دراسة: ثلث الناجين من كورونا يُعانون أمراضًا نفسية أو عصبية لاحقة

قالت دراسة علمية نُشرت، الأربعاء، إن واحدًا من كل ثلاثة ناجين من فيروس كورونا، تم تشخيصه بحالة عصبية أو نفسية في غضون ستة أشهر من الإصابة.

وقال الدراسة المنشورة في دورية “لانسيت: الطب النفسي” والتي فحصت السجلات الصحية الإلكترونية لأكثر من 236 ألف مصاب بالفيروس، معظمهم من الولايات المتحدة الأمريكية، إن أكثر من ثلث العينة المفحوصة عانوا أمراضًا نفسية وعصبية.

وكان القلق أكثر الأمراض النفسية انتشارًا في تلك المجموعة بنسبة 17 بالمئة، فيما حل اضطراب المزاج في المرتبة الثانية بنسبة 14 بالمئة.

خرف وسكتات دماغية

وعانى بعض المصابين أعراضًا عصبية خطيرة -أمراض لها علاقة بالجهاز العصبي- فمن بين أولئك الذين تم إدخالهم العناية المركزة؛ أصيب 7 بالمئة بسكتة دماغية؛ وتم تشخيص ما يقرب من 2 بالمئة بالخرف.

وكانت هذه التشخيصات أكثر شيوعًا لدى المصابين بفيروس كوفيد-19، منها لدى المصابين بالإنفلونزا أو عدوى الجهاز التنفسي خلال الفترة الزمنية نفسها، مما يشير إلى تأثير معين للعدوى بكورونا المستجد.

ويقول مؤلفو الدراسة، إن النتائج التي توصلوا إليها يجب أن تساعد في وضع خطط جديدة للخدمة الصحية، وتسليط الضوء على الحاجة إلى البحث المستمر، علمًا بأن الدراسة نظرت في 14 نوعًا من اضطرابات الصحة العصبية والعقلية.

حجم الوباء

وفي بيان صادر عن “لانسيت: علم النفس”، قال البروفيسور بول هاريسون الباحث الرئيس للدراسة، والأستاذ في “جامعة أكسفورد” في المملكة المتحدة، إن تلك البيانات المستقاة من عدد كبير من المرضى، “تؤكد ارتفاع معدلات التشخيصات النفسية بعد العدوى”.

كما تظهر أيضًا احتمالية حدوث اضطرابات خطيرة تؤثر على الجهاز العصبي (مثل السكتة الدماغية والخرف).

وأضاف أنه “في حين أن المرض الأخير -الخرف- نادر جدًا، إلا أنه خطير ومحتمل حدوثه بنسبة تم قياسها إحصائيًا، لا سيما في أولئك الذين أصيبوا بفيروس كوفيد-19، وعانوا أعراضًا حادة”.

وعلى الرغم من أن المخاطر الفردية لحدوث معظم الاضطرابات ضئيلة، إلا أن التأثير على جميع المرضى قد يكون كبيرًا، خاصة على أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية، بسبب حجم المصابين جراء الوباء. 

ونتيجة لذلك يقول الباحثون، إن أنظمة الرعاية الصحية تحتاج لتزويدها بالموارد اللازمة للتعامل مع الحاجة المتوقعة، سواء ضمن خدمات الرعاية الأولية أم الثانوية.

بيانات واسعة النطاق

منذ بداية الجائحة؛ كان هناك قلق متزايد من أن الناجين قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات العصبية. 

وأفادت دراسة رصدية سابقة أجرتها المجموعة البحثية نفسها، إلى أن الناجين من الفيروس معرضون بشكل متزايد لخطر الإصابة باضطرابات المزاج والقلق في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الإصابة.

لكن لم تكن هناك بيانات واسعة النطاق تبحث في مخاطر التشخيصات العصبية والنفسية في الأشهر الستة التي أعقبت الإصابة بالعدوى.

وحللت الدراسة الأخيرة بيانات من السجلات الصحية الإلكترونية لـ236379 مريضاً من شبكة “TriNetX” بالولايات المتحدة الأميركية، والتي تضم أكثر من 81 مليون شخص. 

تم تضمين المرضى الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات، والذين أصيبوا بالفيروس بعد 20 يناير كانون الثاني 2020، وكانوا على قيد الحياة في 13 ديسمبر كانون الأول 2020.

في التحليل؛ تمت مقارنة هذه المجموعة بـ105،579 مريضًا تم تشخيصهم بالإنفلونزا و236038 مريضًا تم تشخيصهم بأي عدوى في الجهاز التنفسي (بما في ذلك الإنفلونزا).

اضطرابات فردية

بشكل عام، بلغت النسبة المقدرة للتشخيص باضطراب عصبي أو اضطراب الصحة العقلية بعد الإصابة بكورونا 34%. بالنسبة لـ13% من هؤلاء الأشخاص؛ كان هذا أول تشخيص عصبي أو نفسي مسجل لهم.

وكانت التشخيصات الأكثر شيوعًا بعد الإصابة بكورونا، هي اضطرابات القلق (التي وُجدت في 17% من المرضى) واضطرابات المزاج (14%) واضطرابات تعاطي المخدرات (7%) والأرق (5%)، فيما كان رصد النتائج العصبية أقل بشكل عام، بما في ذلك 0.6% لنزيف الدماغ، و2.1% للسكتة الدماغية، و0.7% للخرف.

مخاطر التشخيص العصبي أو النفسي حضرت بشكل أكبر في المرضى الذين أصيبوا بالعدوى الشديدة. إذ شخص 38% ممن تم إدخالهم إلى المستشفى باضطرابات عصبية، لترتفع النسبة إلى 46% لمن أدخل إلى العناية المركزة، وصولاً إلى 62%، لمن أصيب بالهذيان (اعتلال دماغي) خلال العدوى. 

مقارنات بأمراض أخرى

نظر المؤلفون أيضًا إلى الأشخاص الذين عانوا الأنفلونزا والتهابات الجهاز التنفسي الأخرى خلال الإطار الزمني نفسه، للمساعدة في فهم ما إذا كانت هذه المضاعفات العصبية والعقلية مرتبطة بشكل خاص بكورونا. 

وبعد مراعاة الخصائص الصحية الأساسية، مثل العمر والجنس والعرق والحالات الصحية الحالية، كان هناك خطر أكبر بنسبة 44% لتشخيصات الصحة العصبية والعقلية بعد كورونا مقارنة بالإنفلونزا؛ و16% خطر أكبر مقارنة بالتهابات الجهاز التنفسي. 

نتيجة لذلك، يقول المؤلفون إن كوفيد-19 يؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالاضطرابات العصبية والنفسية أكثر من هذه الحالات الصحية الأخرى. 

ويشير الباحثون إلى أن النتائج تحتاج إلى إجراء بحث عاجل لتحديد العوامل المؤثرة في الإصابة بالاضطرابات العصبية أو العقلية بهدف منعها أو معالجتها.

نتائج دقيقة؟

وهناك عدد من القيود على الدراسة، يمكن أن تحد من دقة النتائج التي توصل إليها الباحثون. إذ لا يُعرف مدى اكتمال السجلات الصحية الإلكترونية ودقتها. كما أن هناك العديد من الأشخاص الذين قد يكونوا أصيبوا بالأعراض النفسية الخفيفة، ولم يحاولوا الحصول على رعاية صحية، كما أن شدة ومسار الاضطرابات العصبية والنفسية غير معروف.

وقال الدكتور جوناثان روجرز – الذي لم يشارك في الدراسة – وهو باحث من “جامعة كوليدج لندن” (UCL) بالمملكة المتحدة، في مقال تعليق مرتبط: “توجهنا هذه الدراسة نحو المستقبل من حيث أساليبها وآثارها. فنحن بحاجة إلى مراقبة وتوقع النتائج العصبية والنفسية للتهديدات الصحية الناشئة في المستقبل من خلال استخدام بيانات إكلينيكية ضخمة وعالمية في العالم الواقعي”.

وأضاف أن “العديد من الاضطرابات التي تم تحديدها في هذه الدراسة تميل إلى أن تكون مزمنة أو متكررة، لذلك يمكننا توقع أن تأثير الوباء الحالي يمكن أن يكون معنا لسنوات عديدة”.

شارك