تشاد تشيع رئيسها القتيل وسط مخاوف من انلاع حرب أهلية

نجامينا-جوبرس

شُيِّع في العاصمة التشادية نجامينا، يوم الجمعة، جثمان الرئيس إدريس ديبي الذي قتل، يوم الثلاثاء، في مواجهات مسلحة مع متمردين في منطقة كانم شمال غربي البلاد، فيما يواصل المتمردون حشدهم لاقتحام العاصمة.

وقبيل الجنازة عبر قادة مجموعة الساحل وفرنسا عن دعمهم العملية الانتقالية في البلاد عقب وفاة ديبي الذي تولى السلطة منذ 30 عامًا.

وحضر مراسم التشييع الرسمية لإدريس ديبي (68 عامًا) عدد من رؤساء الدول المجاورة لتشاد وبعض الوفود الأجنبية، ومن أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ديبي (68 عامًا) قتل خلال مواجهات مع المتمردين يوم الاثنين

وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن 12 رئيس دولة شاركوا في الجنازة، من بينهم قادة الدول الأعضاء في مجموعة الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا).

كما حضر رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

ومن أهم الشخصيات التي حضرت جنازة ديبي الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي أنطوان تشيسيكيدي تشيلومبو، ورؤساء غينيا والنيجر وموريتانيا.

وأكد الرؤساء في كلماتهم خلال الجنازة، بمن فيهم الرئيس ماكرون، دعمهم لتشاد، وأنهم يقدرون دورها في منطقة الساحل بمشاركة جيشها في جهود المنظمات المسلحة التي توصف بالإرهابية.

وبعد انتهاء مراسيم الجنازة في ساحة الأمة قبالة القصر الرئاسي نقل جثمان ديبي إلى الجامع الكبير للصلاة عليه، قبل أن ينقل جوًّا إلى مسقط رأسه في مدينة أمدجاراس شمال شرقي تشاد ليوارى الثرى.

الرئيس الفرنسي كان الزعيم الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة الرئيس التشادي (رويترز)

وحدد المجلس العسكري الانتقالي، الذي تولى السلطة في تشاد بعد مقتل ديبي، ويترأسه ابنه الجنرال محمد إدريس ديبي (37 عامًا)، 14 يوما حدادًا على وفاة الرئيس.

دول الساحل

وقبيل تشييع جثمان الرئيس التشادي عقدت في نجامينا قمة طارئة ومغلقة لدول مجموعة الساحل بحضور الرئيس الفرنسي، ورئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.

وقال الإليزيه إن قمة قادة مجموعة الساحل أعربت عن دعمها العملية الانتقالية المدنية العسكرية في تشاد.

وبحثت القمة الوضع في تشاد، وترتيب أوضاعها لضمان استمرار المهام التي يقوم بها الجيش التشادي في منطقة الساحل.

وأوضحت الرئاسة الفرنسية أنه قبل بدء الجنازة الوطنية للرئيس التشادي زار ماكرون ونظراؤه النيجيري والبوركينابي والمالي والموريتاني الجنرال محمد إدريس ديبي.

ديبي الابن (37 عامًا) تولى السلطة خلفًا لوالده، بالمخالفة للدستور

وعبَّر الرؤوساء لديبي الابن عن “وحدة رؤيتهم” بشأن دعم تشاد في عملية الانتقال المدني العسكري لما فيه استقرار المنطقة.

ومنذ وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1990 بمساعدة باريس اعتمد الرئيس التشادي الراحل على فرنسا التي احتلت البلد الأفريقي لعقود.

عملية بركان

ويخشى مسؤولون أفارقة من أن تصبح عملية “بركان” العسكرية، التي تقودها فرنسا في منطقة الساحل والصحراء، أكثر صعوبة إذا تراجعت مشاركة تشاد فيها عسكريًا، سيما أن نجامينا كانت أول من أرسل جنودًا إلى دولة مالي بعد فرنسا عام 2014.

ووصل ماكرون يوم الخميس إلى نجامينا، والتقى على الفور نجل الرئيس الراحل، الذي تولى السلطة خلال مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات.

وقال الجنرال محمد إدريس ديبي إن الجيش سيجري انتخابات ديمقراطية خلال 18 شهرًا، لكن قادة المعارضة أدانوا توليه السلطة ووصفوه بأنه انقلاب.

وقال جنرال في الجيش إن الكثير من الضباط يعارضون الخطة الانتقالية في البلاد.

المتمردون نقلوا عتادهم من ليبيا إلى تشاد بعد مقتل ديبي

وأعلنت الجبهة التشادية من أجل التناوب والوفاق المعارضة أن قاعدة لها في شمال البلاد تعرضت يوم الخميس لغارات جوية مكثفة.

وأشارت الجبهة إلى أن القصف كان يستهدف زعيم الوفاق محمد مهدي وقد نفذته طائرات مسيَّرة يرجح أنها فرنسية.

وأكدت الحركة التزامها بوقف إطلاق النار حتى إتمام مراسم تشييع الرئيس الراحل ديبي. فيما قالت تقارير إن قوات تشادية تشارك في التحالف الدولي في منطقة الساحل، عادت إلى البلاد لتأمين العاصمة..

خلاف على انتقال السلطة

وعقب مقتل ديبي، أعلن المجلس العسكري توليه السلطة، بالمخالفة للدستور، لمدة 18 شهرًا، وفرض حالة الطوارئ وحل الحكومة والبرلمان.

ودعا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى مرحلة انتقالية عسكرية محدودة تؤدي إلى “حكومة مدنية وجامعة”.

في المقابل، دعت الولايات المتحدة، يوم الأربعاء، إلى انتقال سلمي ودستوري للسلطة في تشاد.

ودانت المتحدثة باسم البيت الأبيض أعمال العنف في تشاد، وقالت إنها تركت أصداء واسعة في الجوار الأفريقي وفي الساحة الدولية. وقالت إن واشنطن تؤيد الانتقال السلمي للسلطة وفقًا للدستور التشادي.

أما الاتحاد الأوروبي فقد دعا جميع الأطراف إلى ضبط النفس، واحترام حقوق الإنسان، وإجراء انتخابات شاملة.

من جهتها، قالت المعارضة التشادية إنه تم نقل معظم معسكرات قوى المعارضة إلى المناطق التي سيطرت عليها داخل الأراضي التشادية.

وهذه المعسكرات كانت موجودة على الشريط الحدودي بين ليبيا وتشاد وبعض مناطق الجنوب الليبي. لكن فصائل معارضة سارعت بنقل عتادها إلى الداخل التشادي، عقب مقتل ديبي.

ومن المتوقع أن تنضم الفصائل المعارضة إلى بقية الحركات المسلحة الأخرى في مواجهاتها مع الجيش التشادي بغية الوصول إلى العاصمة نجامينا والسيطرة عليها.

وفي وقت سابق، أعربت قوى من المعارضة وحركات مسلحة رفضها تشكيل مجلس عسكري برئاسة الجنرال محمد ديبي.

وأعلنت جبهة الوفاق من أجل التغيير، التي توصف بأنها منظمة سياسية عسكرية، رفضها سياسة الأمر الواقع والخضوع “لأي كيان يمارس السلطة بالعنف”.

وقالت إنها ستحارب “النظام العسكري المستمر منذ 3 عقود”. كما أكدت الجبهة معارضتها كل “نظام قائم على القمع والدكتاتورية واستغلال الدين”.

وقالت مجموعة العمل والعدل المعارضة إن تشاد ليست مملكة، ولا يمكن انتقال السلطة بين أعضاء الأسرة الحاكمة، وأضافت أن “قوات المقاومة الوطنية” تتجه في هذه اللحظة نحو العاصمة.

وكذلك قال الناطق باسم جبهة التناوب والتوافق كينغابي أوغوزيمي دي تابول “نرفض رفضًا قاطعًا المرحلة الانتقالية وننوي مواصلة الهجوم”.

وأضاف أن “تشاد لا يحكمها نظام ملكي، يجب ألا يكون هناك انتقال للسلطة من الأب إلى الابن”.

وتابع “قواتنا في طريقها إلى نجامينا، لكننا سنترك ما بين 15 و28 ساعة لأبناء ديبي، كي يدفنوا والدهم وفق العادات”.

وكان ديبي الابن، الذي تولى الحكم، يقود الحرس الرئاسي وقد عمل مساعدًا لقائد القوات المسلحة.

ويوم الثلاثاء، عيَّن 14 جنرالًا آخرين مقربين من والده الراحل بالمجلس الانتقالي، وهي الهيئة التي ستتولى شؤون الحكم حتى إجراء انتخابات.

تصاعد المخاوف

إلى ذلك، تتوقع السلطات المحلية في ولاية غرب دارفور السودانية وصول طلائع اللاجئين التشاديين إلى نقطتين حدوديتين، في أول تأثير للأوضاع بعد مقتل ديبي.

ومع توقعات اشتعال الحرب في تشاد بين حركات التمرد والجيش الحكومي سيكون تحدي الحكومة السودانية السيطرة على نحو 1280 كيلومترًا من الحدود المشتركة بين تشاد وولايات دارفور الثلاث.

وهذه الحدود المفتوحة لن يحول انتشار قوات البلدين المشتركة عليها دون تدفق المتمردين في فرّهم وكرّهم ضد الجيش التشادي.

كما أن ثمة مخاوف من نشاط ما توصف بالجماعات الدينية المتطرفة على الساحل الأفريقي الغربي وجنوبًا بين حدود تشاد ونيجيريا والكاميرون.

وتتحسب الدول المجاورة للمشهد بعد غياب ديبي الذي أجاد لعبتي التوازنات والحروب في آن واحد مع الحركات المسلحة والجماعات المتطرفة.

وفور مقتل الرئيس، أخذت مظاهر القلق تتبدّى في الدول المجاورة لتشاد التي تتوسط محيطًا مضطربًا ينتشر فيه السلاح مثله مثل أي سلعة.

وأصدرت كل من ليبيا والسودان والنيجر، يوم الخميس، بيانًا مشتركًا بشأن الوضع في تشاد.

ونصح قادة الدول الثلاث بإقامة حوار وطني بين الأطراف التشادية بعيدا عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.

وأبدت الدول الثلاث حرصها على تكثيف الجهود لدعم التعاون الأمني ومراقبة الحدود المشتركة.

ودعت مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى ضرورة عقد جلسة طارئة لاتخاذ خطوات وتدابير من شأنها تخفيف التوتر بالمنطقة.

وتأتي تحركات السودان وليبيا والنيجر بعد رفض تحالف المتمردين التشاديين ترؤس ديبي الابن السلطة خلفًا لوالده.

تحركات سودانية

وتتأهب ولاية غرب دارفور لاستقبال لاجئين تشاديين؛ وقال والي الولاية محمد عبد الله الدومة إن مجموعات منهم بدأت تتحرك بالفعل نحو منطقتي كلبس وبئر سلبية الحدوديتين.

وتوقع الوالي تأثر دارفور بما يحدث في تشاد خاصة إذا تدهورت الأوضاع الأمنية هناك ما يتطلب تحركات أمنية وإنسانية.

وعانت الجنينة -عاصمة غرب دارفور- من صراع قبلي أسفر عن مقتل العشرات وتشريد مئات الآلاف، واستدعى ذلك إعلان المدينة منطقة منكوبة.

وفي الخرطوم اتفق النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي) والمبعوث الفرنسي للسودان جان ميشيل دايموند، يوم الخميس، على التنسيق من أجل استقرار الأوضاع في تشاد عقب مقتل ديبي.

وقال المبعوث الفرنسي -في تصريح صحفي- إن لقاءه مع دقلو تم بطلب من وزير الخارجية الفرنسي.

وأضاف أن النموذج السوداني الناجح المتمثل في حكومة انتقالية مشتركة بين المدنيين والعسكريين يمكن أن يقدم على أنه نموذج ملهم للتشاديين.

كما بحث رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة بالسودان “يونيتامس” بيرتس فولكر، مع دقلو، تطورات الأوضاع في تشاد ومدى تأثيرها في السودان والمنطقة.

وتاريخيًا، طالما تشارك السودان وليبيا التأثير والتأثر بصراع السلطة في تشاد التي اتسمت دائمًا بالعنف المسلح، مع وجود سياسي وعسكري طاغ لفرنسا.

وكان ديبي الراعي الرسمي للحرب في دارفور منذ عام 2003، فكل الحركات المسلحة التي هي الآن جزء من السلطة الانتقالية بالسودان نشأت برعايته.

ومثل مقتل الحاكم القمعي خسارة لحركات دارفور التي ظلت تنشط حربًا وسلمًا بمعرفته، إذ جعل بلاده قاعدة خلفية لها، خاصة حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي قبل أن تنتقل إلى ليبيا عن طريق تشاد.

بناء على ذلك، سيترك غياب ديبي تأثيرًا أمنيًا كبيرًا في المنطقة، برأي البعض، كما أن الأوضاع في تشاد بعد مقتله ستؤثر في الوضع الأمني الهش بدارفور.

وكان ديبي يوصف بأنه شرطي إقليمي له تدخلات أمنية مباشرة في دارفور وأفريقيا الوسطى، إذ دعم تمردًا لرئيسها فرانسوا بوزيزي ومكنه من السلطة في 2003، وحتى بعد تنحيه عن السلطة لا يزال ديبي يدعم المعارضة المسلحة بقيادة بوزيزي.

كما كان ديبي يشارك أيضَا في حرب تدور منذ نحو 10 سنوات، إذ تقود فرنسا تحالفًا من 5 دول أفريقية ضد الجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل الأفريقي.

كما تشكل تشاد تحالفًا مع النيجر ونيجيريا والكاميرون ضد جماعة بوكو حرام المتطرفة.

واضطلع ديبي بدور كبير في الأمن لمصلحة فرنسا وقوى كبرى أخرى تستثمر في النفط والذهب والماس بالمنطقة، ويعد غيابه تحدّيًا أمنيًا وسيخلف فراغًا غالبًا ستملؤه الجماعات المتطرفة والعاملة في تهريب البشر والمعادن النفيسة.

المصدر: وكالات

شارك