بايدن واستكمال سياسة أوباما في المنطقة

لا تبدو سياسة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن مختلفة عن سياسة سلفه باراك أوباما، بل إنها تكاد تكون تكرارًا لها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع القضايا الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

ولا يمكن فصل سياسية إدارة بايدن عن سياسة أوباما في المنطقة؛ بالنظر إلى خطابها، خطواتها الأولية، أعضائها الذين كانوا غالبًا أعضاءً في إدارة أوباما.

كما لا يمكن إنكار أن الأمريكيين، ديمقراطيين كانوا أو جمهوريين، لا يدعمون الاستقرار في المنطقة ما لم يتوافق مع لمصالحهم، وإن اختلفت الطريقة.

وعلى خطا أوباما، يحاول بايدن التوصل إلى اتفاق مع إيران يؤمن له عدم حصولها على القنبلة النووية، ويمنحه فرصة سحب جزئي لقواته من المنطقة وتوجيهها نحو مناطق أخرى لمواجهة الصين وروسيا.

وستواصل إدارة بايدن، على الأرجح، دفع دول المنطقة ولاسيما الخليجية نحو التقارب مع دولة الاحتلال، أو الاحتماء بها بمعنى أدَّق، من الخطر الإيراني، الذي سيتعاظم حال التوصل لاتفاق بينها وبين واشنطن.

دفع الخليجيين لمزيد من التقارب ثم الاعتراف بدولة الاحتلال سيكون، غالبًا، عبر منح الإيرانيين فرصة تقوية شوكتهم الاقتصادية والعسكرية بما يزيد مخاوف الجيران من جهة، ويحدُّ من النفوذ التركي المتصاعد من جهة أخرى.

في مقال نشره في 21 مارس آذار الماضي، نقل غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، عن  محسن إبراهيم الأمين العام لـ”منظمة العمل الشيوعي” في لبنان، أنَّ قيام الجيش الأمركي بإسقاط نظام صدام وفّر لإيران فرصة تاريخية للتدفق في الإقليم كانت متعذرة مع وجود نظام “البعث” ولو محاصرًا ومثخنًا.

وقال إبراهيم إن “بشار الأسد لم يكن إيراني الهوى في بداية عهده. خوفه من أن يكون الهدف المقبل للجيش الأمريكي المقيم قرب حدوده دفعه إلى مشاركة إيران في خطة منع قيام حكومة عراقية مستقرة موالية للغرب في بغداد”.

ورأى أيضًا أن أجزاء واسعة من العالم العربي ستدفع ثمن شطب العراق من المعادلة ومعه التحاق النظام السوري بالبرنامج الإيراني بعد انسحاب قواته من لبنان.

ما سعى له أوباما هو دفع دول الخليج بما له من ثقل نحو الاحتماء بإسرائيل، عبر تغذية المارد الإيراني باتفاق 2015. هذا المارد لن يدفع الخليج نحو “تل أبيب” وحسب، لكنه أيضًا سيواجه ماردًا آخر اسمه تركيا، وهو آخذ في تقوية عضلاته وشحذ همَّته، مستندًا لحلم الزعامة الذي يتلبس الرئيس رجب طيب أردوغان.

التعامل مع إيران

في العام 2015، وقَّع أوباما اتفاقًا نادرًا مع طهران، وهو الاتفاق الذي لاقى اعتراضًا كبيرًا من الرياض ومن دولة الاحتلال.

كان أوباما عازمًا على سحب بلاده من “مستنقع الشرق الأوسط” كما وصفه ذات يوم. وكان يعتقد أن مواجهة حتمية قادمة مع الصين تستحق أن تسخِّر الولايات المتحدة جهودها لحسمها.

من هذا المنطلق، حاول أوباما عبر الاتفاق النووي تأجيل حصول طهران على القنبلة الذرية من جهة، ومواجهة التوسُّع التركي والحد من جموح بنيامين نتنياهو، وتعبئة المخاوف الخليجية من جهة أخرى.

لم تكن إدارة أوباما على وفاق مع بنيامين نتنياهو؛ لأنها كانت ترى في طموحاته الخاصة تهديدًا لكل خطط الولايات المتحدة في المنطقة، لكنها ظلَّت ملتزمة بأمن وتفوق “إسرائيل” كعقيدة أمريكية راسخة لا يمكن لأي رئيس أن يخالفها. وقد أعلن بايدن التزامه بالأمر نفسه.

وكما حرص أوباما على إبراز عدم اكتراثه بالرياض، التي تريد أن تتعامل مع العالم كله بمنطق الكفيل، فقد بدأ بايدن إبراز عدم الاكتراث نفسه للمملكة، عبر تصريحات صادرة عنه أو عن إدارته تحمل إهانات ضمنية للملك وولي عهده.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، لكن بايدن منح الحوثيين فرصة الانقضاض على السعودية إلى درجة دفعت الأخيرة لتقديم مبادرة علنية لوقف القتال، رفضها الحوثيون من أول دقيقة.

في خضم الصراعات التي كانت تعيشها المنطقة بعد اندلاع الانتفاضات العربية، بدأ أوباما سحب بلاده من الشرق الأوسط، وبدا أنه سيمنح بريطانيا والأوربيين وصاية مستقبلية على المنطقة التي كان واثقًا من أنها مقبلة على مزيد من الحروب، مع إبقاء تلك الوصايا تحت مظلة أمريكية.

البعض اعتبر الاتفاق الذي تم توقيعه عام 2015 بين الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، روسيا، الصين، الاتحاد الأوروبي، من جهة وبين إيران من جهة أخرى، منحة أمريكية لطهران. فهذا الاتفاق، كان من المفترض أن يبطئ تقدَّم طهران العسكري لخمسة عشر عامًا مقابل تسريع برنامجها الاقتصادي.

في النهاية، كانت إيران، بعد خمس عشرة سنة، ستخرج أقوى عسكريًّا واقتصاديًّا؛ كونها ستحصل على مليارات الدولارات من جهة ولن توقف تطوير بقية برامجها العسكرية، وخاصة الصاروخي، غير المنضوية تحت البرنامج النووي من جهة أخرى.

بالإضافة إلى ذلك، ترك أوباما لإيران فرصة الاستيلاء على العراق وعلى جزء كبير من سوريا، لتعزيز المخاوف الخليجية من طهران، ولتدمير كل البلاد التي يمكنها العمل ضد مصلحة “تل أبيب”، ولاستنزاف قدرات إيران المالية والعسكرية والبشرية والسياسية أيضًا.

يعرف الأمريكان جيدًا أن تحوُّل إيران لقوة اقتصادية وعسكرية إقليمية سيقضم من طموحات القوى الإقليمية الأخرى، لأنه سيعزز تحركات طهران التوسعية في المنطقة، وسيزيد من دعمها للميليشيات الطائفية في أكثر من بلد.

كان الاتفاق يقضي برفع التجميد عن مليارات الدولارات الإيرانية المجمَّدة في العديد من دول العالم، ورفع العقوبات المفروضة عليها والتي تمنعها من بيع نفطها أو من شراء أسلحة، مقابل تأجيل حصولها على القنبلة النووية لخمس عشرة سنة.

بعد هذه السنوات الـ15 كان يمكن لإيران أن تحصل على المزيد من المزايا السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة مقابل تعطيل جديد للبرنامج النووي، ما لم تكن الظروف ملائمة لسحقها.

وفق هذا الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في يناير كانون الثاني 2016، رُفعت العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، بما في ذلك العقوبات المالية والتجارية وتلك المتعلقة بقدرتها على بيع نفطها.

وكجزء من الاتفاق، تم الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من أصول إيران المالية المجمَّدة. وسُمح لإيران بمتابعة برنامجًا نوويًّا سلميًّا لأغراض تجارية وطبية وصناعية بما يتماشى مع المعايير الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية.

كان هذا الاتفاق يمثل انتصارًا كبيرًا للمشروع الإيراني العائدة جذوره لنهاية سبعينيات القرن الماضي، عندما تعهَّد الخميني بتصدير ما أسماها “الثورة الإسلامية” إلى بقية دول المنطقة.

فالاتفاق لم يمنح طهران فقط فرصة الحصول على نحو مئة مليار دولار كانت مجمَّدة في بنوك العالم، ومئة مليار أخرى من مبيعاتها النفطية التي يجيزها الاتفاق؛ لكنه أيضًا تجاهل برنامجها الصاروخي وانتهاكاتها الحقوقية الداخلية ودعمها للميليشيات المسلحة.

ورغم أن هناك عقوبات وقيودًا تجارية منفردة مفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي وأخرى من قبل الولايات المتحدة. ورغم وجود قرار منفصل من مجلس الأمن الدولي يخصُّ برنامجها الصاروخي، إلا أن هذا لا يتساوى مع ما كانت ستحصل عليه طهران من هذا الاتفاق.

كانت تقديرات المخابرات الأمريكية أن إيران عند توقيع الاتفاق كانت على بعد ثلاثة أشهر فقط من إنتاج سلاح نووي واحد. بيد أن توقيع الاتفاق عطَّل فرصتها المحتملة لتطوير هذا السلاح.

أوباما كان مقتنعًا بأن كافة أنظمة المنطقة ستسقط عاجلًا أو آجلًا، وكان يعلم أن هذا السقوط سينتهي بالفوضى، أو بوصول الإخوان المسلمين، للحكم.

وكما كان متوقعًا، لم يوجه النظام الإيراني فوائد الاتفاق الاقتصادية لتطوير بنية بلاده التحتية أو لتعويض مواطنيه عن عقود من العقوبات والأوضاع المتردية، إنما وجهها بشكل فجٍّ لتوسيع نفوذه على الأرض عبر تقوية الميليشيات الطائفية المسلحة المنتشرة في أكثر من بلد.

بالتزامن مع ذلك، سرَّعت طهران تطوير برنامجها الصاروخي الذي يمثل التهديد الرئيس لدول المنطقة، وحققت تقدمًا كبيرًا في تطوير الطائرات المسيَّرة التي باتت تضرب مطارات السعودية قادمة من اليمن أو تقصف قصر اليمامة الملكي قادمة من العراق.

وصول دونالد ترامب

عندما دخل دونالد ترامب للحكم عام 2016، تحركت “إسرائيل” بسرعة نحو استغلاله في تنفيذ خطتها للاندماج في الجسد العربي عبر أمرين، أولهما تصوير نتنياهو على أنه الممر الأقرب إن لم يكن الأوحد إلى المكتب البيضاوي، وثانيهما ممارسة سياسة الضغط القصوى على إيران؛ كي تندفع للرد بضرب الخليجيين، الذين سيبحثون بدورهم عن أي حماية حتى لو كانت في “تل أبيب”، ما يعطي الأخيرة، بدعم أمريكي، فرصة تكسير عظم إيران من جهة، والانتقال من عدو قديم إلى صديق جديد أنقذ أصدقاءه من السقوط من جهة أخرى.

الخليجيون لا يريدون بناء علاقات مع “إسرائيل” من أجل بناء العلاقات، وإنما من أجل تأمين الرعاية الأمريكية في الملفات الاستراتيجية. بدليل أن كافة التقارير الغربية والعبرية يؤكد صعوبة اعتراف الرياض بتل أبيب في ظل وجود  الملك سلمان. لكن عندما يتعلق الأمر بسقوط الدول تصبح كل الأشياء ممكنة، وسهلة.

دون تردد، مزَّق ترامب الاتفاق النووي في مايو أيار 2018، بتحريض من بنيامين نتنياهو، وبتمويل من السعودية والإمارات. ثم شرع بتطبيق سياسة الضغوط القصوى على طهران، بهدف عزلها، تمهيدًا لسحقها عسكريًّا، وإعلان الشرق الأوسط الجديد، الذي يتعامل فيه العرب مع دولة الاحتلال بوصفها حليف لا عدوًّا.

في المقابل، سرَّعت طهران وتيرة تخصيب اليورانيوم لكي تعوِّض ما فاتها خلال العامين اللذين التزمت فيهما بالاتفاق، ولو ظاهريًّا. وزادت من دعمها للميليشيات، التي زادت بدورها من الضغط على السعودية تحديدًا.

تحملت طهران نزوات ترامب، خشية الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة تعلم يقينًا أنها ستخسرها في النهاية. وحتى عندما أمر ترامب باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني مطلع 2020، استغنت طهران بالتهديد عن الرد، وكذا فعلت عندما اغتال الموساد رأس مشروعها النووي محسن فخري زاده، في عقر دارها نوفمبر تشرين الثاني 2020. 

مع نهاية العام 2020، كانت إيران فعليًّا تنتظر رحيل ترامب أو الحرب. وقد أعدَّت بحسب تصريحات قادتها مدنًا من الصواريخ على سواحل الخليج، استعدادًا لقصف كل من يقف ضدها في هذه الحرب.

وبحسب ما قاله وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكن، مطلع فبراير شباط الماضي، فإن طهران تقف حاليًّا على بعد أسابيع من تصنيع قنبلة نووية. كما أكدت وكالة الطاقة الدولية تسريع طهران عمليات تخصيب اليورانيوم، ورفع مستواه بنحو 14 ضعفًا عمَّا كان قبل الاتفاق.

رحيل ترامب وعودة الديمقراطيين

بمجرد وصول جو بايدن للحكم تنفَّست إيران الصعداء، خاصة وأنه أعلن نيته العودة للاتفاق النووي، وفق شروط بدا أنها لن تكون صعبة.

لكن الإيرانيين يقولون إنه لم يقدِّم شيئًا سوى الكلام، وإن عليه العودة للاتفاق دون شروط. في المقابل، يصرَّ بايدن على عودة طهران أولًا للالتزام ببنود الاتفاق، وتوسيع المفاوضات لتشمل برنامجها الصاروخي ودعمها للميليشيات، وصولًا لاتفاق أوسع وأشمل وأطول. وقد أكد البيت الأبيض أنه لا رفع للعقوبات قبل انصياع الإيرانيين لمطالبه.

تبدو سياسة بايدن مع إيران أكثر تشددًا من سياسة أوباما، حتى الآن على الأقل؛ ولعل السبب هو أن قوة طهران أصبحت أقوى مما كانت عليه وقت توقيع الاتفاق الأول، ما يستلزم اتفاقًا جديدًا، سيصل الطرفان إليه في النهاية.

وكما توصل أوباما عام 2015 لاتفاق مع طهران متجاهلًا حلفاءه الخليجيين، سيصل بايدن إلى اتفاق جديد، دون النظر لمواقف الخليجيين، على الأرجح.

ورغم تأكيد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس أن ممارسات ترامب أزَّمت التوصل إلى حل سهل، في إشارة إلى أن بايدن لن يقدم التنازلات التي تريدها طهران.  إلا أن اقتراب الانتخابات الرئاسية الإيرانية، المزمعة في نوفمبر تشرين المقبل، ومخاوف وصول المتشددين للحكم، سيعجِّل، على الأرجح، من التوصل لاتفاق.

هناك من يعتقد أن الانتخابات في إيران لا قيمة لها في هذا الملف؛ وأن القول الفصل بيد المرشد الأعلى. وسبق أن وصفت وكالة رويترز الرئيس حسن روحاني بعد فوزه بالانتخابات الأخيرة بأنه “إصلاحي مزيف فاز بانتخابات وهمية”.

لقد أكدت الولايات المتحدة أنها ستشاور حلفاءها قبل اتخاذ أي خطوة مع إيران، لكنها غالبًا تقصد حلفاءها الأوربيين وليس الخليجيين. وقد قبل البيت الأبيض بوساطة أوروبية لفتح باب التفاوض مع إيران.

مؤخرًا، أكد بايدن خلال قمة ميونخ للأمن على علاقة بلاده الوطيدة مع أوروبا، وقال إن هذه العلاقات ستعود لما كانت عليه قبل ترامب. وقد أفسح مجالًا كبيرًا للأوربيين لتحديد ملامح وطريقة حل أزمة إيران، وهو ما سوف ينسحب لاحقًا على قضايا أخرى في المنطقة.

صحيفة الغارديان البريطانية في 23 فبراير شباط إن الاتفاق النووي بشكله القديم ليس صالحًا في ظل الظروف الحالية، لكنه في الوقت نفسه سيكون الأساس الذي سيبنى عليه أيُّ اتفاق جديد.

سياسة بايدن مماثلة تقريبًا لسياسة أوباما، وإن اختلفت في بعض التفاصيل، إلا أنه في النهاية يبدي اهتمامًا واضحًا بمواجهة الصين عسكريًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا، في حين سينتهي الأمر مع إيران، باتفاق يلبِّي مصالح الأطراف المنخرطة فيه، بغض النظر عمَّا يريده الخليجيون، خاصة وأن الغرب يتعامل مع تهديدات إيران بجديَّة.

قد تتوقف الحرب في اليمن كما تعهَّد بايدن لكن الفوضى سوف تستمر، وأي حل سياسي سيمنح الحوثيين بلا شك دورًا في مستقبل البلاد، ما يعني أن إيران ستكون حاضرة على الحد الجنوبي للمملكة، سلمًا كما كانت حاضرة حربًا.

مسيَّرات الحوثي لا تتوقف عن قصف مناطق حيوية في السعودية.

أي مكسب للحوثي في اليمن هو نصر عسكري وسياسي لإيران. ومؤخرًا، قال وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، إن السعودية لن تحقق بالدبلوماسية ما لم تحققه بالحرب. أي أنها ستخرج خاسرة من اليمن على كل حال.

هذا الموقف من بايدن تجاه السعودية ليس بعيدًا أيضًا عن محاولات الرياض الجنوح نحو روسيا ومحاولتها الاستعانة بالصين في تأسيس برنامج نووي. ولا عن حرب الإغراق النفطية التي مارستها العام الماضي والتي وضعت شركات أمريكية على حافة الإفلاس، لولا تدخل ترامب. 

لقد علَّق بادين مبيعات أسلحة للرياض، ورفع الحوثيين من قوائم الإرهاب، وحمَّل ولي عهد الرياض مسؤولية قتل الصحفي جمال خاشقجي، وأعلن إعادة تقييم العلاقات مع المملكة، كعربون سياسي لجذب الإيرانيين لطاولة التفاوض.

ورغم أن العقوبات الأمريكية لم تطل ولي عهد السعودية فيما يتعلق بمقتل خاشقجي، فإن السلوك نفسه كان بمثابة وضع للأمير محمد بن سلمان في مساحة محددة، وبطريقة مهينة كما تقول صحيفة الغارديان، فقد حجَّمت الخطوة اعتماده غير المحدود على واشنطن، وأغلقت إلى حد كبير الباب أمام مواصلة الرياض ضغوطها على واشنطن فيما يتعلق بالتفاهم مع طهران.

من الممكن أن يتم إطلاع العواصم الخليجية على بعض تفاصيل المفاوضات مع إيران، بشكل غير معلن وفي حدود. لكن من الصعب جدًا إشراك طرف ثالث في أي اتفاق، أو حتى اطلاعه على كل التفاصيل.

الشيء الأكثر الذي سيهتم به بايدن، هو خلق حالة توافق خليجي، ولو ظاهرية، وعدم السماح بتكرار مغامرة 2017، التي ما كانت لتكون لولا مباركة ترامب لها.

غالبًا، ستكون قطر أكثر استرخاءً خلال السنوات الأربع المقبلة، وربما تلعب أدورًا دبلوماسية كبيرة في الكواليس إلى جانب سلطنة عمان. وربما تزيد الكويت من تقاربها المحسوب إلى المحور التركي-القطري.

ستحاول إدارة بايدن، على الأرجح، كسر غرور نتنياهو وكبح جماح خططه، وتلجيم عمليات الضم الدائرة على أشدِّها، لكنها أيضًا سترعى نموًا ناعمًا للنفوذ الإسرائيلي عبر توسيع اتفاقيات التطبيع، وإن بوتيرة أبطأ وصخب أقل. كما ستحيي واشنطن غالبًا علاقتها بالسلطة الفلسطينية وستعيد فتح النقاش الأزلي بشأن حل الدولتين، الذي يعرف الجميع أنه لن يتحقق يومًا.

الأكيد أن واشنطن ستطلع دولة الاحتلال على ملامح تفاصيل أي اتفاق مرتقب مع طهران، لكن بايدن يبدو حريصًا على تأكيد مسألة أنه لن يستأذن نتنياهو قبل اتخاذ ما يراه صحيحًا.

في الأخير، ستمضي إدارة بايدن، على الأرجح، نحو تعزيز مكانة إيران كقوة إقليمية يمكنها قضم جزء من النفوذ التركي المتزايد، مع تحجيم تهورُّها ومنعها من امتلاك قنبلة نووية. ولعل هذا ما دفع الأتراك إلى محاولة تصحيح العلاقات مع القاهرة والرياض.

الأكيد ان كل تحركات إيران ستخضع لرقابة شديدة، وسيكون الرد على أي محاولة للتسلُّح النووي ساحقًا.

ومع ذلك، تتوافق الإدارة الجديدة مع سابقتها في ضرورة تخفيف الحضور الأمريكي العسكري في المناطق الساخنة لأن الولايات المتحدة لم تجن من هذه المناطق إلى التراجع على كافة المستويات.

ويتشابه الانسحاب الأمريكي الجزئي من المنطقة يتشابه مع انسحاب أوباما من العراق، الذي منح إيران فرصة السيطرة على العراق.

ما يحدث قد يكون اتفاق تقاسم نفوذ بين الأمريكيين والصينيين في إيران وبينهم وبين الروس في وسوريا، وقد يكون مجرد تقليل للحضور العسكري الأمريكي من منطلق المصالح الأمريكية فقط.

ربما يكون الأمر ورقة ضغط تمارسها واشنطن على الرياض، لكن الملامح الواضحة لسياسة بايدن الخارجية تتلخص في تقديم الدعم للحلفاء وتخفيف التواجد العسكري الأمريكي إلى أدنى درجة ممكنة.

لقد أعلن بايدن أنه سيقلل حضور بلاده العسكري في المناطق غير المعقدة مع الإبقاء على قوات خاصة لتنفيذ عمليات معينة، كما إنه جعل القوة خيارًا أخيرًا في المنطقة. وقال إنه لن يترك في المنطقة إلا ما بين 2000 و2500 جندي لمساعدة الشركاء والانتقال من القيادة إلى الدعم في مواجهة التهديدات”.

 الانسحاب الأمريكي دون ترتيب مع دول المنطقة يعزز من نفوذ إيران في المنطقة ويزيد من خطرها على دول الخليج التي لا تمتلك غطاءً دفاعيًا يمكنها من مواجهة الخطر الإيراني المتزايد. بالتالي فإن هذه الاستراتيجية ستضع دول المنطقة أمام تهديدات جدية وكبيرة وربما تدفعها لتقديم تنازلات كبيرة لدول مثل الصين.

وسبق أن طالب أوباما قادة الدول العربية بأن عليهم حماية دولهم لأن واشنطن ستكتفي بتقديم الدعم وتحويل قوتها إلى مناطق أكثر أهمية بالنسبة لها.

وربما يكون إدخال إسرائيل ضمن القيادة المركزية بالمنطقة هو جزء من خطة الانسحاب الأمريكي ومنح دولة الاحتلال دور الحامي لمصالح واشنطن في المنطقة.

الشيء الوحيد غير الواضح حتى الآن، هو موقف دولة الاحتلال من إيران، وسيبقى هكذا لفترة على الأقل. رغم أن هناك قاعدة تقول إن جيش الاحتلال لا يطلق رصاصة دون ضوء أخضر من البيت الأبيض.

لكن مخاوف “تل أبيب” المتزايدة من اتساع التمدد الإيراني في المنطقة، وطموحات نتنياهو السياسية وخوفه من السجن إن هو غادر منصبه، قد يدفعه للمغامرة اعتمادًا على دعم الحلفاء الجدد، من العرب. وهذا سيأخذ المنطقة نحو مسار جديد.

يوم الخميس 25 فبراير شباط، أكد نتنياهو وولي عهد المنامة سلمان بن حمد، على ضرورة إشراك دولة الاحتلال والخليجيين في أي محادثات جديدة بشأن إيران. كما أكد وزير جيش الاحتلال بيني غانتس أن قواته على أهبة الاستعداد لضرب إيران في أي وقت.

وفي 25 فبراير شباط الجاري، نقل موقع “i24News” العبري، عن مصادر أن تل أبيب تتشاور مع السعودية والإمارات والبحرين لتشكيل تحالف دفاعي أمني في مواجهة إيران. ولاحقًا تم الكشف عن اتصالات بين نتنياهو ووزير جيشه بيني غانتس، بملك الأردن وسلطنة عمان، ضمن المشاورات ذاتها.

أما فيما يتعلق بالعلاقة من الإمارات، فغالبًا، سيتواصل التعاون الأمني، وستواصل أبوظبي لعب دور عرَّاب التطبيع في المنطقة، وقد أشاد بايدن بالتطبيع الإماراتي وأعرب عزمه العمل على التقريب بين “تل أبيب” وجيرانها.

على الجانب التركي، لم تتضح نوايا بايدن بعد، ورغم حالة عدم التوافق التي يتعمد بايدن إظهارها تجاه نظيره التركي، إلا أنه غالبًا سيحاول ترتيب العلاقات على نحو يقلل من حدَّة التعاون التركي الروسي سواءً السياسي في سوريا أو العسكري في صفقة صواريخ “إس-400”.

قد لا تكون العلاقات التركية الأمريكية كما كانت خلال سنوات ترامب، لكنها لكن تكون سيئة كما يعتقد، أو كما يريد، البعض.

وفي القاهرة، ستواصل إدارة بايدن غالبًا ضغوطًا لا تؤثر على العلاقات الاستراتيجية والتعاون المهم بين البلدين. ولن يتجاوز الأمر حدود البيانات والبيانات المضادة، طالما أن القاهرة قادرة على تسيير وضعها الداخلي دون اضطرابات.

تبقى سوريا والعراق التي سيتعامل معها بايدن على الأرجح كمكان يمكنه من خلالهما إيصال رسائله العسكرية لطهران، والإبقاء عليهما في إطار لعبة عض الأصابع معها. فضلًا عن أنه سوريا قد تكون المستنقع الذي يبتلع الروس في النهاية، كما يقول البعض.

صحيفة “نيويورك” تايمز”، نشرت مقالًا في الثاني والعشرين من الشهر الجاري، قالت فيه إن الرئيس أوباما وعد قبل 8 سنوات بإنهاء “الحرب الأبدية”، في إشارة إلى ما تسميه الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب”.

لكنه في النهاية وسَّع من هذه الحرب التي تستهدف الجماعات الإسلامية المسلحة التي يرون أنها تهدد أميركا. مشيرة إلى بايدن يمضي نحو نفس الطريق؛ فقد تعهد بإنهاء الحروب لكنه في المقابل بدأ بتوجيه ضربات لجماعات مسلحة في سوريا قيل إنها استهدفت قوات أميركية في العراق، دون الرجوع للكونغرس.

وقالت الصحيفة إن تنفيذ الضربات استنادًا للمادة الثانية من الدستور التي تجيز للرئيس توجيه ضربات خفيفة دون الرجوع للكونغرس يعني أن الأمر قد يستمر.

اليوم، قرر بايدن سحب جزء من قوات بلاده في منطقة الخليج وتوجيهها نحو مناطق أخرى، وهي خطوة تبدو روتينية، لكنها أيضًا بعثت رسائل للخليجيين ولا سيما السعوديين، بأنه لا أحد يمكنه الاعتماد على واشنطن طول الوقت.

شارك