توماس فريدمان: غياب حل الدولتين قد يفجر المنطقة والحزب الديمقراطي الأمريكي

ترجمة-جوبرس

قال الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان إنه بعد 11 يومًا من “الحرب بين إسرائيل وحماس” بات واضحًا أنه ما لم يتم الحفاظ على إمكانية التوصل لحل الدولتين فإن واقع الدولة الواحدة الذي سيحل مكانه لن يؤدي إلى تفجير الوضع في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة فحسب، وإنما داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي وكل المنظمات والكنائس اليهودية في الولايات المتحدة أيضًا.

وحذّر فريدمان، في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز يوم الأربعاء، من أن التوصل إلى تسوية جدية بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن تكون ممكنة ما دام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس على رأس السلطة.

وقال فريدمان، إنه لا يتوقع أن يدعو بايدن كلًا من عباس ونتنياهو إلى كامب ديفيد، مضيفًا أنه “أصبح من الضروري أن يتخذ بايدن خطوات عاجلة لإعادة تنشيط إمكانية حل الدولتين، وإعطائه على الأقل بعض المظاهر الدبلوماسية الملموسة على الأرض.

ويرى فريدمان أنه في غياب الأمل لإمكانية قيام دولتين منفصلتين؛ فلسطينية وإسرائيلية، فإن الخيار الوحيد المتبقي هو دولة واحدة تسودها الهيمنة الإسرائيلية، ويُحرم فيها الفلسطينيون في القدس الشرقية والضفة الغربية بشكل ممنهج من المساواة في الحقوق، لكي تتمكن إسرائيل من الحفاظ على طابعها اليهودي.

وأضاف “إذا حدث ذلك، فإن اتهام إسرائيل بأنها أصبحت كيانًا شبيهًا بنظام الفصل العنصري سيتردد صداه، ويكتسب زخما أبعد وأوسع نطاقا، ويؤدي إلى انقسام الحزب الديمقراطي”.

ولفت المقال إلى أن هناك مجموعة من التقدميين في الحزب الديمقراطي الأمريكي يزيد عددهم بمرور الوقت، ترى أن معاملة الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين مماثلة لتلك التي تتعامل بها الشرطة في مدينة مينيابوليس بولاية إنديانا مع الأمريكيين من أصل أفريقي ومعاملة القوى الاستعمارية للشعوب الأصلية، وستصر تلك المجموعة من الديمقراطيين حينها على النأي بالولايات المتحدة عن إسرائيل، وقد يصل الأمر إلى حظر مبيعات الأسلحة الأميركية لتل أبيب.

وأعرب الكاتب عن أمله أن يوصل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للقادة الإسرائيليين والفلسطينيين خلال لقائه معهم هذا الأسبوع رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة ستتعامل مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية على أنها قيادة دولة فلسطينية في طور التشكل، ووفقًا لذلك فإنها ستتخذ سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية لترسيخ الدولة الفلسطينية والحفاظ على إمكانية تحقيق حل الدولتين.

كما تمنى فريدمان أن يقول بلينكن للطرفين “إننا نحترم كل مخاوفكم، لكننا مصممون على المضي قدمًا (في هذا الحل) لأن الحفاظ على حل الدولتين الآن لا يتعلق فقط بمصالحكم الأمنية الوطنية، وإنما يتعلق أيضًا بمصالح أمننا القومي في الشرق الأوسط، وبالمستقبل السياسي للحزب الديمقراطيي لذلك نحن جميعًا بحاجة إلى تصحيح هذا الأمر.”.

إسفين!

ونقل الكاتب عن رئيس مجموعة ريوت (Reut Group) البحثية الإسرائيلية جيدي غرينشتاين قوله إن “الناس يحتاجون إلى فهم كون هذه القضية قد تغيرت في الأسبوعين الماضيين، لقد تحولت مكانة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني داخل المجتمع والسياسة الأمريكية وداخل الجالية اليهودية، من خلاف بين الحزبين إلى إسفين”.

وأضاف أن الخلاف بشأن الصراع أصبح الآن يدق إسفينا ليس فقط بين الديمقراطيين والجمهوريين، “ولكن بين الديمقراطيين أنفسهم أيضًا، وهذه أخبار سيئة للغاية لإسرائيل وللشعب اليهودي. يجب على إسرائيل وبايدن التعاون بشكل عاجل لنزع فتيلها”.

ازدهار معاداة الصهيونية

وتوقع الكاتب أن يُحدِث حل الدولة الواحدة التي يضطهد فيها الفلسطينيون انقسامًا في صفوف المنتمين للمنظمات والكنائس اليهودية في الولايات المتحدة، كما حدث في الأسبوعين الماضيين بسبب الأحداث في غزة والقدس، إذ سيحتدم الخلاف حول استعداد أولئك الأتباع للدفاع عن إسرائيل، التي تبنت حل الدولة الواحدة، ولم تعد تتظاهر بأنها ديمقراطية بعد الآن.

كما توقع أن يتحول تويتر وفيسبوك إلى ساحات معارك بين منتقدي إسرائيل والمدافعين عنها، وأن يعمد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والجمهوريون إلى إشعال نار الفتنة من خلال إخبار اليهود الأمريكيين أنه ليس لديهم مستقبل في الحزب الديمقراطي، وحثهم على الالتحاق بالحزب الجمهوري الذي تدعم قاعدته الشعبية الإنجيلية الدولة اليهودية.

وقال فريدمان إن “مزيدًا من الناس سيتخلون عن إسرائيل، وهو ما يمكنك أن تراه يحدث الآن بالفعل، وستزدهر معاداة السامية تحت غطاء معاداة الصهيونية”.

واقترح فريدمان على إدارة بايدن مجموعة من الإجراءات لإنقاذ الوضع، من بينها فتح بعثة دبلوماسية أمريكية للسلطة الفلسطينية بالقرب من مقرها في رام الله، ودعوة السلطة الفلسطينية لإرسال ممثل دبلوماسي إلى واشنطن كسفير محتمل للدولة الفلسطينية المستقبلية.

كما اقترح على إدارة بايدن إعادة فتح البعثة الدبلوماسية الأمريكية في القدس الشرقية التي كان الرئيس السابق ترامب أغلقها، وقال إن ذلك من شأنه تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية، وأن يدعو السلطة الفلسطينية لإرسال ممثل دبلوماسي إلى واشنطن كسفير محتمل لدولة فلسطينية مستقبلية، ومحو الانطباع الذي خلفه إغلاق البعثة في القدس الشرقية بأن أمريكا تدعم حل الدولة الواحدة.

وأضاف فريدمان “قامت إدارة ترامب، بقيادة سفيرها في إسرائيل، ديفيد فريدمان، المؤيد بشدة للمستوطنات اليهودية في جميع أنحاء الضفة الغربية، بعمل متهور حقًا: فهي لم تنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس فقط، دون الحصول على أي تنازلات إسرائيلية في المقابل.؛ كما أغلقت القنصلية الأمريكية في القدس، التي لطالما كانت الرابط الدبلوماسي الأمريكي المنفصل والمتميز مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. لقد قام ترامب بضمها إلى وحدة الشؤون الفلسطينية في سفارتنا لدى إسرائيل.

هذا التصرف، برأي فريدمان، قضى فعليًا على أي تمثيل دبلوماسي منفصل للولايات المتحدة لدى السلطة الفلسطينية، وبدلاً من ذلك، وسع ترامب تفويض السفير الأمريكي لدى إسرائيل ليشمل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بقيادة حماس.

بعبارة أخرى، يقول الكاتب، بدلًا من أن يكون لديه سفارتان لشعبين، أنشأ ترامب سفارة دولة واحدة، وسفير دولة واحدة، وهو ما يعكس معًا انجراف إسرائيل نحو حل الدولة الواحدة.

من خلال فتح بعثة دبلوماسية أمريكية في رام الله وليس فقط القدس الشرقية، سيعكس بايدن ذلك ويعزز مكانة السلطة الفلسطينية كدولة وليدة، كما يقول فريدمان.

ويرى الكاتب المخضرم أيضًا على أن على الرئيس بايدن أن يقترح مفاوضات السلام مع خطة ترامب كنقطة انطلاق، مضيفًا “اقترحت الخطة تقريبًا أن تحصل إسرائيل على 30 في المئة من الضفة الغربية والفلسطينيين على 70 في المائة، بالإضافة إلى تبادل الأراضي. سيكون للفلسطينيين عاصمة خارج القدس. كانت الخطة غير متوازنة بشكل يبعث على السخرية لصالح إسرائيل، ورفضها الفلسطينيون تمامًا.

لكن حقيقة قبول نتنياهو لها تجعلها نقطة انطلاق فعالة، وليس نقطة نهاية، للمفاوضات. كما يمكن أن يولد بعض الدعم الجمهوري لإحياء بايدن على أساس قيام دولتين، وفق الكاتب.

وقال فريدمان “يجب على الولايات المتحدة أن تشجع الدول العربية الست التي قامت بتطبيع العلاقات مع إسرائيل (البحرين ومصر والأردن والمغرب والسودان والإمارات العربية المتحدة) على نقل سفاراتها في نفس الوقت من تل أبيب إلى القدس الغربية، هي وجميع دول العالم.

وأضاف “الاعتراف بها (الضفة الغربية) كجزء من إسرائيل من شأنه أن يجعل الإسرائيليين سعداء، ويفتح سفارات للدولة الفلسطينية الوليدة في رام الله، تمامًا مثل الولايات المتحدة. هذا، أيضًا، من شأنه أن يعزز واقع الدولتين، وستجد إسرائيل صعوبة كبيرة في معارضة ذلك.

وأخيرًا، يقول الكاتب، يجب على الولايات المتحدة أن تشجع هذه الدول العربية على زيادة دعمها المالي للسلطة الفلسطينية بشكل كبير وجعل المساعدة لغزة مشروطة بتدفق المساعدات عبر السلطة الفلسطينية فقط، وليس مباشرة إلى حماس وليس من خلال المنظمات الدولية مثل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). .

وخلص فريدمان إلى تأكيد أن التوصل إلى إبرام اتفاق يقضي بحل الدولتين أمر بعيد المنال ما دام نتنياهو وعباس في السلطة، ولكن الخطوات التي اقترحها كفيلة على الأقل بالحفاظ على إمكانية التوصل لذلك الحل في المستقبل.

وختم بالقول: “اليوم، هذا أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط للإسرائيليين والفلسطينيين ولكن أيضًا للعديد من الأمريكيين ومشرعي الحزب الديمقراطي ويهود العالم وبايدن نفسه”.

المصدر : نيويورك تايمز

شارك