبوتي في القاهرة إن الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين مصر وجيبوتي والتعاون في مختلف القطاعات.

وقال رخا حسن، مساعد وزير الخارجية السابق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ”المونيتور”: إن مصر أدركت أن المنافسة في أفريقيا الآن يجب أن تتعلق أكثر بالتنمية والوجود الاقتصادي بدلًا من الدبلوماسية والسياسة، معتبرًا أن الوجود المصري في الأسواق الأفريقية “ليس بالمستوى المطلوب”.

وتقف جيبوتي إلى جانب إثيوبيا أكثر مما تقف مع مصر في الوقت الحالي؛ لأنها تتمتع بعلاقات اقتصادية قوية مع أديس أبابا، ومن الصعب تغيير موقفها، برأي البعض.

فقد اطلق البلدان في 6 أكتوبر تشرين أول 2016، أول خط سكة حديد عابر للحدود مكهرب بالكامل في أفريقيا بين البلدين، وفي فبراير  شباط 2019، وقع البلدان اتفاقيتين لبناء خط أنابيب للغاز الطبيعي بقيمة 4 مليارات دولار.

وتعتبر جيبوتي لاعبًا رئيسيًا في القرن الأفريقي ويمكن أن تلعب دورًا دبلوماسيًا بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا في أزمة السد.

 لماذا تتطلع مصر إلى توسع اقتصادي في جيبوتي؟السيسي ونظيره الجيبوتي عمر حسن جيلي.

جيبوتي ليست الدولة الوحيدة التي تواصلت معها مصر مؤخرًا، فقد نشطت القاهرة بوتيرة متزايدة في المنطقة خلال الفترة الماضية.

ففي 6 ديسمبر كانون أول، زار وفد دبلوماسي مصري العاصمة الصومالية مقديشو لإعادة مد جسور العلاقات معها.

وقبل أيام، استقبل الرئيس المصري نظيره البوروندي، إيفاريست ندايشيمي، لمناقشة أزمة سد النهضة. وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، بسام راضي، في تصريح صحفي، إن مصر تسعى إلى تعزيز العلاقات مع بوروندي، خاصة على الصعيد الاقتصادي والتجاري والأمني ​​والعسكري.

واتفق الرئيسان خلال الاجتماع على تكثيف  التنسيق بشأن أزمة السد. وجدد السيسي لنظيره البوروندي الأهمية القصوى للمياه بالنسبة للمصريين. 

كما استقبل وزير الخارجية المصري سامح شكري في 22 مارس آذار نظيره  الصومالي محمد عبد الرزاق والمسؤول الرئاسي الصومالي حسن المعلم خليف؛ لبحث التطورات السياسية في المنطقة الأفريقية وسبل تعزيز الاستقرار والسلام والأمن.

وفي 4 مارس آذار، التقى شكري أيضًا  وزير خارجية جزر القمر زهير ذو الكمال لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية.

سد النهضة.. الأمور تنتقل من الدبلوماسية إلى “الأمر الواقع”

حضور اقتصادي

وقد يمنح تطوير البنية التحتية في عدد من الدول الأفريقية، القاهرة دورًا أكبر خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن غالبية دول القارة تفتقد للبنية التحتية المتطورة.

وبدأت السياسة المصرية تجاه أفريقيا تتخذ مسارات أكثر إيجابية عام 2014؛ بعد أن تلاشت ذكريات محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري الراحل حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.

وكانت محاولة الاغتيال سببًا في غياب مصر بشكل كبير عن القارة، التي تحولت إلى ساحة للتنافس الدولي.

لكن القاهرة عاودت التركيز على التعاون الاقتصادي فيما يتعلق بمشاريع التجارة والتنمية والبنية التحتية في سياستها في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

وبدأت مصر تنفيذ عدد من المشروعات في دول أفريقية لتوطيد العلاقات، ومن بين هذه المشروعات بناء سد ومحطة “جوليوس نيريري” الكهرومائية في تنزانيا، بتكلفة 2.9 مليار دولار.

ويهدف هذا المشروع للسيطرة على فيضان نهر روفيجي من خلال إنشاء سد على النهر بسعة تخزينية تقدر نحو 34 مليار متر مكعب، ومحطة لتوليد الطاقة الكهرومائية بقدرة 2115 ميغاوات، وستكون الأكبر في تنزانيا.

سد ومحطة “جوليوس نيريري” الكهرومائية في تنزانيا، تكلفا 2.9 مليار دولار.

وفي غانا، وقعت شركة مصر للطيران وحكومة غانا في أواخر أكتوبر تشرين الثاني 2020 على مذكرة تفاهم لتأسيس شركة طيران وطنية غانية باستثمار مصري غاني مشترك.

كما بدأت الحكومة المصرية تشغيل خط الربط الكهربائي مع الخرطوم، لإمدادها بـ70 ميغاوات، ستزيد مستقبلًا إلى 300 ميغاوات، كما أنها هناك بالفعل ربط كهربائي بين مصر وليبيا.

ووقعت مصر العام الماضي على وثيقة للتعاون المشترك مع السودان في مجال الربط السككي، والذي سيمتد في مرحلته الأولى من مدينة أسوان المصرية حتى جنوب وادي حلفا السودانية.

وتدرس مصر، تنفيذ طريق بري يربطها بتشاد مرورًا بالسودان، ليكون بوابة للتجارة بين الدول الثلاث ودول غرب أفريقيا، إلى جانب تنفيذ طريق القاهرة – السودان – كيب تاون، الذي يمر بتسع دول أفريقية.

سد النهضة.. الخرطوم تلوِِّح بـ”خيارات سودانية مصرية أخرى” إذا استمر التعنت الإثيوبي

ووقعت مصر العديد من الاتفاقيات التجارية مع دول أفريقية مثل السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وأنشأت صندوق تأمين ضد المخاطر على الصادرات إلى أفريقيا.

وأعلنت مصر نهاية العام الفائت خطة لزيادة صادراتها إلى الدول الأفريقية بهدف الوصول إلى 30 مليار دولار في غضون ثلاث سنوات.

وتشير تقارير إلى أن الحجم الحالي للتبادل التجاري بين مصر وأفريقيا أقل بكثير من ذلك. وهي ما تزال بحاجة إلى زيادة عدد شركاتها والمراكز اللوجستية وتنظيم وفود تجارية شاملة إلى القارة.

وقد وجه الرئيس المصري في 22 مارس آذار، بإنشاء خطوط مباشرة بين الموانئ المصرية ونظيراتها  على سواحل أفريقيا.

 

حضور عسكري متزايد

في سبتمبر أيلول 2019، قال المركز المصري للدراسات الاستراتيجية، إن دول القرن الأفريقي تتمتع بأهمية جيوسياسية للدولة المصرية، لذلك عززت القاهرة وجودها العسكري في البحر الأحمر من خلال تحديث تسليحها البحري وإعادة تنظيم الأسطول الجنوبي لحماية مصالحها.

كما حذر معهد واشنطن في فبراير شباط 2019 من أن الصراع بين حلفاء الولايات المتحدة في القرن الأفريقي قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في بعض الدول الأكثر هشاشة.

قاعدة مصرية جديدة على البحر المتوسط

وتخشى إثيوبيا من اعتزام القاهرة إقامة قاعدة عسكرية في منطقة شرق أفريقيا في الصومال أو جيبوتي.

وتستعد مصر لفتح قاعدة بحرية على البحر الأبيض المتوسط ​​، بالقرب من حدودها مع ليبيا، حيث تحاول الدولة المكتظة بالسكان حماية نفسها وحقوقها وتأكيد سيطرتها على حدودها البحرية.

ومنذ سنوات، يقوم المقاولون المصريون ببناء القاعدة البحرية الجديدة في جرجوب، وهي مدينة ساحلية غير معروفة على الساحل الشمالي الغربي للبحر المتوسط​​، تبعد بنحو 250 كيلومترًا (155 ميلاً) من الحدود الليبية.

ويقول محللون عسكريون إن القاعدة ستكون جزءًا من الأسطول الشمالي المصري الذي يحرس ساحل البحر المتوسط ​​في البلاد.

ولم يحدد الجيش المصري موعدًا لافتتاح القاعدة الجديدة. لكن خلال زيارة أخيرة لعمان، سلم رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني دعوة من الرئيس المصري لحضور افتتاح القاعدة.

وتضم القاعدة الجديدة سلسلة من المنشآت العسكرية الجديدة في أجزاء مختلفة من مصر ، منها ، وفقًا لمراقبين عسكريين ، تهدف إلى تأكيد سيطرة مصر على حدودها وحماية مصالحها الاستراتيجية. 

وقال الجنرال المتقاعد نصر سالم لـ “المونيتور”: “هذه المنشآت مهمة لأنها تسمح للجيش بنشر قواته ومعداته بشكل استراتيجي”. كما أنها تشكل أرضية جيدة لتدريب القوات استعدادا للمهام “.

في يوليو تموز 2017، افتتحت مصر قاعدة “محمد نجيب” العسكرية، وهي منشأة عسكرية عملاقة تحتوي على ساحة تدريب رئيسية ومجموعة واسعة من المعدات العسكرية وعشرات الآلاف من القوات القتالية البرية والخاصة. وهي القاعدة الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط.

في يناير كانون الثاني 2020، افتتح الرئيس المصري قاعدة برنيس العسكرية- البحرية على البحر الأحمر، بالقرب من الحدود المصرية السودانية، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ومن المتوقع أن تفتتح قاعدة جرجوب في 3 يوليو تموز المقبل، وهو الشهر نفسه الذي تقول إثيوبيا إنها ستبدأ فيه التعبئة الثانية للسد.

وتقع القاعدة البحرية الجديدة أيضًا على مقربة من الضبعة، المدينة التي ستستضيف محطة الطاقة النووية في مصر والتي ستشيدها روساتوم الروسية قريبًا.

وستحتوي القاعدة على مجموعة واسعة من المعدات البحرية، بما في ذلك واحدة من حاملتي طائرات الهليكوبتر التي حصلت عليها مصر من فرنسا في عام 2016.

بالإضافة إلى ذلك ، من المحتمل أن تحتوي على غواصة وفرقاطات وبعض الطرادات والقوارب السريعة. كما إنها ستكون مستعدة أيضًا لاستضافة سفن حربية كبيرة، ما يجعلها قوة ردع كافية ضد أي تهديدات أمنية في المنطقة.

وقامت مصر بتحديث أسطولها البحري، حيث أنفقت مليارات الدولارات على شراء معدات متطورة، بما في ذلك حاملات طائرات الهليكوبتر والغواصات والفرقاطات.

شارك