سد النهضة.. الأمور تنتقل من الدبلوماسية إلى “الأمر الواقع”

دخلت الأزمة بين مصر والسودان وإثيوبيا بسبب سد النهضة مرحلة أكثر تأزمًا، بسبب مواصلة الجانب الإثيوبي رفضه التوقيع على اتفاق ملزم يضمن حق دولتي المعبر والمصب في مياه النيل، وهو ما دفع القيادة المصرية لاستخدام لغة التهديد الصريحة التي تجنبتها طوال عشر سنوات من المفاوضات غير المجدية.

ورغم أن الساسة في القاهرة والخرطوم يواصلون التمسك بلغة الدبلوماسية المتمثل في دعواتهما المستمرة لتفعيل الوساطات الإقليمية والدولية، إلا أنهما اتخذا مؤخرًا، وتصريحات أيضًا، تكشف أن الخلاف يقترب من مرحلة الصدام العلني.

وتسبب أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في إفريقيا في توترات شديدة بين إثيوبيا ومصر والسودان، الذين أخفقوا على في التوصل لاتفاق رغم عشر سنوات من التفاوض.

وتبلغ تكلفة المشروع 4.8 مليار دولار، ومن المقرر أن ينتج 6 غيغاوات من الطاقة.

وتتعامل إثيوبيا المشروع رمزًا للفخر الوطني وأحد أعمدة خططها التنموية، بحسب صحيفة فاينانشيال تايمز الأمريكية.

ويقول المسؤولون الإثيوبيون إن السد سيوفر الكهرباء لأكثر من 60 مليون إثيوبي، ما يعزز أحد أسرع الاقتصادات نموًا في إفريقيا.

ولكي يتحقق الغرض منه تحتاج إثيوبيا لملء خزان السد بـ 74 مليار متر مكعب من المياه، تم بالفعل ملء 4.9 مليار متر مكعب منها خلال العام الماضي.

في المقابل، تقول القاهرة إن السد على النحو الذي تريده إثيوبيا يمثل تهديدًا وجوديًا لها لأنه سيقلص حصتها التاريخية في مياه النهر من 55.5 مليار متر مكعب وفق اتفاقية 1959  إلى نحو 43 مليارًا، كل عام.

تصعيد مصري سوداني

ومع استمرار التعنت الإثيوبي، وإصرارها على البدء في المرحلة الثانية من تعبئة السد في يوليو تموز المقبل، صعدت مصر والسودان، خطواتهما خلال الأيام الأخيرة.

وتتهم المعارضة المصرية الرئيس عبد الفتاح السيسي بتقديم تنازلات غير مسبوقة، معتبرة أن توقيعه على إعلان وثيقة المبادئ هو الذي منح الجانب الإثيوبي مساحة كبيرة لإقرار ما يريد.

لكن السيسي، أطلق نهاية مارس آذار، تهديدًا هو الأكثر قوة ووضوحًا فيما يتعلق بأزمة السد، عندما قال إن حقوق مصر المائية “خط أحمر”، وإن القاهرة لن تسمح لأحد أيًّا كان بالمساس بها.

وقال السيسي، الذي كان يتحدث في مؤتمر بُعيد استئناف الملاحة في قناة السويس، إن مصر ذراعها طويلة، وإن أي تجاوز على حقوقها المائية سيدفع إلى حالة من عدم الاستقرار لا يتخيلها أحد.

وبعد يوم واحد من هذه التصريحات أجرى الجيش المصري ونظيره السوداني مناورة عسكرية في قاعدة مروي، السودانية، تم خلالها التدريب على استهداف نقاط معادية مشتركة.

وجاءت هذه المناورات على خلفية اتفاق وقَّعه الجانبان مؤخرًا لتطوير العلاقات العسكرية والتعاون لمواجهة التحديات المشتركة.

تصريحات الرئيس المصري جاءت بعد أقل من أسبوع لتصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام برلمان بلاده، وقال فيها إن خطط إنشاء وتعبئة السد مستمرة بغض النظر عن الموقف المصري السوداني منها.

ورغم أنه تحدث صراحة عن عدم ملائمة ظروف بلاده لدخول نزعات مسلحة، إلا أن أحمد يتحرك بقوة لتأمين تحالف جديد قديم يضم إلى جانب أديس أبابا، كلًّا من إريتريا وجنوب السودان.

اتهامات مصرية

في العام 2020 تقدمت مصر بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي واتهمت أديس أبابا بخرق وثيقة المبادئ، لكن المجلس أحال الملف إلى الاتحاد الإفريقي، على أن يظل هو في دور المراقب.

وليس معروفًا حتى الآن موقف الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن، من الأزمة، لكنها رفعت مؤخرًا عقوبات فرضها دونالد ترامب قبل على أديس أبابا؛ لإجبارها على التوصل لاتفاق، بعد أن رفضت وساطته لإنهاء الأزمة.

ويُعرف عن الديمقراطيين أنهم يتعاملون مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بوصفه ممثلُا للنيو ليبرالية التي يدعمونها. كما إن إثيوبيًا تعتبر حليفًا قويًا للولايات المتحدة.

هناك من يرى أن من مصلحة واشنطن دعم إثيوبيا التي تشاركها مواجهة الإرهاب في شرق أفريقيا، إضافة إلى استثمارات الصين فيها وفي القرن الأفريقي، الأمر الذي قد يدفع واشنطن لعدم اتخاذ خطوات قوية ضد أديس أبابا.

هذا الأمر، ربما يجعل إدارة بايدن غير مهتمة بالضغط لحل الأزمة، وفق ما نقلته “بي بي سي”، عن المحلل المصري هيثم محمد. غير أن المبعوث الأمريكي بالسودان دونالد بوث، طرح خلال وجوده في الخرطوم، الأربعاء، أكد ضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم ويرضي جميع الأطراف.

لكن الموقف الأمريكي يظل فاترًا، وربما يظل كذلك ما لم تتغير الأوضاع، خاصة وأن دولة الاحتلال قدَّمت القروض والخبرات الهندسية لإثيوبيا، فضلًا عن مشاركة إحدى شركاتها في توزيع الكهرباء التي سينتجها السد.

تل أبيب قدَّمت خبرات ودعمًا ماليًّا وفنيًّا للسد.

ثمة تقارير بأن “تل أبيب” قدَّمت منظومة دفاع جوي لإثيوبيا لحماية السد، وهو ما نفته دولة الاحتلال لاحقًا لكنه أمر غير مستبعد.

ويتمثل الهدف الأكبر في إمكانية الضغط على القاهرة لتبيع إثيوبيا المياه لـ”إسرائيل”، عبر مصر.، مقابل تقديم أديس أبابا تنازلات فيما يتعلق بحصص المياه.

لكن ذلك لا ينفي حقيقة الأهمية الاستراتيجية لمصر في الحسابات الأمريكية، والإسرائيلية أيضًا، والتي ربما تظهر إذا لجأت مصر لاستخدام القوة.

وقد أفصح الرئيس السابق دونالد ترامب، عن وجود هذه النيَّة لدى القاهرة بوضوح، عندما قال: “قلت لهم (الإثيوبيين) وأقولها الآن: سيفجرون (المصريون) هذا السد في النهاية”.

تصعيد سوداني بدعم مصري

كان الموقف السوداني حتى شهور قليلة أقرب للمفاوض منه إلى الطرف، وقد اتسم بالميل للجانب الإثيوبي؛ كونه يمتلك موارد مائية أكثر من مصر، وأيضًا لأنه سوف يستفيد من الكهرباء التي سينتجها السد.

بيد أن هذا الموقف شهد مؤخرًا تغيُّرًا جذريًّا، يبدو أنه مبني على العلاقات بين الرئيس المصري وقادة مجلس السيادة السوداني من العسكريين، الذين حكموا بعد الإطاحة بعمر البشير.

وعرفت العلاقات المصرية السودانية خلال الأيام الأخيرة تقاربًا ملموسًا بالتزامن من تصاعد الخلاف السوداني الإثيوبي بسبب المناطق الحدودية، التي سيطر عليها السودانيون في ديسمبر كانون الثاني الماضي.

ففي خضم أزمة سد النهضة، ومع انشغال الإثيوبيين بمعركة تيغراي، سيطر الجيش السوداني على مناطق حدودية مع إثيوبيا بينها إقليم الفشقة الغني.

ومثَّل هذا التحرك انتصارًا داخليًا للمجلس العسكري السوداني، الذي يواجه أزمات بسبب تعثر الانتقال الديمقراطي وتردي الوضع الاقتصادي، إضافة إلى الخلاف بشأن التطبيع مع دولة الاحتلال.

ويبدو أن الجانب السوداني لمس عزمًا مصريًا على حسم أزمة سد النهضة بشكل أو بآخر فقرر الميل إليه لتحقيق أكبر مكسب ممكن.

وتشير تقارير إلى أن آبي أحمد يخشى من أن تقدم القاهرة دعمًا عسكريًا في هذا الخلاف الحدودي، ما قد يدفعه لإبداء مرونة في مفاوضات السد.

وقد أعلن أحمد أمام البرلمان أن بلاده لن تخوض حربًا مع السودان؛ لأنه (إثيوبيا) تحارب على أكثر من جبهة، حسب تعبيره.

بالتزامن مع التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وقعت القاهرة والخرطوم اتفاقية تعاون عسكري في مجالات التدريب وأمن الحدود.

كما زار الرئيس المصري في  6 مارس آذار، الخرطوم والتقى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وكبار المسؤولين السودانيين. 

وأكد السيسي والبرهان رفضهما أي خطوات أحادية الجانب بشأن منابع النيل، في إشارة إلى تحركات أديس أبابا المتواصلة لتعبئة السد.

وجاءت زيارة السيسي بعد ثلاثة أيام من توقيع اتفاقية التعاون العسكري.

وعقب المباحثات قال رئيس مجلس السيادة السوداني إن الجانبين توصلا إلى رؤية مشتركة تضمن حماية مصالحهما، مؤكدًا أن زيارة السيسي (تمثل دعمًا حقيقًا للسودان، وتعزز العلاقات المشتركة.

وكان رئيس أركان الجيش المصري الفريق محمد فريد، قد أشار إلى خلال وجوده في الخرطوم، إلى استعداد بلاده لتلبية كل طلبات الجانب السوداني في المجالات العسكرية من تدريب وتسليح وتأمين الحدود المشتركة.

كما أكد أن مستوى التعاون العسكري المصري السوداني غير مسبوق. مضيفًا أن “تعدد وخطورة التهديدات المحيطة بالأمن القومي والمصالح المشتركة تستدعي التكامل بين الأشقاء”.

من جهته، أوضح رئيس أركان الجيش السوداني الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، أن الهدف من هذا الاتفاق هو تحقيق الأمن القومي للدولتين، مشيدًا بمساعي مصر ووقوفها إلى جانب السودان في المواقف الصعبة.

ولا تملك مصر حدودًا مباشرة مع أديس أبابا، وفي حال وصلت الأمور إلى مرحلة اللا عودة، فإن السودان سيكون المدخل المباشر والاستراتيجي لمصر في أي تحرك عنيف ضد إثيوبيا.

ودعمت مصر مقترحًا سودانيًا بتشكيل رباعية دولية تشمل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لحل الخلاف بشكل دبلوماسي.

في المقابل، تمسكت إثيوبيا بالتعبئة الثانية للسد في يوليو تموز المقبل بغض النظر عن موقف دولتي المصب، وطالبت بإبقاء الخلاف في إطار الاتحاد الإفريقي، كونه خلافًا إقليميًا.

تحذيرات متواصلة

مع تأكيد القاهرة والخرطوم أن الأمور وصلت إلى طريق مسدود، فإن نذر الصدام والتصرفات الأحادية تلوح بشدة في الأفق. وقد حذّر وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في الرابع من مارس آذار، من إقدام إثيوبيا على الملء الثاني لبحيرة السد بشكل أحادي.

وقال شكري في اتصال مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الملء الثاني للسد ستكون له تداعيات سلبية. كما شدد الرئيس المصري مرارًا على رفض سياسة الأمر الواقع.

كما قالت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، في 8 مارس آذار، إن السودان مصر لديهما خيارات أخرى، في حال أصرت أديس أبابا على ملء السد في يوليو تموز المقبل.

ويرى خبراء أن فشل الولايات المتحدة في التوسط للتوصل إلى حل بين الدول الثلاث حول ملء وتشغيل السد، جعل الأزمة تبدو وكأنها غير قابلة للحل.

موازين القوى

صنَّف  موقع غلوبال فاير باور، هذا العام، الجيش المصري كثاني أقوى جيش بالشرق الأوسط، والأول عربيًا، والثاني عشر عالميًا. في حين حل الجيش الإثيوبي في المرتبة الستين عالميًا.

ورغم التفوق العسكري المصري، إلا أن خبراء يستبعدون استخدام القوة في ظل تعقد الأوضاع الإقليمية والدولية، وارتباط أديس أبابا باتفاقات أمنية مع دولة الاحتلال وتركيا، وأخرى اقتصادية وسياسية مع الصين وروسيا.

فقد رفضت موسكو وبكين، خلال مارس آذار الجاري، إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يتعلق بعمليات التطهير العرقي التي تقوم بها الحكومة الفيدرالية في إقليم تيغراي، شمالي إثيوبيا.

ويمكن للسعودية والإمارات والكويت تحديدًا لعب دور حاسم في هذا الملف عبر الضغط على إثيوبيا وتقديم حوافز اقتصادية لها بهدف حلحلة موقفها المتعنت، بحسب تصريح الخبير المصري محمد شبانة لموقع “بي بي سي”.

ومؤخرًا، تحدث تقارير صحفية عن مشاورات لمنح مصر حق استخدام جزيرة “فرسان” السعودية لأغراض عسكرية تضمن حماية الامن المصري والعربي، وهي الجزيرة الواقعة عند مدخل مضيق باب المندب، والقريبة من إثيوبيا.

وقد نفت مصادر مصرية لقناة “الحرة” الأمريكية هذه الأنباء، غير أن السعودية ودول خليجية أخرى أكدت بعد ساعات قليلة من التهديد المصري الأخير، دعمها الكامل لحقوق مصر والسودان المائية.

كما إن الشكل الجديد للعلاقات بين الدول العربية إبان المصالحة الخليجية، بدأ يتخذ شكلًا أكثر استراتيجية، حيث ظهرت تحركات جديدة تدعم إمكانية تعاون عربي في القضايا الحساسة، بالنظر إلى التحديدات الكبيرة المحيطة بالمنطقة.

وسبق أن عرضت السعودية على مصر استخدام الجزيرة كنقطة انتشار للقوات المصرية، خلال مفاوضات تشكيل التحالف العربي في اليمن عام 2015، لكن مصر رفضت وقتها المشاركة بقوات برية في الحرب اليمنية.

أما الاتحاد الأفريقي فلا يعول عليه كثيرًا، كونه متحيز لإثيوبيا، كما إن أغلب دول حوض النيل تقف إلى جانب إثيوبيا، إما بالتأييد وإما بالحياد مع عدم الممانعة في إنشاء السد.

والمعروف أنه لا يمكن لأي نظام سياسي مصري التفريط في مياه النيل، الأمر الذي قد يدفع القاهرة لاتخاذ خطوات يظن البعض أنها غير قادرة على اتخاذها.

وقد نشر الجيش المصري مؤخرًا مقطعًا مصورًا لسلاح الجو، وتلاه خلاله ما يشبه البيان، قال فيه: إن مصر ستدافع عن حقوقها بكل ما أوتيت من قوة، وإن النيل سيظل يجري في مساره الطبيعي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”.

شارك