خطة التطبيع تتهاوى.. الواقع الجديد في فلسطين يعيد رسم سياسات المنطقة

خاص-جوبرس

رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها دول عربية وخليجية طوال السنوات الأربع الماضية لتصفية القضية الفلسطينية ورسم خارطة جديدة للأصدقاء والأعداء بالمنطقة، برعاية أمريكية، إلا أن لحظة المواجهة التي اندلعت مؤخرًا دون ترتيب في عموم الأراضي الفلسطينية، قلبت الطاولة على الجميع، ودفعت كثيرين لمحاولة إعادة التموضع بما يتماشى مع الوضع الجديد.

لقد تباهى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب باتفاقات التطبيع التي رعاها في أواخر أيام، وقال، وهو واقف في شرفة البيت الأبيض “نحن هنا بعد ظهر هذا اليوم لتغيير مجرى التاريخ ونحتفل ببزوغ فجر شرق أوسط جديد بعد عقود من الصراع والانقسام”، فيما قال بنيامين نتنياهو إن اتفاقات التطبيع ستكون “محور التاريخ”

لكن هذه المقولات تتهاوى الآن، بحسب صحيفة “واشنطن بوست”، التي قالت إن هذه الاتفاقات تتهاوي أمام الواقع الجديد، مشيرة إلى أن “اتفاقات إبراهام”، كانت محط سخرية منذ بدايتها، بالنظر إلى أن الإمارات والبحرين لم تخوضا حربًا واحدة ضد دولة الاحتلال.

ترامب ونتنياهو إلى جانب وزيري خارجية الإمارات والبحرين بعد توقع اتفاق التطبيع سبتمبر أيلول 202

لقد دخلت مرحلة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على سكان القدس المحتلة والمسجد الأقصى، والتي تحولت إلى ما يشبه الحرب بعد تدخل المقاومة، الأمر الذي وضع العديد من دول المنطقة والعالم تحت ضغط غير متوقع.

بدأت الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسيين في حي الشيخ جراح بهدف تهجيرهم من بيوتهم لصالح المستوطنين اليهود، وعلى المصلين في المسجد الأقصى، منذ بداية شهر رمضان المبارك.

واتخذت الأحداث مسارًا تصعيديًا خلال العشر الأواخر، بعد أن اقتحمت شرطة الاحتلال المسجد واعتدت على المصلين بقنابل الصوت والغاز والرصاص الطماطي، وحاصرتهم بداخله لساعات.

إسرائيليون يرقصون خارج منزل في حي الشيخ جراح (غيتي)

يوم الاثنين، 10 مايو أيار الجاري، بلغ التصعيد ذروته عندما قصفت فصائل المقاومة مدنًا إسرائيلية تنفيذًا لتهديد أطلقته صباح اليوم نفسه، وهو ما رد عليه جيش الاحتلال بقصف مدمر لقطاع غزة، الأمر الذي أوقع 115 شهيدًا بينهم أطفال ونساء، فضلًا عن تدمير عدد من المنازل والمؤسسات الخدمية.

وردًّا على هذا التصعيد العنيف، شنت المقاومة قصفًا صاورخيًا غير مسبوق على الداخل الإسرائيلي، طالت تل أبيب وعسقلان وأشدود وسديروت، قبل أن تصل إلى مطار “رامون”، لتصيب حركة الطيران في سماء “إسرائيل”، بما يشبه الشلل.

العديد من شركات الطيران الأمريكية والبريطانية والألمانية أوقفت رحلاتها من وإلى “تل أبيب” بشكل مؤقت، فيما اضطرت حكومة الاحتلال لتحويل مسار الرحلات الجوية، فضلًا عن خسارتها لأكثر من 160 مليون دولارًا خلال الأيام الأربعة الأولى من المواجهات، جراء الشلل الاقتصادي الذي فرضته ضربات المقاومة على المدن المحتلة. 

أمام هذا التطور، دانت الإمارات، التي قال سفيرها في واشنطن إن التطبيع مفيد حتى في الصلاة، ممارسات دولة الاحتلال، وأعلنت رفضها الشديد لاقتحام المسجد الأقصى، ومثلها فعلت البحرين، التي قال ملكها إنه يريد أن التطبيع يعزز أمن المنطقة، ومثلهما فعلت السعودية، التي كانت قاب قوسين من إقامة علاقات علنية مع دولة الاحتلال.

كما أعلنت جامعة الدول العربية، التي فشلت في إدانة اتفاقات التطبيع، والتي قال أمينها العام أحمد أبو الغيط قبل شهور إن التطبيع يمكن استخدامه لخدمة القضية الفلسطينية، تشكيل لجنة للتحرك دوليًا ضد “إسرائيل”.

قبل شهور قليلة، كانت العديد من الدول العربية تحث خطاها نحو التنصل من مواقفها القديمة تجاه فلسطين، وإعادة تشكيل خارطة الأعداء والأصدقاء، وفتح أبواب الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية مع دولة الاحتلال على مصراعيها، لكن الأمر اليوم لم يعد كما كان قبل شهور، حتى الآن على الأقل.

حتى الساكن الجديد للبيت الأبيض، جو بايدن، الذي بدا عازمًا على تبريد قضية فلسطين والعمل على تطوير عملية التطبيع بهدوء، اضطر إلى الانخراط في الصراع مجددًا رغمًا عنه، بعد بلوغ صواريخ المقاومة قلب “إسرائيل”، كما تقول وكالة بلومبيرغ الأمريكية.

لكن الموقف الأمريكي لم يعبر عن الشعارات الإنسانية التي رفعها بايدن قبل انتخابه، إذ بدا منحازًا بوضوح إلى دولة الاحتلال، ووصف هجماتها على الفلسطينيين بأنها “دفاع عن النفس“، قبل أن يضطر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن لإيفاد مبعوث خاص لتهدئة الأوضاع، تحت وطأة قصف المقاومة.

وكالة بلومبيرغ، تقول إنه بعد ما لا يقل عن 25 مكالمة رفيعة المستوى منذ نهاية الأسبوع، تحدث بايدن مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء، وبينما كان يدافع عن حق إسرائيل في الرد على إطلاق الصواريخ من غزة، قال “أتوقع وآمل أن يتم إغلاق هذا في أقرب وقت ممكن”.

كما قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن القتال الدائر حاليًا يمثل أول تحد رئيسي للرئيس بايدن، مشيرة إلى أنه يكشف الانقسام المتزايد في صفوف الديمقراطيين بشأن دعم “إسرائيل”، ويمنح الجمهوريين فرصة لانتقاد أداء الرئيس.

ومع استهدافها للعمق الإسرائيلي وإجبارها آلاف الإسرائيليين على الهروب للملاجئ، وقدرتها على تعطيل حركة الطيران، وشل الحياة بشكل كبير داخل “إسرائيل”، فرضت المقاومة وضعًا جديدًا، ودفعت كثيرين لتبني مواقف مناقصة لمواقفهم قبل عام واحد، خاصة مع دخول فلسطينيي الداخل على خط المواجهة.

فقد تصاعد التوتر في الأيام الأخيرة ليشمل الخط الأخضر (الداخل الإسرائيلي)؛ حيث اشتبكت شرطة الاحتلال مع متظاهرين فلسطينيين في عدة مدن.

وأمر وزير الجيش بيني غانتس باستدعاء 10 كتائب من احتياطي حرس الحدود لمساعدة الشرطة في السيطرة على الوضع، بعدما انهارت في عدة مدن، أمام غضبة الفلسطينيين.

وحذر رئيس دولة الاحتلال رؤفين ريفلين، عبر قناة “12” العبرية، من نشوب “حرب أهلية” داخل الخط الأخضر، وقال “لقد بدأنا حربًا بلا معنى، أوقفوا هذا الجنون”. فيما قال رئيس الحكومة المكلف يائير لبيد إن ما يحدث تهديد وجودي.

لبيد قال إن ما يحدث في الداخل تهديد وجودي

المقاومة ترد بالمثل

ومع رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وقف إطلاق النار، ومصادقة المجلس الوزاري المصغر على قرار بتوسيع رقعة الحرب، صعدت المقاومة من قصفها، واستخدمت صواريخ ومسيرات جديدة، أربكت الاحتلال، وأثبتت عجز منظومة القبة الحديدية.

إطلاق صواريخ من قطاع غزة في اتجاه إسرائيل وكتائب القسام تمهل حتى المساء للانسحاب من الأقصى …

إطلاق صواريخ من قطاع غزة في اتجاه إسرائيل وكتائب القسام تمهل حتى المساء للانسحاب من الأقصى لمزيد من القراءة : https://arabic.euronews.com/2021/05/10/al-qass…

وبعد ظهر الخميس، 13 مايو أيار قصفت كتائب “عز الدين القسام”، الجناح العسكري لحركة حماس، مطار “رامون”، الذي جعلته حكومة الاحتلال بديلُا لمطار “بن غوريون” الذي ينفذ رحلات مغادرة فقط، بصاروخ “عياش 250”.

وقالت كتائب القسام إن الصاروخ دخل الخدمة مؤخرُا وإنها قادر على حمل رأس متفجر، فيما أعلن نتنياهو عدم قدرة “القبة الحديدية”، على صد كل رشقات المقاومة. وقد أوقعت الصواريخ 9 قتلى في صفوف الإسرائيليين.

كما أطلقت كتائب القسام مدناً إسرائيلية بطائرات مسيرة مفخخة من طراز “شهاب”، فيما وصلت الرشقات الأخيرة إلى حدود مدينة إيلات في أقصى الجنوب الإسرائيلي على البحر الأحمر.

وفي تقرير نشرته يوم 13 مايو أيار، قالت صحيفة واشنطن بوست إن الصراع الذي يقترب من التحول لحرب شاملة، أجبر الولايات المتحدة على التدخل، وعمَّق الخلافات بين الديمقراطيين بشأن الموقف من دولة الاحتلال.

في المقابل، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة متلفزة يوم 12 مايو أيار، أن الفلسطينيين في عموم البلاد يقفون صفًا واحدًا، ويرفضون الاعتداءات على المقدسيين والقصف على غزة، وقال “إن الشعب كلمته، ونحن معه”.

وصعد عباس من لهجته، قائلاً “أقول لإسرائيل ولأمريكا كفى، ارحلوا عنا، لن نقبل إلا بدولة مستقلة عاصمتها القدس”، وهو أمر سبقه إليه رئيس المكتب السياسي لحكرة حماس، إسماعيل هنية.

زعيم حركة حماس، إسماعيل هنية، هو الآخر، قال في كلمة ملتفزة مساءً 11 مايو أيار، أن الفلسطينيين يقفون جميعًا وفي كل مكان في مواجهة اعتداءات الاحتلال، داعيًا السلطة إلى اتخاذ خطوات حقيقية ووقف التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال.

في غضون ذلك، تواصل مصر وقطر وتركيا، اتصالات موسعة مع الأطراف والدول الغربية لإقرار وقف لإطلاق النار، بيد أن المقاومة أكدت أنها لن تفعل قبل أن ينهي الاحتلال كافة ممارسته العدوانية في عموم فلسطين.

وتعليقًا على ما يجري، قالت صحيفة “واشنطن بوست” إن اتفاقات التطبيع التي وصفها نتنياهو بأنها “محور التاريخ”، بدأت تتهاوى أمام الغضب الفلسطيني المتصاعد، من القمع والتهجير القسري طويل الأمد.

وأشارت الصحيفة إلى أنه حتى الدول التي طبَّعت مؤخرًا مع دولة الاحتلال ضمن خطة لتصفية القضية الفلسطينية وتهميشها لصالح شراكات سياسية واقتصادية، اضطرت لإدانة سلوك “إسرائيل” تحت وطأة صمود الفلسطينيين، وضربات المقاومة.

ولفتت الصحيفة إلى أن القضية التي جرى تهميشها بقوة خلال فترة حكم دونالد ترامب، بدعم عربي وخليجي، أصبحت تحتل الآن حديث السياسية في كل مكان بالعالم، مع اقتراب الصراع من التحول إلى حرب شاملة.

وقالت الصحيفة إن دولة مثل الإمارات قالت سابقًا إن التطبيع سيمنحها نفوذًا للتدخل لدى الطرفين لإنهاء الصراع الطويل، غير أن الواقع الجديد يقول إنها لا تملك هذا النفوذ.

الجهود الكبيرة تجري حاليًا بمعرفة مصر وقطر، اللتين تملكان علاقات مع حماس، التي لا تتعامل معها واشنطن مباشرة، لأنها تصنفها “إرهابية”. فضلًا عن سعي مصر لاستعادة دورها التاريخي الذي حاولت الإمارات الاستحواذ عليه.

جانب آخر من المشهد، يتمثل في التضامن الشعبي الواسع مع الفلسطينيين، حتى في الدول التي طبَّعت العلاقات، حيث خرجت مسيرات تضامنية في البحرين وتضامن الإماراتيون عبر وسائل التواصل، وكان التضامن أكبر في قطر والكويت، فيما أفردت صحف سلطنة عمان مساحة واسعة لتغطية الأحداث.

قبل شهر واحد من الآن، كان من الصعب على الإماراتي أو البحريني أن يتضامن مع فلسطين علنًا، لكنهم اليوم، وفي ظل واقع ترسم ملامحه صواريخ المقاومة، فإن حكومات هذه الدول، وليس شعوبها فقط، ينددون بسلوك “إسرائيل”.

أما في “إسرائيل” نفسها، فإن مشاهد هرولة السكان نحو الملاجئ تحت أزيز الصواريخ، وارتباك المسافرين في مطار بن غوريون تحت صوت الانفجارات، والمواجهات المستمرة بين الفلسطينيين واليهود، إنما تعكس حقيقة أن اليوم لم يعد كالأمس، وأن غدًا، ربما، لن يكون كاليوم.

بعد مقتل مدني إسرائيلي وإطلاق 370 صاروخ فلسطيني.. كيف قضى سكان عسقلان ليلتهم؟…

هكذا قضى سكان عسقلان ليلتهم بعد إطلاق مئات الصواريخ الفلسطينية على إسرائيل …لمزيد من القراءة : http://arabic.euronews.com/2018/11/13/370-rockets-and-mortar…

رئيس مركز الأهرام للدراسات في مصر، الدكتور عبد المنعم سعيد، قال في تصريح لصحيفة “نيويورك تايمز، الجمعة 14 مايو أيار، إن القضية “أكثر تعقيدًا من السابق”، مشيرًا إلى أن “الأوضاع الداخلية الإسرائيلية والفلسطينية وجهود مصر يأخذ المنطقة بأكملها إلى مستقبل مختلف، أكثر استقرارًا”.

شارك