نيويورك تايمز: أين استعد المتمردون التشاديون لحربهم الخاصة؟.. في ليبيا!

ترجمة-جوبرس

قالت صحيفة “نيويورك تايمز”، الأمريكية، إن المتمردين التشاديين قدموا عملًا مذهلًا، مشيرة إلى أنه تمكنوا بعد أسبوع من هدير قافلتهم المسلحة التي عبرت الصحراء إلى شمال تشاد، من قطع أكبر رأس على الإطلاق في البلاد، إدريس ديبي، الرئيس الذي حكم تشاد بقبضة حديدية على مدار ثلاثة عقود.

وقُتل ديبي (68 عامًا) في ساحة المعركة عندما انفجرت قذيفة بالقرب من سيارته، بحسب أحد كبار مساعديه.

ويوم الأربعاء، بعد يوم واحد من إعلان وفاة ديبي، ساد شعور بالخوف وعدم التصديق في العاصمة نجامينا، حيث نصَّب الجيش رسميًا نجل ديبي البالغ من العمر 37 عامًا، محمد إدريس ديبي. وانتشرت شائعات عن هجوم وشيك للمتمردين على المدينة في شوارعها.

لكن سر النجاح الباهر الذي حققه المتمردون حتى الآن، بحسب الصحيفة، يكمن وراءهم، عبر الحدود الشمالية لتشاد في ليبيا، حيث كانوا يقاتلون كجنود مرتزقة لسنوات.

وتضيف الصحيفة أن المتمردين كانوا يجمعون الأسلحة والمال والخبرة في ساحة المعركة الليبية، وفقًا لمحققين تابعين للأمم المتحدة وخبراء إقليميين.

في الواقع، تقول الصحيفة نقلًا عن مسؤولين تشاديين، لقد استخدم المتمردون الحرب الفوضوية في ليبيا للتحضير لحملتهم الخاصة في تشاد.

وحتى وقت قريب، والحديث للصحيفة، تم توظيف هؤلاء المتمردين من قبل خليفة حفتر، القائد الليبي القوي الذي دافع عنه الرئيس دونالد ترامب. 

وتضيف الصحيفة “لقد قاتلوا بالأسلحة التي قدمتها الإمارات، أحد الرعاة الأجانب الرئيسيين لحفتر”.

لوحة إعلانية في بنغازي الليبية تصور خليفة حفتر

تقول الصحيفة، إن مقر المتمردين العام الماضي كان في قاعدة جوية عسكرية ليبية مترامية الأطراف إلى جانب مرتزقة من مجموعة فاغنر، الشركة الخاصة المدعومة من الكرملين والتي تعتبر رأس حربة لجهود روسيا السرية لنشر نفوذها العسكري عبر إفريقيا.

يقول الخبراء إن الانقلاب غير المتوقع من قبل المتمردين التشاديين يقدم مثالاً صارخًا على كيفية احتضان فراغ السلطة المستمر منذ عشر سنوات في ليبيا، بدءًا من الإطاحة بالعقيد معمر القذافي عام 2011، مجموعة من المرتزقة والجماعات المسلحة الأخرى.

وتنقل الصحيفة عن ناثانيال باول، وهو باحث مشارك في مركز الحرب والدبلوماسية في جامعة لانكستر البريطانية، ومؤلف كتاب “حروب فرنسا في تشاد”، أن بعض هؤلاء المرتزقة ينشر الآن الفوضى في المنطقة.

وسادت حالة من عدم اليقين تشاد منذ وفاة ديبي، مما يلقي بظلال من الشك على استقرار دولة تعتبرها الولايات المتحدة وفرنسا ركيزة أساسية لجهودهما لمواجهة الحركات المتشددة المنتشرة عبر غرب ووسط إفريقيا.

يوم الأربعاء، هدد المتمردون، الذين يطلق عليهم اسم جبهة التغيير والوفاق في تشاد، بالتقدم نحو العاصمة نجامينا نهاية هذا الأسبوع، بعد جنازة ديبي المخطط لها يوم الجمعة.

ومن غير الواضح ما إذا كان المتمردون قادرون على الوفاء بهذا التهديد، كما تقول الصحيفة، مضيفة “لقد تكبدوا خسائر فادحة في وقت مبكر من هذا الأسبوع”.

لقد زعم جيش تشادي أنه قتل 300 متمرّد، لكن المسؤولين العسكريين الأجانب غير متأكدين من بُعد القوات المتمردة عن العاصمة.

ومع ذلك، قام الجيش التشادي بتحصين الدفاعات حول القصر الرئاسي يوم الأربعاء، حيث نفى المسؤولون الشائعات المستمرة عن مقتل أو إصابة الجنرال محمد كاكا، خليفة ديبي.

وقال الشيخ ابن عمر، مستشار رئاسي رفيع المستوى، إنه (محمد إدريس ديبي) كان يتحدث من داخل القصر، مضيفًا “إذا قتل بالرصاص، فهذا يعني أنه ممثل جيد، لأنه حي ويركل”.

ولا تزال هناك تساؤلات حول ملابسات وفاة ديبي الأب، وما إذا كان قد قُتل بالفعل على يد أحد المنافسين.

لكن ابن عمر، كرر رواية القادة العسكريين، القائلة إن الرئيس قتل عندما انفجرت قذيفة من المتمردين بالقرب من سيارته بالقرب من نوكو، على بعد 170 ميلًا شمال نجامينا.

قُتل ديبي في اليوم الذي فاز فيه بالانتخابات السادسة، التي شابتها بعض المخالفات.

وتجاهلت الدول الغربية إلى حد كبير سجله السيئ في الفساد وانتهاكات الحقوق لأنه كان حصنًا في مواجهة المد المتصاعد للجماعات الإسلامية المسلحة في منطقة الساحل، وهي منطقة قاحلة على حدود الصحراء تمتد عبر ست دول أفريقية.

وكان لفرنسا وجود عسكري مستمر في نجامينا منذ 1986، وكان مقر عمليتها لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، والمعروفة باسم عملية “برخان”، في العاصمة التشادية منذ إطلاقها عام 2014.

وتقول فرنسا إن ما لا يقل عن ألف من جنودها يتمركزون حاليًا في تشاد.

لكن المتمردين الذين يتطلعون إلى الإطاحة بديبي مثلوا مجموعة من المظالم المحلية ضد حكم القبضة الحديدية الذي استمر 31 عامًا لرجل أفريقي قديم الطراز اتهمه النقاد بتبديد عائدات النفط الكبيرة لتشاد، مما جعلها من بين أفقر البلدان على وجه الأرض.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، سعت مجموعة من الجماعات المتمردة، كثير منها محدد بالهوية العرقية، إلى الإطاحة به.

وتمركز بعضهم في منطقة دارفور، غرب السودان، حيث تلقوا التمويل والأسلحة من الرئيس السوداني المعزل عمر حسن البشير.

وبعد أن أبرم البشير وديبي اتفاق سلام في عام 2010 واتفقا على وقف دعم المتمردين الذين يقاتلون حكومات بعضهم البعض، اضطر المتمردون التشاديون إلى مغادرة السودان. ووجدوا قاعدة جديدة، بعد عام، في ليبيا.

في الفوضى التي أعقبت الإطاحة بالعقيد القذافي وموته في عام 2011، استأجرت الفصائل الليبية المتنافسة مرتزقة أفارقة للقتال إلى جانب قواتها.

تقول نيويورك تايمز “كان هناك طلب كبير على التشاديين، الذين اشتهروا بأنهم مقاتلون عنيدون في الصحراء، حتى أن بعض التشاديين قاموا بتبادل المواقع، إذا كان الثمن مناسبًا”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول في الأمم المتحدة تحدث مع قيادة الجماعة، إن التحالف بدأ مع فصيل ليبي مقره وسط مصراتة. لكن بحلول عام 2019، حولوا دعمهم إلى فصيل منافس، بقيادة الجنرال حفتر، الذي أطلق حملة للسيطرة على العاصمة طرابلس.

التشاديون ليسوا بأي حال من الأحوال أشهر المرتزقة الأجانب في ليبيا. فقد تم إيلاء اهتمام أكبر بكثير للمقاتلين الروس والسوريين الذين لعبوا دورًا رئيسيًا في تقدم حفتر نحو طرابلس.

لكن الأموال والأسلحة والخبرة التي جمعها المرتزقة الأفارقة، ومعظمهم من تشاد والسودان، يتم استخدامها الآن في بلدان أخرى، بحسب الصحيفة.

وأشار تقرير للأمم المتحدة نُشر في فبراير شباط إلى أن مقاتلي “جبهة التغيير والوفاق”، كانوا متمركزين في قاعدة جوية عسكرية رئيسية في الجفرة، وسط ليبيا، وهو مطار يعد أيضًا مركزًا للمرتزقة الروس من مجموعة فاغنر، والذي استقبل رحلات شحن تحمل أسلحة من الإمارات، كما يشير التقرير.

 

كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن طائرة مملوكة لإريك برنس، المالك السابق لشركة بلاك ووتر الذي نظم عملية مرتزقة مشؤومة بقيمة 80 مليون دولار للجنرال حفتر، تم تصويرها في قاعدة الجفرة الجوية.

في أعقاب انهيار هجوم حفتر العام الماضي على طرابلس، وقعت الفصائل المتحاربة في ليبيا اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر تشرين الأول  الماضي.

ومع انتهاء القتال في ليبيا، عاد المقاتلون التشاديون إلى ديارهم من أجل الانتفاضة التي أطلقوها ضد ديبي في 11 أبريل نيسان.

وربما أحضر هؤلاء معهم بعض الأسلحة المتطورة من ليبيا، كما قال كاميرون هدسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الآن في المجلس الأطلسي، هيئة بحثية في واشنطن.

وقال كاميرون إنه يبدو أن التشاديين يسافرون في نفس نوع المركبات المدرعة التي تبرع بها الإماراتيون لحفتر.

كما قال مسؤول الأمم المتحدة إنه حتى في ذروة الحرب الليبية، كان المتمردون يعتزمون دائمًا العودة إلى ديارهم في تشاد.

وأضاف “هذه هي مصلحتهم الحقيقية.. لقد تحدثوا عن جمع أكبر عدد ممكن من الأسلحة والعودة إلى تشاد”.

شارك