مالي.. انقلاب جديد يطيح بالسلطة التي جاءت بعد انقلاب العام الماضي

باماكو-جوبرس

جرَّد رئيس المجلس العسكري في مالي، العقيد أسيمي غويتا، الرئيس الانتقالي باه نداو، ورئيس الوزراء مختار وان، من صلاحياتهما، وذلك بعد يوم واحد من اعتقالهما.

وأعلن غويتا، يوم الثلاثاء، إجراء انتخابات العام المقبل، في خطوة أثارت تنديدًا دوليًا وإقليميًا ودفعت فرنسا للتهديد بفرض عقوبات على قادة الانقلاب.

واتهم غويتا الرئيس الانتقالي ورئيس الحكومة بـ”محاولة التخريب”، في إشارة إلى تشكيل الحكومة الجديدة التي استبعد منها عقيدان بارزان من المجلس العسكري السابق الذي أطاح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس آب الماضي.

وقال الحاكم العسكري الجديد، في بيان، إن الرئيس أنداو ورئيس الوزراء شكلا حكومة دون استشارته وهو يضطلع بالمسؤولية عن ملفي الدفاع والأمن، وهما حساسان في بلد ساحلي يواجه مخاطر كبيرة.

وقالت مصادر محلية إن نداو ووان اقتيدا إلى ثكنة “كاتي” العسكرية قرب العاصمة باماكو، وقام الجيش بمحاصرتها.

إدانة دولية
ودعت الولايات المتحدة إلى الإفراج غير المشروط عن الرئيس نداو ورئيس حكومته ووزير الدفاع، ومن جانبها حثت الأمم المتحدة على التهدئة.

كما دعا الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش، في تغريدة على تويتر، إلى الهدوء في مالي، وإطلاق سراح المسؤولين المحتجزين.

ودعت البعثة الأممية في البلاد إلى إطلاق رئيسي البلاد والحكومة، وقالت في تغريدة على تويتر إن من يحتجزونهما يجب أن يتحملا مسؤولية أفعالهما، حاثة على حفظ السلامة الجسدية للشخصيتين.

وأعربت لجنة المتابعة المشتركة للاتحاد الأفريقي والبعثة الأممية ومنظمة إيكواس في مالي، في بيان مشترك، عن قلقها بشأن الوضع في هذا البلد.

وأدان البيان المشترك محاولة استخدام القوة الذي أعقب نشر التشكيلة الجديدة للحكومة، وطالب بإطلاق المعتقلين فورًا، وتعهد بمتابعة الضالعين في الاعتقالات.

كما سارع الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والأمم المتحدة إلى التنديد بما وصفه المسؤولون بأنه اعتقالات غير عادلة، مطالبين بالإفراج عن نداو وأوان.

وجاء اعتقال المسؤولين عقب الإطاحة بالرئيس كيتا بانقلاب عسكري في أغسطس آب الماضي، وكان نداو ووان مكلفين بالإشراف على مرحلة انتقالية تستمر 18 شهرًا للعودة إلى الحكم المدني بعد الانقلاب.

تلويح بالعقوبات
بدوره، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن ما قام به العسكريون في مالي انقلاب، وإن بلاده مستعدة لفرض عقوبات تستهدف الأطراف المعنية.

كما قال وزير الخارجية جون إيف لودريان إنه إذا لم تكن هناك عودة فورية للمسار الانتقالي فإن باريس ستتخذ خطوات ضد العسكريين الذين يعيقون ذلك.

وطالب لودريان بالإفراج الفوري عن وان ونداو، والعودة إلى عملية الانتقال إلى السلطة المدنية. وأكد أن باريس طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي بعد الانقلاب في مالي.

ومن ناحية أخرى، أدان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ما سماه “خطف كبار المسؤولين الماليين” حاثًا على العودة للنظام الدستوري في هذا البلد.

ويعد استيلاء العقيد غوتا على السلطة من الرئيس المؤقت الانقلاب الثاني في الدولة الواقعة في غرب إفريقيا، خلال تسعة أشهر.

وتقول صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن حالة عدم اليقين بشأن من هو المسؤول عن مالي تجعله قائمة دول المنطقة الغارقة في الصراعات.

فإلى جانب الوضع الداخلي، فإن الجماعات المتشددة التي رسخت وجودها شمال مالي خلال السنوات الماضية تمثل صداعًا يسعى منذ سنوات لاحتوائه.

وقال موسى مارا، رئيس وزراء مالي السابق، إن هناك حاجة لجبهة موحدة للرد. وأضاف “يجب محاربة الاستيلاء على السلطة بالقوة.. يجب التنديد بذلك.. يجب أن نغلق فترة الهجمات من أجل الحصول على السلطة أو الاحتفاظ بها”.

ونفى متحدث باسم المجلس العسكري لـ”واشنطن بوست” ​​صحة التقارير التي تفيد بأن القادة ما زالوا محتجزين رغمًا عنهم، قائلًا إن الرجال جميعًا “يعملون معًا” للتوصل إلى حل.

واستقال الرئيس المالي السابق، كيتا، عبر التلفزيون الحكومي في أغسطس آب وهو في قبضة الجنود المتمردين. وكان سلفه أيضًا قد أطيح به في تمرد عام 2012 وتم إحضاره إلى نفس القاعدة العسكرية التي يُحتجز فيها نداو وأوان.

قال هاني نصيبيا، الباحث البارز في مشروع بيانات الأحداث وموقع النزاع المسلح (ACLED)، الذي يتتبع الاضطرابات في مالي، إن هذا الإطاحة قبل ما يقرب من عقد من الزمان أعطت المتطرفين الموالين للقاعدة فراغًا في السلطة لاستغلاله.

وكان القادة في ذلك الوقت قد اختلفوا حول كيفية إدارة الانفصاليين المسلحين، مما أعطى المتشددين مجالًا لاكتساب القوة والشراكة مع المقاتلين الموالين للقاعدة.

وقال نصيبيا، للصحيفة الأمريكية : “كانت مالي بؤرة الأزمة منذ البداية والحلقة الضعيفة”.

وامتد العنف من التمرد إلى البلدان المجاورة ، حيث أصبحت مساحات شاسعة من الريف ساحات قتال.

وأسفرت أعمال العنف عن مقتل أكثر من 6200 شخص العام الماضي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وفقًا لبيانات ACLED.

وشكلت الخسائر في مالي في عام 2020، وهو أكثر سنوات الصراع دموية على الإطلاق في البلاد، أكثر من 2800 شخص.

وارتكب المسلحون مذابح في وسط البلاد الريفي وشمالًا، فيما ملأ المتظاهرون شوارع باماكو، مطالبين بخروج كيتا. واتهموه بالفساد وعدم القدرة على مواجهة الجماعات المسلحة، وتعهدوا بمواصلة التظاهر حتى تنحي الرئيس.

واستفاد غوتا، الذي تلقى تدريبات عسكرية في الولايات المتحدة، من عدم الشعبية عندما أعلن نفسه مسؤولًا عن مالي العام الماضي.

وقد وافق هو وزعماء المجلس العسكري الآخرون على العمل مع السلطات الإقليمية لإعادة حكومة يقودها مدنيون. وكان من المفترض أن تستغرق هذه العملية 18 شهرًا.

وقال موديبو كادجوكي، السياسي في باماكو، إن رؤية خروج بلاده عن مسارها يمثل انتكاسة. وأضاف: “خلال 60 عامًا من الاستقلال، شهدنا بالفعل أربعة انقلابات.. نحن نعيش أزمة في بلدنا، وهذا منذ فترة طويلة”.

وكانت مالي لا تزال تتخلص من تداعيات تمرد العام الماضي عندما غرقت في حالة من الفوضى مرة أخرى هذا الأسبوع.

وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستوقف المساعدة العسكرية لمالي في أغسطس آب المقبل. وقد ألحقت القيود التجارية على المواد التجارية والتدفقات المالية الضرر بالاقتصاد، الذي كان يعاني بالفعل.

ورفع زعماء غرب أفريقيا العقوبات عن مالي في أكتوبر تشرين الأول، مستشهدين بتعيين نداو، الذي كان من الناحية الفنية مدنيًا؛ لأنه تقاعد من الجيش منذ حوالي عقد.

ومع ذلك، اصطدم نداو ورئيس الوزراء المؤقت مع نهج غويتا، وفق ما نقلته واشنطن بوست عن دبلوماسيين غربيين، ووافقا على مجموعة من الوزراء الجدد دون إخباره.

وقال جيه بيتر فام، المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة الساحل الأفريقي خلال الانقلاب الأخير في مالي: “لقد كان هذا يتخمر”.

وأضاف “لكي يغير طرف واحد الشروط، بالطبع ستحصل على رد فعل سلبي”. وتابع “هؤلاء الرجال، بعد أن قاموا للتو بانقلاب، وبعد أن دخلوا في عملية انتقالية بقيادة مدنية، لن يكتفوا بشكرهم ويذهبون بعيدًا عندما ترفضهم”.

ويوم الثلاثاء، حثَّ غويتا الماليين في بيانه على “ممارسة أعمالهم بحرية”. لكن هناك من يتشكك في أن ثمة انتخابات ستجري في مارس آذار من العام المقبل.

المصدر: وكالات+واشنطن بوست

شارك