مراجعة الحسابات واحتمالات إعادة التموضع في العقد الجديد

عندما اندلعت الانتفاضات الشعبية العربية قبل عشر سنوات، انقسمت أنظمة المنطقة السياسية إزاءها بين متوجس سعى لتحجيمها بكل الطرق؛ خشية الانهيار، وأخر مرحب سعى لاستغلالها، بشكل أو بآخر؛ أملًا في تحقيق طموحاته الكبيرة.

وخلال السنوات العشر الماضية، خاضت هذه الأنظمة وتلك حربًا ضروسًا، بعد أن تحول الأمر إلى صراع تحالفات كان من بينها ما هو قائم تحت الطاولة منذ زمن، قبل أن يدفعه الواقع دفعًا للإعلان عن نفسه.

وبعد عشر سنوات من الصراع، ومن الضربات الموجعة، بدأت هذه التحالفات تعاني تصدُّعًا واضحًا؛ ذلك أن مصالح بعض الدول المتحالفة بدأت تتعارض مع بعضها البعض، فيما وجد البعض أن التقارب مع خصوم اليوم قد يكون مدخلًا صحيحًا لحل أزمات اليوم، التي قد تتحول لكوارث غدًا.

وبعد أربع سنوات من محاولات إعادة رسم خريطة المنطقة السياسية والأمنية برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن كافة المتصارعين وجدوا أنفسهم أمام رئيس أميركي جديد مختلف عن سابقه، وبالتالي فقد شرعوا بوضع خطط السنوات الأربع المقبلة، على الأقل، من منطلق وجود جو بايدن على رأس العالم.

لقد أبدى بايدن خلال الشهرين الماضيين اهتمامًا بمواجهة الصين وروسيا، وبدا عازمًا على التوصل لاتفاق مع إيران، رغم تعثر المفاوضات، ما يعني تراجع بقية أزمات المنطقة في قائمة أولوياته، وهو أمر يبدو امتدادًا لسياسة باراك أوباما.

بايدن يوجه غالبية اهتمامه نحو مواجهة الصين وروسيا والاتفاق إيران.

ما جعل احتمالات حدوث تغيرات خلال السنوات الأربع المقبلة، ليس فقط تعامل بايدن المختلف مع قضايا استراتيجية بالمنطقة، وإنما أيضًا دخول بعض القضايا إلى مربع الخطر، بالنسبة لكثير من الدول؛ الأمر الذي دفع وسيدفع غالبًا كبار اللاعبين الإقليميين إلى تعديل خطط اللعب، خلال المرحلة، على الأرجح.

وبعد نجاح الأتراك في العبور بالدوحة من أزمتها مع الرباعي العربي، بخسائر يمكن تجاوزها رغم قسوتها، فإن إيجاد صيغة للتفاهم مع أنقرة قد يكون حلًا أكثر براغماتية في الوقت الراهن لمواجهة تحديات كبيرة تواجه دولًا مثل السعودية ومصر والأردن، في حين تحتاج أنقرة إلى التقارب مع الدول نفسها، وبالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر.

تقارب تركي مصري سعودي

على مدار عقود، نجحت إيران في تكوين أخطبوط من الميليشيات المسلحة حول منطقة الخليج، وبفضل منظومة طهران الصاروخية المتقدمة، باتت هذه الميليشيات تقصف قصر اليمامة الملكي من العراق، وتهاجم مطار أبها الدولي من اليمن. فضلًا عن استهداف أهم موانئ تصدير الطاقة بالمملكة.

وفي ظل ضبابية الموقف الأميركي من الرياض، يبدو أن سعي الأخيرة لتحصيل دعم تركي بات الحل الأكثر عقلانية، وقد أكد الرئيس التركي منتصف الشهر الجاري أن الرياض طلبت منه شراء طائرات مسيَّرة (بيرقدار).

طائرة بيرقدار التركية أثبتت كفاءة عالية في القتال.

وبعد أن كانت الرياض تبحث عن تأمين الحماية الأميركية من الخطر الإيراني الآخذ في التمدد، عبر فتح علاقات كادت تصل إلى الطابع الرسمي مع دولة الاحتلال بوصفها الممر الآمن لواشنطن، أصبح سلوك الإدارة الأميركية الجديد يشي بأن بنيامين نتنياهو لم يعد الخيار الأفضل والأكثر ضمانًا، كما كان في فترة ترامب، على أقل تقدير.

ورفض الحوثيون، المدعومون من إيران، الخطة التي طرحها المبعوث الأميركي تيموثي ليندركينغ، هذا الشهر، لوقف الحرب، وهددوا بمواصلة القتال حتى تتوقف السعودية أولًا، أي بعد استسلام الرياض، ضمنيًا.

وبدأ الحوثيون مؤخرًا هجومًا كاسحًا على مأرب بهدف انتزاع السيطرة على آخر معقل للحكومة، الموالية للرياض، في شمال اليمن، وذلك بالتزامن مع قصف متواصل وعنيف على مواقع سعودية مهمة.

ومع إعلان الحوثيين قصفهم قاعدة الملك خالد ومطار أبها الدولي جنوبي المملكة، وقصف ميناء رأس تنورة، الذي يبعد 1500 كيلو متر على العاصمة صنعاء، فإن التقارب السعودي التركي ربما يكون أكثر فعالية.

وقد تحدثت تقارير عن وصول طائرات بيرقدار التركية المسيَّرة فعليًا إلى قاعدة الطائف الجوية.


دخول الطيران التركي المسيَّر غير قواعد اللعبة في ليبيا وأذربيجان وفي الشمال السوري، وسيفعل الشيء نفسه في اليمن، برأي خبراء.

الجانب التركي أيضًا بحاجة لوقف حملة المقاطعة السعودية لمنتجاته من جهة، ولكسب الرياض كحليف سياسي وعسكري واقتصادي لمواجهة الضغوط الغربية عليه من جهة أخرى.

ففي الوقت الراهن، تقاتل تركيا على عدة جبهات، داخليًا وخارجيًا، وتخوض معركة كسر عظم مع الغرب، ما دفعها لمحاولة إحياء العلاقة مع الرياض مستفيدة من الظرف الراهن.

أردوغان وماكرون يخوضان معركة وصفها الرئيس التركي بأنها شخصية.

الأمر نفسه مع مصر، حيث بدأت خطوط الاتصال التركية المصرية تتزايد مؤخرًا بشكل كبير، كما عرض الجانب التركي التدخل لحل أزمة سد النهضة، غير القابلة للحل، شريطة إخراج الغرب من هذا الملف.

وقالت أنقرة إنها طلبت الجلوس مع القاهرة لحل الخلافات، وإن الأخيرة وعدت بالرد في أقرب وقت. هذا بالإضافة إلى أن مسؤولي المخابرات في البلدين جلسا معًا أكثر من مرة، خلال الشهور الأخيرة.

ورغم الرد المصري الفاتر على الخطوات التركية، فإن القاهرة، على الأرجح، لن تهدر فرصة تحصيل دعم أنقرة لمواجهة الخطر الداهم المتعلق بمياه النيل.

وعلى الأرجح، لن تمثل المعارضة المصرية المتواجدة في تركيا، والتي تزعج القاهرة بعض الشيء، حجر عثرة في طريق العلاقات، خاصة وأن المخاطر التي تواجه البلدين باتت أكبر من أن تقف عند هذه النقطة.

الرئيس التركي، ولحسابات تتعلق بخلفيته الإسلامية وأخرى تتعلق بصورته الشخصية لن يطرد أو يسلم المعارضة المصرية المتواجدة في بلاده، وغالبًا لن يغلق النوافذ الإعلامية التي تبث من اسطنبول، لكنه سيروضها على الأرجح.

في النهاية، هذه المعارضة وتلك النوافذ، تستمد وجودها من أنقرة والدوحة، ولا يمكنهما مخالفتهما، وهذا أمر يمكن تلمسه في العديد من المواقف.

تقارب تركيا مع السعودية ومع مصر قد يحدث فوارق جوهرية في قضايا استراتيجية، كما إن توفير دعم تركي للسعودية في مواجهة الحوثيين ولمصر في مواجهة آبي أحمد، الذي يسعى لتزعم إفريقيا، سيعطي قوة للعواصم الثلاث.

كما إن هذا التقارب سيوصل رسالة للولايات المتحدة بأن هذه الدول الثلاث تتحرك كقوى إقليمية سنيَّة لها وزنها وقدرتها على المناورة، وهذا أمر له تأثيره الكبير، خاصة فيما يتعلق بإيران وبدولة الاحتلال أيضًا.

حاليًا تتحدث تقارير عن دعم تركي كبير للجانب المصري في أزمته مع إثيوبيا بسبب سد النهضة، وثمة تفاهمات مصرية تركية أفضت إلى وقف الحرب في ليبيا، كما أعلنت تركيا تقديرها لاحترام المصريين حقوق أنقرة في غاز شرق المتوسط.

قطر أيضًا بدأت تتخذ خطوات تقاربية مع مصر، وقد أثنى وزير الخارجية المصري سامح شكري مؤخرًا على هذه الخطوات، فضلًا عن أنها (الدوحة) عرضت التوسط بين الرياض وأنقرة.

بالإضافة إلى ذلك، تحظى تركيا بعلاقات جيدة مع الكويت وسلطنة عمان، اللتين تبتعدان بنفسيهما عن تجاذبات لن تستطيعا دفع فاتورتها، وتكتفيان بلعب دور الوسيط المحايد.

وزيرا خارجية مصر وقطر خلال أول اجتماع لهما منذ 2017، في القاهرة.

التوسع الإيراني المتواصل

تناور طهران حاليًا من أجل إحياء الاتفاق النووي القديم الذي وقعه مع باراك أوباما عام 2015، ثم مزَّقه ترامب عام 2018.

ورغم الشد والجذب والحرب الإعلامية الدائرة حاليًا بين طهران وواشنطن بشأن آلية إحياء الاتفاق، فإنهما، على الأرجح، يرغبان في العودة لطاولة المفاوضات، رغم صعوبة ذلك حاليًا.

لا يريد الرئيس الأميركي لإيران أن تمتلك القنبلة النووية، وقد تعهد بذلك، لكنه أيضًا يريد منح طهران فرصة لالتقاط نفسها، حتى لا تنفجر في وجه الجميع من جهة، وحتى تكون معادلًا إقليميًّا شيعيًّا في مواجهة تركيا، التي يعتبرونها معادلًا سنيًّا.

وجود معادل كإيران في المنطقة سيحد من الصعود التركي، ومن الطموح السعودي، وسيمنح المشروع الإسرائيلي فرصة النمو وسط صراعات الآخرين.

الإيرانيون يحاولون فرض شروطهم في بعض النقاط وتمرير رؤاهم في بعض الملفات، مستندين في ذلك إلى صواريخهم وطائراتهم المسيَّرة التي يمدون بهما الميليشيات لفرض أمر واقع  خاصة في العراق واليمن، اللتين تمثلان خنجرًان في ظهر السعودية وجنبها.

أحد صواريخ الحوثيين التي استهدفت المملكة.

وبالنظر إلى الرغبة الإسرائيلية الواضحة لتقليم أظافر إيران، وسعيها الحثيث لتوجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية، فإن طهران، غالبًا، لن تقدم تنازلات فيما يتعلق ببرنامجها الصاروخي. وستزيد غالبًا من تدخلها في العراق واليمن.

ستواصل طهران على الأرجح رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، خشية الوصول لطريق مسدود مع الأميركيين، بالنظر إلى الألغام التي زرعها ترامب في طريق إحياء الاتفاق القديم، وبسبب ضغوط داخلية على بايدن قد تدفعه لعدم العودة للاتفاق.

الوكالة الدولية: إيران زادت مؤخرًا من تخصيب اليورانيوم.

هذا التمادي الإيراني، سيدفع السعودية نحو مزيد من التقارب مع أنقرة، بعدما أصبح التعامل العلني مع “تل أبيب” محفوفًا بالمخاطر.

كما إن احتمالات المواجهة الإيرانية الأميركية في العراق، والمواجهة الإيرانية الإسرائيلية في المياه الدولية، ربما يتصاعد مستقبلًا بسبب حالة عدم الثقة بين الأطراف، وأيضًا بسبب رفض كل طرف التنازل عن جزء من أطماعه.

دولة الاحتلال تتوسع عسكريًا وسياسيًا

على مدار سنوات، وبعد تدمير العراق، استغل الغرب طموحات إيران التوسعية لتخويف دول الخليج ودفعهم للتقرُّب من دولة الاحتلال؛ التي كان مجرَّد النطق باسمها يدخل في دائرة الخيانة، في فترة من الفترات.

مع الوقت، فتح الغرب قنوات سريَّة بين الخليجيين، خاصة الإمارات والسعودية، وبين دولة الاحتلال. في حين كانت قطر وسلطنة عمان تتعاملان معها علنًا، واكتفت الكويت بعلاقات سريَّة محدودة جدًّا.

كان أساس هذا التحالف بين بعض الخليجيين ودولة الاحتلال هو الخوف من إيران. وقد بدأ الطرفان مناقشة المخاطر المشتركة في الغرف المغلقة، أولًا. ثم استعانت الرياض وأبوظبي بالدولة العبرية مخابراتيًا وتكنولوجيًا، لاحقًا.

مؤخرًا، تحوَّل الأمر إلى التعامل مع “تل أبيب” بوصفها حائط الصدِّ في مواجهة أطماع إيران، وضمانة البقاء الوحيدة في مواجهة معارضة داخلية آخذة في رفع صوتها وسقف طلباتها.

وبعد أن كانت مجرَّد لص مفضوح محاط بجيش من العيون المفتوحة، أصبحت دولة الاحتلال هي الحليف الذي تلجأ إليه الأنظمة كلما استشعرت خوفًا ما.

وبدعم من ترامب، بدأ تطبيق خطة دمج دولة الاحتلال في الجسد العربي، مقابل إخماد الانتفاضات، ومحو الخطر الإيراني، وتحجيم التحالف التركي القطري.

بعد الإطاحة بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي في يوليو تموز 2013، انزلقت المنطقة سريعًا إلى معركة كسر عظم بين التحالفات، وخرجت للعلن مشاريع لطالما تكتم عليها أصحابها.

حاولت الدوحة الاعتراض على مشروع ترامب، فكان مصيرها مقاطعة أقرب إلى الحصار، ولولا تدخل المؤسسات الأميركية والدعم العسكري التركي المعلن والإيراني غير المعلن، لكان مصيرها الاجتياح.

وقد أكد أمير الكويت الراحل صباح الأحمد في مؤتمر صحفي من واشنطن عام 2017، أن التحرك العسكري كان مطروحًا على الطاولة.

ومقابل توفير غطاء سياسي وعسكري لأنظمة الحكم القلقة من إيران ومن تركيا ومن المعارضة الداخلية، انطلقت أواخر العام الماضي عمليات التطبيع الواسعة التي رعتها الولايات المتحدة، والتي سيواصل جو بايدن رعايتها، غالبًا، لكن دون صخب، أو تغريدات.

التطبيع المأمول مع السعودية سيكون ذرَّة تاج هذه العملية، لأنه سيمنح دولة الاحتلال مكاسب غير محدودة على كافة الأصعدة، خاصة فيما يتعلق بما يصدر عن منبري الحرمين الشريفين.

هناك أيضًا مخاوف إسرائيلية من معلومات عن نية السعودية تطوير برنامج صاروخي أو نووي بدعم من الصين.

ورغم أن هذا المشروع يهدف بالأساس لمواجهة إيران، إلا أن دولة الاحتلال في النهاية تتعامل مع كل سلاح عربي إسلامي على أنه موجه لصدرها.

في الخامس والعشرين من فبراير شباط الجاري، كشف موقع “i24 News” العبري، عن مشاورات تجريها حكومة الاحتلال مع السعودية والإمارات والبحرين لإنشاء تحالف دفاعي ضد إيران.

لكن التقارب التركي السعودي قد يجهز على هذا التكتل المأمول، أو يُخرج الرياض منه على أقل تقدير.

ورغم أن مواصلة إيران سلوكها العدواني تجاه دول الخليج، يزيد من فرص اندماج “إسرائيل” بالجسد العربي، إلا أن ما تقوم به الرياض والقاهرة وأنقرة حاليًا من مراجعة للحسابات، سيحول غالبًا دون تحرك عجلة التطبيع على النحو الذي بدأت به قبل ستة أشهر.

من المتوقع ألا تتخذ إدارة جو بايدن الديمقراطية مواقف متطرفة كالتي كانت تتخذها إدارة ترامب فيما يتعلق بدولة الاحتلال، لكنها في النهاية ستواصل البناء على ما أسسته الإدارة السابقة من اتفاقات للتطبيع لكن وفق جدول زمني مختلف ودون ضجيج.

وفي حال شنَّت دولة الاحتلال حربًا مفاجئة على إيران، فإن حالة الهدوء الظاهرة حاليًا، ستزول سريعًا.

نتنياهو يهدد بضرب إيران من وقت لآخر.

ففي حالة الحرب سينقسم المحوران بين داعم للموقف الأمريكي (المؤيد لإسرائيل) وبين مطالب بالجلوس لطاولة الحوار، ما لم يتدخل الروس والصينيون وتتسع الدائرة.

دول الخليج منقسمة بشأن توجيه ضربة لإيران، فالسعودية والإمارات والبحرين يرغبون بشدَّة في هذه الخطوة، بينما قطر وسلطنة عمان لا تؤيدانها لحسابات خاصة. فيما الكويت تريد الجلوس للتفاوض ما لم يكن ممكنًا توجيه ضربة واحدة ساحقة.

على الأرجح، سيقف العرب إلى جانب أميركا، إذا لم يفلحوا في إيجاد مخرج دبلوماسي، ما لم يصلوا كلهم (العرب) أو بعضهم لاتفاق مع الأتراك يحول دون تحقيق الأطماع الإسرائيلية في المنطقة، سيما وأن غالبية الدول غير راغبة في “إسرائيل”، وإنما تتعامل معها رغبة في واشنطن أو رهبًا من طهران، ليس إلا.

شارك