تشاد.. المجلس العسكري يرفض دعوة المتمردين للحوار

نجامينا-جوبرس

قال جيش تشاد، يوم السبت، إنه قصف المتمردين المتمركزين في في شمال البلاد لوقف تقدمهم المرتقب نحو العاصمة نجامينا، مؤكدًا أنه لن يتفاوض مع الخارجين على القانون.

وكان المتمردون التشاديون قد أعربوا عن استعدادهم للتفاوض مع العسكريين الذين تولوا السلطة عقب مقتل الرئيس إدريس ديبي، الدرامي، خلال اشتباكات الأسبوع الماضي.

وصدمت وفاة ديبي، الذي قضى الاثنين الماضي، متأثرًا بإصابته خلال تواجده على جبهة القتال ضد المتمردين، الذين أتوا من صحراء ليبيا، لإسقاطه.

وأعلن المجلس العسكري الحاكم في تشاد رفضه التفاوض مع حركات خارجة عن القانون.

وجاء مقتل ديبي (68 عامًا)، الذي كان يوصف بانه واحد من أكثر المستبدين في القارة، بعد يوم واحد من إعلان  فوزه في انتخابات لتمديد فترة حكمه التي استمرت 30 عامًا.

وتعتبر تشاد، وهي دولة تقع في وسط أفريقيا وفي قلب صراعات ممتدة، حليفًا للغرب، وتحديدًا فرنسا، ضد الحركات الإسلامية المسلحة المنتشرة في المنطقة.

وعقب إعلان وفاة ديبي، استولى مجلس عسكري برئاسة نجله الجنرال محمد إدريس ديبي، على السلطة، وأمر بحل الحكومة والبرلمان وفرض حالة الطوارئ.

وقال المجلس إنه يعتزم الإشراف على فترة انتقالية مدتها 18 شهرًا قبل أن يسلم السلطة لحكومة منتخبة ديمقراطيًا.

وندد السياسيون المعارضون والمجتمع المدني بالاستيلاء على السلطة ووصفوه بأنه انقلاب ودعوا يوم السبت إلى تنظيم احتجاجات.

وجاء المتمردون، المعروفون باسم جبهة التغيير والوفاق في تشاد (FACT)، عبر الحدود من الجارة الشمالية ليبيا في 11 أبريل نيسان بالآلاف، وفقًا لتقديرات المحللين.

في الأسبوع الماضي، وصلوا إلى ما يقرب من 200-300 كيلومتر (125-185 ميل) من العاصمة، قبل تراجع الجيش وتوقف مؤقتًا احترامًا لوفاة ديبي.

وقد يواجه المتمردون، الذين قاتلوا لسنوات في ليبيا إلى جانب الجنرال الليبي خليفة حفتر، مقاومة شديدة من نجامينا، وهي قاعدة تضم حوالي 5100 جندي فرنسي يقاتلون الجهاديين في المنطقة.

ورفضت الجبهة، وهي غير مرتبطة بالحركات الإسلامية المسلحة، الانتقال العسكري للسلطة ووصفته بأنه “ملكية”، وحثَّت على العودة إلى الديمقراطية.

الجنرال ديبي الابن تولى الحكم خلفًا لوالده بالمخالفة للدستور (غيتي)

وقال المتحدث كينجابي أوجوزيمي دي تابول يوم السبت إنهم “يستعدون للتقدم” دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

لكن المتحدث باسم المجلس العسكري، عظيم برميندو أغونا، قال إن ذلك غير ممكن، وإن التمرد غير موجود، وإنه تم القضاء عليه.

ونقلت وكالة رويترز  عن أحد أعضاء الجبهة أن القوات الجوية التشادية تواصل قصف مواقع للمتمردين صباحًا ومساءً، منذ يوم الخميس.

وقال المتحدث إن فرنسا دعمت الغارات بالمراقبة الجوية. فيما نقلت الوكالة عن مسؤول فرنسي أن القوات المسلحة الفرنسية تقوم بانتظام برحلات استطلاعية في المنطقة، نافيًا القيام “بعمل هجومي” ضد المتمردين.

وساعدت فرنسا في القضاء على تهديدات المتمردين في تشاد في الماضي، بما في ذلك عام 2019، عندما قصفت الطائرات الحربية الفرنسية، بناءً على طلب ديبي، قافلة للمتمردين عبرت الحدود من ليبيا.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي جلس بجوار ديبي الابن في الجنازة التي أقيمت الجمعة، بالدفاع عن تشاد. كما دعا إلى الانتقال إلى الديمقراطية، بعد انتهاء الفترة الانتقالية للمجلس العسكري.

في المقابل، دعت الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى نقل السلطة فورًا للمدنيين وفق الدستور.

ماكرون كان الرئيس الغربي الوحيد في جنازة ديبي وقد أيد السلطة العسكرية

وقف للقتال مقابل حوار وطني

من جهته، قال محمد مهدي علي، زعيم الجبهة المتمردة، لراديو فرنسا الدولي يوم السبت إن المجموعة ستكون منفتحة على وقف إطلاق النار إذا اتفق الجانبان على حوار وطني.

وفي نجامينا، كانت الشوارع يوم السبت مزدحمة والأسواق مفتوحة. واقتصر الوجود العسكري على جنود يحملون بنادقهم ملقاة في ظلال شاحناتهم الصغيرة عند التقاطعات الرئيسية.

وعلى الرغم من مظاهر الهدوء، فقد استنكر قادة المعارضة والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني استيلاء الجيش على السلطة.

محمد علي مهدي، زعيم متمردي جبهة الوفاق والتغيير (مواقع التواصل)

كما قال جنرال بالجيش هذا الأسبوع إن العديد من الضباط يعارضون الخطة الانتقالية.

ودعا ائتلاف من المجتمع المدني المحلي والسياسيين المعارضين إلى مظاهرة سلمية يوم الثلاثاء في نجامينا للمطالبة بالعودة إلى “النظام الدستوري”.

وقال رئيس التحالف ماكس لوارنجار “من الواضح أن فرنسا تدعم الانقلاب”، وإن ماكرون “لم يتطرق مرة واحدة للمطالب السياسية ووجهات نظر المعارضة والمجتمع المدني”.

ويرى خصوم ديبي أن حصيلة حكمه بعد ثلاثة عقود قضاها في دهاليز السلطة، تظهر بجلاء أن الحرية كانت أعز مفقود في البلاد.

ينتمي ديبي إلى قبلية الزغاوة الموجودة في كل من تشاد والسودان، وهو من مواليد سنة 1952، ويمكن اعتباره الحاكم الأقوى لتشاد منذ استقلالها عن فرنسا.

وظل ديبي رجل فرنسا بامتياز في تشاد وفي المنطقة، بعد أن وصل إلى الحكم سنة 1991 منقذا للبلاد من نظام الدكتاتور حسين حبري.

كان ديبي قبل ذلك ومنذ العام 1979 الساعد الأيمن للرئيس حبري، المقيم حاليًا في سجون السنغال.

ومكافأة له على دوره الكبير في سحق التمرد العسكري المدعوم من العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، عيّنه حبري قائدًا للجيش التشادي.

لاحقًا، تم تعيين ديبي مستشارًا عسكريًا في الرئاسة منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن استفاد من دورة تكوينية مكثفة في مدرسة الأركان الفرنسية.

وفي سنة 1989 شبَّت نار الخلاف بين حبري وديبي بسبب تعاظم قوة الحرس الرئاسي وسيطرته على منافذ ووسائل القوة في المؤسسة العسكرية التشادية.

وعندما وصل الخلاف إلى ذروته، قرر ديبي الفرار إلى السودان، والتحالف معه ومع نظام العقيد معمر القذافي، قبل أن تدخل فرنسا لاحقًا على الخط داعمًا أساسيًا لديبي.

وقاد ديبي الحركة الوطنية للإنقاذ، التي دخلت العاصمة التشادية في الثاني من ديسمبر كانون الأول 1990.

وفي فبراير شباط 1991، تسلَّم الحكم بشكل رسمي ونهائي، وأعلن عن مسار جديد من الديمقراطية والحرية، انتهى بجمع كل منافذ القوة والمال بيده وزوجته وأفراد قلة من أسرته.

في 2001 وبعد ولايتين كاملتين، قرر ديبي تعديل الدستور ليسمح له بمأمورية ثالثة، وسرعان ما تواصلت حلقة المأموريات كل 6 سنوات.

الرئيس الراحل إدريس ديبي، كان يوصف بأنه أقوى رئيس حكم البلاد منذ استقلالها

وكان آخر هذه الولايات تلك السادسة التي لم تزد على يوم واحد، فقد كان الموت أسرع من طموح الخلود في كرسي الحكم.

في اللحظة الراهنة، لا يمكن الجزم بما ستصل إليه في الأمور هذا البلد الذي يمثل رقمًا مهمًا في حرب الغرب من الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، وهي الحرب التي يخوضها تحالف دول الساحل، الذي تقوده باريس.

الرئيس الحالي، محمد إدريس ديبي (37 عامًا)، كان رئيسًا للحرس الرئاسي الذي يمثل قوات النخبة، وقد اختار 14 جنرالًا من نظام والده، لمساعدته في حكم البلاد.

لكن المادة 81 من الدستور التشادي، التي ألغيت يوم الأربعاء، تنص على أنه “في حال وجود عائق نهائي بإقرار من المحكمة العليا بإحالة من الحكومة وبتصويت بالأغلبية المطلقة لأعضائها، فإن صلاحيات رئيس الجمهورية تنتقل بصفة مؤقتة من قبل رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان).

ويسري هذا النص الدستوري على الحالة الراهنة لتشاد، بالنظر إلى الفراغ المفاجئ للسلطة الذي ترتب على مقتل الرئيس.

ويبدو أن وجود ديبي الابن في الحكم لن يكون ضمانة استقرار على الإطلاق، غير أن الموقف النهائي للجيش، وقدرة الجنرال الشاب على السيطرة على الكبار، سيحددان الكثير من الأمور، بحسب كارولين روسي، الباحثة في شؤون إفريقيا بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية.

وفي السياق، يقول كاميرون هدسون، الخبير في منطقة الساحل بالمجلس الأطلسي: “لو حدث هذا قبل عام لكان الوضع مختلفًا”.

لكن في أعقاب انتخابات مزورة كانت تهدف ضمان بقاء ديبي في السلطة، فضلاً عن أنها أثارت الغضب والاستياء والإحباط على مستوى معين من بين السكان، فإن الأمور مختلفة، بحسب هدسون.

المتمردون دخلوا معارك مع قوات ديبي تزامنًا مع بدء الانتخابات الأخيرة

شبح الاقتتال ومنعطف الساحل

حاليًا، يتخوف التشاديون من مستقبل مؤلم، خصوصًا إذا قررت الكتائب المتمردة استمرار الزحف تجاه العاصمة، أو تحركت القوى السياسية المعارضة ضد النظام الجديد الذي يقوده نجل الرئيس الراحل الجنرال محمد إدريس ديبي.

ومن المحتمل أن تتوتر الأمور خصوصًا مع دعوة المتمردين الجيش للسعي إلى تخليص تشاد من بقايا نظام ديبي.

وإلى جانب ذلك، يعني رحيل ديبي فقدان فرنسا رجل الساحل القوي، الذي كان أقرب الزعماء إلى تنفيذ سياساتها في المنطقة، حيث كانت عناصر المشير التشادي في تلك المنطقة الملتهبة أهم قوة إقليمية لإسناد القوات الفرنسية.

شارك