واشنطن بوست: الاقتصاد المتدهور في الأردن يمثل نقطة حشد أخرى للغاضبين

قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إن مدينة البتراء القديمة باتت فارغة، مشيرة إلى أن عدد الحمير والإبل بها أصبح يفوق عدد الأشخاص في أبريل نيسان.

وفي أحد صباحات أبريل نيسان، تضيف الصحيفة، كان أقل من اثني عشر سائحًا يحدقون في الخزانة، وهي عبارة عن هيكل يبلغ ارتفاعه 128 قدمًا منحوتًا في الحجر الرملي.

قبل وباء كورونا، كانت البتراء تجتذب آلاف الزوار يوميًا. لكن عمليات الإغلاق العالمية واضطراب السفر دمرت صناعة السياحة الحيوية في الأردن، والتي يشار إليها غالبًا باسم “نفط الأردن”.

هذا الأمر، تقول الصحيفة، تسبب في موجات من الإحباط والغضب بين الأردنيين الذين تعتمد سبل عيشهم بالكامل على تدفق المملكة للزوار.

وتشكل الضائقة الاقتصادية المتزايدة، والقطاع العام المتضخم، والبطالة المتزايدة بعضًا من أكبر التحديات للملك عبد الله الثاني، وهي بمثابة نقاط حشد للمنتقدين، بما في ذلك بعض الذين طالبوا باستبدال الملك بأخيه غير الشقيق، الأمير حمزة بن الحسين، وفق الصحيفة.

تصاعدت التوترات الداخلية إلى العلن في وقت سابق من هذا الشهر حيث أمر عبد الله باحتجاز حمزة وآخرين.

“السياحة توقفت، يقول أيمن البدول، 31 عامًا، الذي يعمل مع بقية أفراد أسرته في متجر للهدايا التذكارية داخل مجمع البتراء الواقع على بعد 140 ميلاً جنوب العاصمة عمان، مضيفًا “لقد توقف كل شيء”.

ويضيف البدول: “كل شيء هنا مرتبط بالسياحة.. معظم الناس كانوا يعيشون بدون دخل يمكن التحدث عنه خلال العام الماضي. لقد عدنا إلى حياة أسلافنا”.

وتشير الصحيفة إلى أن الناس أصبحوا يخبزون خبزهم بأنفسهم، ويحصدون الزيتون ويقطعون اللحوم من وجباتهم الغذائية، لافتة إلى أن العائلات البدوية غاصت في مدخراتها.

تقول الصحيفة إن هذه المجتمعات تقليديًا تعتمد على بعضها البعض، وليس الدعم الحكومي، للبقاء على قيد الحياة.

نفذت الحكومة الأردنية برامج لدعم المؤسسات السياحية والعائلات المتضررة من الوباء، لكن موارد الأردن المحدودة والمخاوف الاقتصادية السابقة للوباء أعاقت قدرتها على مساعدة مواطنيها في مواجهة الأزمة العالمية.

وبلغ معدل البطالة 19 بالمئة في 2019، وارتفع إلى 23 بالمئة في 2020، بحسب دائرة الإحصاءات الحكومية الأردنية.

منظمة هيومن رايتس ووتش، قالت في تقرير سابق، إن الأردن بعيد كل البعد عن كونه البلد الوحيد الذي تضرر اقتصاده السياحي بسبب الوباء. لكن الألم أكثر حدة مما هو عليه في العديد من الأماكن، بحسب الصحيفة. مشيرة إلى أن التدهور الاقتصادي قائم من قبل في البلاد.

وأشارت المنظمة إلى أن شبكة الأمان الاجتماعي غير ملائمة بشكل مؤسف، وأجبرت آلاف العائلات على اقتراض المال لدفع ثمن الطعام والإيجار والنفقات الطبية وغيرها من ضروريات الحياة”.

صورة بدون تعليق

يقول أيمن البدول إنه له أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 4 و 14 سنة، مضيفًا أن عائلته عادت إلى الزراعة ورعي الأغنام لتغطية نفقاتهم. لكن حتى دفع ثمن العلف باهظ الثمن، فهو ليس لديه إنترنت، لذلك كان أطفاله خارج المدرسة.

ويضيف “كانت هناك بعض المساعدة الحكومية، لكنها لم تكن مساعدة كبيرة”. وقد استفادت عائلة البدول من مبادرة الوظائف الحكومية، والقيام ببعض الأعمال العمالية داخل الموقع الأثري وتنظيف الممرات من الحجارة المتساقطة. لكن أفراد الأسرة يقولولن إنهم لم يتلقوا مساعدة حكومية منذ نوفمبر تشرين الثاني.

“نحن لا نشكو كثيرًا”. يقول ابن عمه ابراهيم البدول، مضيفًا “حياتنا بسيطة. لكن كان هناك أناس دمروا. أولئك الذين لديهم عائلات ونفقات وليس لديهم دخل يواجهون مشكلة”.

ومما زاد من غضب السكان من الأزمة الاقتصادية، وفق الصحيفة، سوء التعامل مع الوباء نفسه، وتقييد الأصوات التي تعرب عن انتقادات أو معارضة للسياسات الحكومية.

ومطلع أبريل نيسان ، اعتقل الجيش الأردني مالك ومدير الأخبار لقناة “رؤيا” التلفزيونية بعد أن بثت القناة الأردنية مقطعًا اشتكى فيه العمال من قلة العمل بسبب الإغلاق الصارم الذي فرضته الحكومة.

يبدو أن الجزء الأكثر إشكالية، بالنسبة إلى وسائل الإعلام الحكومية، كان اقتباسًا من عامل في حي فقير، قال فيه: “أنا بحاجة لإطعام أسرتي، فماذا أفعل الآن؟ هل ألجأ إلى السرقة أو بيع المخدرات؟ هل يجب أن نبدأ في التسول في الشوارع؟”.

واعتقل صحفي آخر بعد أن كتب مقالًا افتتاحيًا ينتقد الحكومة لتطعيمها الوزراء قبل إعلان رسمي عن وصول لقاح فايزر بيو إن تك. تم تطعيم 1.2 بالمئة فقط من سكان الأردن بشكل كامل، وفقًا لبيانات جامعة جونز هوبكنز.

تقول الصحيفة، إن قمع حرية التعبير لطالما كان دعامة أساسية في الحياة الأردنية، مضيفة “كانت مثل هذه القيود مقبولة إلى حد كبير في مقابل الاستقرار الاجتماعي الذي يوفره الأردن للمقيمين، لكن الأزمة الاقتصادية في حقبة الوباء اختبرت تسامح الجمهور”.

وتصاعد الغضب الشهر الماضي عندما قال صخر دودين، المتحدث باسم الحكومة ووزير الإعلام، إن “الرؤوس ستدحرج” بعد تسريب وثيقة رسمية بشأن قيود فيروس كورونا الجديد.

وترسخ قوانين مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني في المملكة الرقابة الذاتية في الحياة اليومية. لكن عام من التدهور الاقتصادي دفع الناس أحيانًا إلى الاحتجاج في الآونة الأخيرة.

الشهر الماضي، دعا مواطنون غاضبون حمزة لتولي السلطة من الملك عبد الله، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في المظاهرات.

صورة بدون تعليق

في وقت سابق من هذا الشهر، توغلت هذه المعارضة في صفوف العائلة المالكة. أصدر حمزة مقطع فيديو في 3 أبريل  نيسان قال فيه إنه قيد الإقامة الجبرية. وقد جاء الفيديو المسرب عقب حملة اعتقالات جرت في تلك الليلة لأفراد قالت الحكومة إنهم كانوا يتآمرون مع كيانات أجنبية لزعزعة استقرار البلاد وأمنها.

وظهر تسجيل لاحقًا لرئيس الجيش يطلب من الأمير الامتناع عن التحدث أو الاجتماع مع أفراد من غير العائلة، والتوقف عن التغريد. صاح الأمير بجملة تضرب على وتر حساس لدى العديد من المواطنين: “أنا أردني حر”.

ازدادت المعارضة العامة منذ عام 2018، تضيف الصحيفة، عندما طالت الاحتجاجات الواسعة النطاق بشكل غير مباشر الملك، وهو “خط أحمر” سابق في البلاد.

“هذه الاحتجاجات العاطفية تسجل أيضًا إحباطًا عميق الجذور ومستمرًا تجاه التزام النظام بالإصلاحات النيوليبرالية بالإضافة إلى اعتماده على المساعدات الخارجية الموسعة لدعم الاقتصاد المتعثر وتعزيز قدرته القمعية لتأمين سلطته”، تقول جيليان شويدلر، أستاذة العلوم السياسية في كلية هانتر، تكتب في كتابها القادم “احتجاج الأردن”.

ولا تزال السياحة خيطًا رئيسيًا في الاستقرار النسبي للأردن، حيث شكلت ما يقرب من 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2019 ، وفقًا لوزارة السياحة.

وقد زار البتراء وحدها في ذلك العام أكثر من 1.1 مليون سائح. وقدرت توقعات ما قبل الجائحة ارتفاعًا بنسبة 10 في المئة تقريبًا في عام 2020.

وبدلاً من ذلك، كانت الإيرادات من السياحة في عام 2020 أقل من ربع تلك في العام السابق. وقال وزير السياحة نايف الفايز لصحيفة واشنطن بوست في مقابلة “نركز الآن على إدارة الأزمات في صناعة السياحة”.

ينصب التركيز الآن، وفق الصحيفة، على تقليل الضرر خلال الأشهر الـ 12 المقبلة، في ظل عدم وجود نموذج يحتذى به، حيث تواجه جميع البلدان في العالم صراعات مماثلة.

يقول فايز البدول إنه يتفهم إحباط أولئك الذين تعطلت سبل عيشهم بسبب الوباء. لكن الحكومة لديها أدوات اقتصادية محدودة، مضيفًا: “هذه هي قدراتنا، وهذا ما هو متاح.. لا يمكننا أن نفعل أكثر من هذا. وقدراتنا الاقتصادية محدودة”.

لكن العديد من الأردنيين، خلف الأبواب المغلقة، يشكون من ارتفاع الضرائب وعدم وجود مزايا حكومية كافية، تقول الصحيفة، مضيفة “عامًا بعد عام، يكتب الملك رسائل يعد فيها بالإصلاحات.

لكن الكاتب والناشط الأردني هشام بستاني قال للصحيفة: “عمان، مركز السلطة، أصبحت رمزًا للفساد”.

يقول فايز البدول، عم أيمن وإبراهيم، وهو جالس على حشايا تعانق جدران غرفة معيشته ذات الأثاث المتناثر: “كل خمسة أشهر يعطونك كيس أرز مرة واحدة”. ويشير إلى قدر من الشاي الأردني التقليدي المنقوع بالمريمية، قائلًا “نحن نعيش على الخبز والشاي”.

شارك