ميانمار.. محاكمة الزعيمة المعزولة على وقع اضطرابات متصاعدة

وجَّه قادة الانقلاب العسكري في ميانمار اتهامات للزعيمة المعزولة أونغ سان سو تشي،  بانتهاك قانون للأسرار الرسمية يعود للحقبة الاستعمارية، وذلك في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات المطالبة بعودة الديمقراطية.

وجرى الكشف عن الاتهامات الموجهة للزعيمة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، وسط غضب دولي متنامٍ من عمليات القمع التي يمارسها الانقلابيون ضد المحتجين المدنيين.

ومثلت سو تشي أمام محكمة عبر الفيديو في العاصمة نايبيداو، لمواجهة سلسلة اتهامات قد تمنعها من تولي منصب سياسي مستقبلًا.

وتتعلق بـ”انتهاك قانون للأسرار الرسمية” في دعوى قُدمت ضدها منذ 25 مارس آذار.

وتطرّقت الجلسة إلى الجوانب الإدارية للقضية بما في ذلك تعيين 8 محامين رسميًا للدفاع عن السياسية التي تحظى بشعبية جارفة في بلادها.

وقال خين ماونغ زاو، وهو أحد محاميي أونغ سو تشي، للصحفيين إن وضعها الجسدي جيد، وإنها كانت ذكية وجذابة كعادتها.

وطلبت الزعيمة المعزولة، بحسب زاو، أن تتمكن من عقد لقاء مع محاميها وعقد اجتماع خاص لمناقشة القضية دون أي تدخل خارجي من قبل الشرطة أو القوات المسلحة.

ويحقق قادة الانقلاب كذلك في اتهامات تتعلق بتلقي دفعات كذهب وأكثر من مليون دولار نقدًا، لكن محاميها استبعد توجيه اتهامات رسمية لها بهذا الشأن حاليًا.

الحزب الحاكم بزعامة أونغ سو تشي حصد أغلبية في الانتخابات التي سبقت الانقلاب.

حرق دستور العسكر

في غضون ذلك، أعلنت مجموعة من النواب المنتمين لحزب سو تشي “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية”، والذين تمّت الإطاحة بهم، عن خطط لتشكيل “حكومة مدنية جديدة” في غضون الأسبوع الأول من أبريل نيسان.

وأفادوا بأن دستور ميانمار الذي صاغه الجيش في 2008 “لا يعتد به”، وعبروا عن ذلك بحرق نسخ منه الخميس، في الشارع مع المتظاهرين في رانغون.

وأظهرت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، نسخًا حقيقية ورمزية من الدستور، يتم حرقها في التجمعات والمنازل.

وجرى ذلك خلال ما وصفه أحد النشطاء “بمراسم حرق الدستور” بحسب وكالة “أسوشيتد برس”.

المحتجون أحرقوا نسخًا من الدستور أمس الخميس.

عقوبات بريطانية

وأمس الخميس، فرضت بريطانيا، التي استعمرت ميانمار سابقًا، عقوبات جديدة على قادة الانقلاب، ردًّا على الحملة الأمنية العنيفة ضد المحتجين.

وأعلنت عقوبات على شركة “ميانمار” الاقتصادية، وهو تكتل تابع للمؤسسة العسكرية أدرجته واشنطن في وقت سابق على قائمتها السوداء.

وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، إن جيش ميانمار انحدر بشكل أكبر أخلاقيًا عبر قتله المتعمّد للأبرياء بمن فيهم الأطفال.

وستؤثر هذه الإجراءات على أحد أهم مصادر تمويل المؤسسة العسكرية في ميانمار، بحسب راب.

إلى ذلك، أضرم محتجون، الخميس، النيران في متجرين تابعين للجيش برانغون، بينما قطعت شركات دولية عدة علاقاتها مع المؤسسة.

وأعلنت شركة ألمانية، الأربعاء، تبيع المواد الخام لمصرف ميانمار المركزي لإصدار الأوراق النقدية تعليق شحناتها إليه.

كما أعلنت شركة “فولتاليا” الفرنسية للطاقة المتجددة، أنها ستنسحب من البلاد على خلفية الأزمة السياسية والإنسانية.

استهداف للمسعفين ودعوات للتحرك

وأكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن قوات الأمن تستهدف المسعفين على وجه الخصوص.

وقال مدير منطقة آسيا والهادئ لدى المجموعة ألكساندر ماثيو، إنه “تم توقيف مسعفي الصليب الأحمر وموظفي الصحة من دون وجه حق وتعرّضوا للترهيب والإصابات”.

كما تم إلحاق أضرار بممتلكات الصليب الأحمر وسيارات الإسعاف التابعة له، وفق ماثيو، الذي قال إن هذا أمر غير مقبول.

إدانة أممية جديدة

ودان مجلس الأمن الدولي “بشدّة” مقتل مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في ميانمار (بورما)، وذلك في بيان صدر الخميس بإجماع أعضائه.

وخفّفت الصين كثيرًا من نبرة النص ومضمونه خلال مفاوضات شاقّة استمرت يومين. وصاغت البيان بريطانيا، التي كانت تحتل ميانمار سابقًا.

وأعرب أعضاء المجلس الـ15 عن قلقهم العميق إزاء التدهور السريع للوضع، وأدانوا بشدة استخدام العنف ضد متظاهرين سلميين ومقتل مئات المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

قوات الانقلاب تواصل قمع الاحتجاجات بكل قوة.

وتضمنت مسودات سابقة من هذا البيان عبارة تقول إن مجلس الأمن “مستعد للنظر في خطوات جديدة”، في تلويح بإمكانية فرض عقوبات قادة الانقلاب.

وسيطر الجيش على السلطة في ميانمار قبل شهرين في انقلاب يرفضه قسم كبير من السكان الذين يحتجون في مظاهرات سلمية يقمعها الجيش، مما أدى إلى مقتل 535 مدنيًا على الأقل.

وأفاد دبلوماسيون بأن الصين، التي تعارض بشدة فرض أي عقوبات على قادة الانقلاب، أحبطت مرارًا محاولات قامت بها دول غربية لتمرير النص وذلك بسبب تضمّنه، من بين أمور أخرى، هذه العبارة.

وخلا البيان من هذه العبارة ومن أي تلويح بعقوبات، واكتفى بالقول إنه “سيبقي الحالة قيد الاستعراض الدقيق”.

ضغوط صينية روسية

وفرضت بكين في ختام المفاوضات بشأن البيان استبدال عبارة “قتل مئات المدنيين” مكان “مقتل مئات المدنيين”.

كما أعاقت روسيا عدَّة مرات صدور النص لأنها أرادت تضمينه عبارة تدين مقتل أفراد من قوات الأمن في المظاهرات، وهو ما خلا منه في البيان في النهاية.

وقال أحد الدبلوماسيين لوكالة الصحافة الفرنسية مشترطًا عدم نشر اسمه، إن نجاح المجلس في التكلم بـ”صوت واحد” يبعث “إشارة مهمة جدًا” إلى جيش ميانمار.

واعترف الدبلوماسي ضمنيًا بأن الغربيين اضطروا لتقديم العديد من التنازلات إلى بكين لصدور البيان.

واستولى الجيش على الحكم بالقوة مطلع فبراير شباط الماضي، ولم يتمكّن مجلس الأمن من إصدار أي قرار بشأنه، وأفلح فقط في إصدار ثلاث بيانات، بما فيها ذلك بيان الخميس.

ولا يمكن لمجلس الأمن أن يُصدر أي بيان إلا بالإجماع، في حين أن قراراته تصدر بالأكثرية، لكن امتلاك الصين حق الفيتو كفيل بوأد أي مشروع قرار في المهد.

وترفض الصين، الداعمة الأولى لميانمار، الاعتراف بحصول انقلاب عسكري في ميانمار، وقد سعت لتخفيف مضمون كل ما يصدر عن المجلس في هذا الشأن.

وحذرت مبعوثة الأمم المتحدة كريستين شرانر بورغنر، المجلس، الأربعاء، من أن ميانمار تواجه خطرًا “غير مسبوق” بالانجرار إلى “حرب أهلية”.

وطالبت بورغنر المجلس باستخدام “كل الوسائل” لتجنّب وقوع “كارثة” و”حمام دم” في هذا البلد.

تحذيرات

وحذرت المبعوثة الأممية، الخميس، أعضاء مجلس الأمن الدولي من حدوث كارثة بالمنطقة.

وحذرت خلال الجلسة من أن ميانمار قد تنزلق إلى دولة فاشلة، ومن أن الروهينغا سيعانون أكثر من غيرهم.

وناشدت أعضاء المجلس “النظر في جميع الأدوات المتاحة لاتخاذ إجراءات جماعية ضد الانقلاب، والقيام بما هو صواب، وأن يمنع حدوث كارثة متعددة الأبعاد في قلب آسيا”.

وقدرت بورغنر أعداد المعتقلين من المدنيين بنحو 2559، في حين وصل أعداد القتلى على يد قوات الجيش والشرطة إلى 521.

وتوقعت بورغنر ألا يتعامل الجيش مع وساطة المجتمع الدولي إلا عندما يشعر بقدرته على احتواء الموقف بالقمع.

ودعت إلى الاستجابة لنداء الأمين العام أنطونيو غوتيريش برد حازم وإجراءات يمكنها عكس مسار الأحداث.

وتتفاقم المخاوف من احتمال اندلاع نزاع في البلد الذي عانى منذ عقود من القتال المتقطّع بين “الجيش ومجموعات عرقية متمرّدة”.

وأعربت مجموعات عرقية متعددة في ميانمار يبلغ عددها حوالي 20، وهي مجموعات تسيطر على أراضٍ شاسعة وخاصة في المناطق الحدودية “عن معارضتها للانقلاب وحملة الجيش الأمنية”.

تهديد عرقي

وهددت 3 من هذه المجموعات وهي “جيش التحرير الوطني في تانغ”، و”جيش التحالف الديمقراطي في ميانمار”، و”جيش أراكان” الثلاثاء، بالانضمام إلى صفوف المحتجين.

وكثّفت مجموعتان هما “اتحاد كارن الوطني”، و”جيش استقلال كاشين”، هجماتهما ضد قوات الأمن في الأيام الأخيرة.

وواجه الجيش الهجمات بضربات جوية استهدفت “اتحاد كارن الوطني” بولاية كارن.

وأعلنت شبكة “كارن نيوز” الإخبارية المحلية، أن 11 شخصًا لقوا حتفهم في ضربة جوية استهدفت منطقة تضم منجماً للذهب في الولاية الثلاثاء.

ويواصل الجيش منع التجمعات وقطع الإنترنت في عدد من المدن الكبيرة، وذلك بعد تهديده الصريح الأسبوع الماضي من النزول في التظاهرات.

المصدر : وكالات
شارك