لوفيغارو: إلى أين وصل سباق الأسلحة النووية في العالم؟

قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن قرار الرفع من الحدّ الأقصى لعدد الرؤوس الحربية النووية التي تحتفظ بها المملكة المتحدة، دون تغيير عقيدة الردع لديها، كان أمرًا مفاجئًا، وقد ينهي عقودًا من تخفيض عدد الأسلحة النووية في المعسكر الغربي، وتساءلت: هل هو علامة على العودة إلى سباق التسلح من جديد؟

 

وفي تقرير كتبه نيكولا باروت، قالت الصحيفة، الاثنين، إن حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون قررت، في المراجعة الإستراتيجية التي نُشرت في منتصف مارس آذار، زيادة الحد الأقصى لعدد الرؤوس الحربية النووية التي تحتفظ بها بريطانيا، ليبلغ 260 رأسًا حربيًا، بعد أن كانت أعلنت “عام 2010 نيتها خفض السقف الإجمالي لمخزون الرؤوس الحربية النووية من 225 إلى 180 بحلول منتصف عام 2020”.

 

وأوضحت الحكومة، في المراجعة الجديدة، أن التخفيضات التي كانت مقررة لم تعد ممكنة بسبب البيئة الأمنية والتهديدات التكنولوجية والعقائدية المتزايدة، واضعة بهذا الإعلان العسكري السياسي الاستراتيجي في آن واحد حدًّا لعقود من تقليص عدد الأسلحة النووية في المعسكر الغربي.

الردع وعدد الأسلحة

وبما أن الترسانة النووية ليست للاستخدام بل للردع، تساءلت الصحيفة عن أدنى حدّ للردع، مشيرة إلى أن الأمر بالتأكيد يختلف باختلاف الخصم والقدرات التي تمتلكها الدولة، ومن ثم فإن كل دولة تحدد سرًّا مستوى “كفايتها”.

 

فالمخزون الفرنسي مثلًا -حسب الصحيفة- “أقل من 300 سلاح نووي”، وهو أقل بكثير من القدرات الأمريكية والروسية التي تبلغ، وفقًا لتحليلات جادّة لنشرة علماء الذرة، 3800 رأس أمريكي نُشر منها 1750، و4310 رؤوس روسية نُشر منها 1572، في حين تملك الصين 320 رأسًا، فضلًا عن القوى النووية الأخرى كإسرائيل وباكستان والهند وكوريا الشمالية التي تمتلك أعدادًا أقل من ذلك بكثير.

 

وعلقت الصحيفة بأن هذه الأرقام مذهلة، لكنها لا تزال أقل بكثير من الذروة التي بلغها عدد الرؤوس النووية في أثناء الحرب الباردة، علمًا بأن العالم لم يكن أقل أمانًا، إذ ضبطت مجلة علماء الذرة ساعة الدمار عام 2021 عند 100 ثانية قبل منتصف الليل، وهو المستوى الأخطر في تاريخها.

 

والجدير بالذكر أن ساعة الدمار، وتعرف أيضا باسم “ساعة القيامة”، أنشأها علماء أمريكيون في جامعة شيكاغو عام 1949، وهي ساعة رمزية تشير إلى الأخطار المحدقة بالعالم، بما في ذلك احتمال قيام حرب نووية.

 

وتساءل الكاتب: هل التفاوت في الترسانات مدعاة إلى القلق؟ مشيرًا إلى أنه ليس من المهم أن يكون “العدو لديه القدرة على تدمير بلدك 40 مرة، لأنه يكفي أن تكون قادرًا على إلحاق ضرر بالغ به، لجعل هجومه عليك غير منطقي”. كما يوضح أحد الخبراء في هذا الشأن، مستندًا إلى عقيدة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المعلنة في فبراير شباط 2020.

 

وفسرت الصحيفة الإفراط في الترسانة الأمريكية بالحاجة إلى القدرة على التدخل في مسارح عدة في الوقت نفسه، ورأت أن روسيا تريد التكافؤ مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الردع قائم على الغموض، لأن التعريف الدقيق للمصالح الاستراتيجية غير موجود كما لا يوجد تعريف للضرر غير المقبول.

 

غير أن الأولوية شيء آخر، وفق الصحيفة، فمصداقية الردع تقوم على جعل الأسلحة النووية قادرة على إصابة هدفها، أما الرقم فهو للاطمئنان، وليس هو المفتاح الوحيد لمنافسة الترسانة.

مصداقية الردع

وتعتمد مصداقية الردع في المقام الأول -حسب الكاتب- على الأسس التكنولوجية والعلمية التي تجعل من الممكن تصميم الأسلحة ومعرفة كيفية تطويرها، ويليها العامل العسكري لتظهر الجيوش فعالية ردعها عن طريق إجراء التدريبات بانتظام أو اختبار معداتها، أما العامل الأكثر أهمية فهو العامل السياسي.

 

وفي المراجعة المتكاملة، أخذت الحكومة البريطانية منعطفًا جديدًا بالتخلي عن عنصر من الشفافية عندما قالت في بيانها “لن نعطي بعد الآن أرقامًا عامة عن مخزوننا التشغيلي وعدد الرؤوس الحربية المنشورة أو الصواريخ المنتشرة”.

 

وعلقت الصحيفة بأن هذا الغموض يعقد حسابات المعتدين المحتملين، علمًا بأن استراتيجية الغموض لدى الديمقراطيات تستجيب لاستراتيجية غموض منافسيها.

 

ونبهت الصحيفة على أن الصين لا تتحدث عن ترسانتها، كما أن العقيدة الروسية هي الأخرى مثيرة للجدل فهي تعتمد منطق “التصعيد من أجل التهدئة”، وذلك يخفض عتبة استخدام الأسلحة النووية، خاصة أن عقيدة روسيا المحدثة تحصر استخدام الأسلحة النووية في الردع، غير أن خبيرًا في هذا المجال ينبه على أننا “يجب ألا نعتقد أن العقيدة النووية ثابتة، لأنها تتكيف باستمرار مع التقنيات الجديدة”.

هل انطلق سباق التسلح؟

ويقول كورانتين تروستلين، المتخصص في قضايا الردع في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إن “العالم كان مختلفًا تمامًا عندما اتخذت المملكة المتحدة قرارها بتخفيض عدد رؤوسها النووية إلى 180″، إذ لم تكن روسيا قد غزت شبه جزيرة القرم بعد، ولم تكن للصين طموحات كبيرة، أما الآن فقد عادت مخاطر الصراع وازدادت المنافسة بين القوى العالمية والإقليمية.

 

ونقلت الصحيفة عن ضابط فرنسي رفيع المستوى قوله إن “قرار الحكومة البريطانية يتعلق بمنطق بريطانيا العالمية، فيجب أن نظهر أن المملكة المتحدة عادت”، وهذا لا يعني التشكيك في منطق الحدّ من عدد الأسلحة النووية، خاصة بعد تمديد معاهدة البداية الجديدة التي تحدد عدد الأسلحة المنشورة بين الولايات المتحدة وروسيا بنحو 1550.

 

وخلصت الصحيفة إلى أن الوضع في آسيا قد يكون أخطر بسبب السباق بين الهند وباكستان غير الموقعتين على منع انتشار الأسلحة النووية، وسعي الصين الحثيث إلى تحديث ترسانتها بإنشاء ثالوث نووي: أرض جو بحر، فضلًا عن أن البرنامج النووي الكوري الشمالي والملف النووي الإيراني لا يزالان يمثلان تهديدًا بالانتشار النووي.

 

وتساءلت: هل يمكن حظر الأسلحة النووية بعد أن دخلت معاهدة الحظر التي تجعل الأسلحة النووية غير قانونية نظريًا حيز التنفيذ في بداية العام؟ مشيرة إلى أن الإعلان البريطاني قد يكون بمنزلة تذكير بواقع ميزان القوى.

شارك